فتاوى للتطبيع مع الواقع أم اجتهاد ضل طريق التأصيل

مفارقة إسلاميي تونس أنهم يريدون أن يحتفظوا بإسلامية جماعتهم، حركة النهضة، وفي الآن نفسه يسعون لاسترضاء الآخر عبر فتاوى صادمة دون البحث عن مسوغات أصولية وفق الرؤية الفكرية للحركة التي تعلن فيها أنها حركة أصولية أشعرية. ولم تؤد الهوية شبه الأصولية شبه المعولمة إلى النتائج المأمولة، وصارت “النهضة” في مرمى سهام الحضن الإخواني السلفي الذي انطلقت منه، دون أن تحصل على اعتراف حداثي محلي أو خارجي.
الجمعة 2017/03/10
النهضة: حزب تونسي أم حركة إسلامية؟

تصريحات بعض القيادات في حركة النهضة التونسية الخاصة باستهلاك القنب الهندي (الزطلة بالمصطلح التونسي) وإجازة المثلية الجنسية بوصفها حرية فردية، أثارت تساؤلات جدية حول إسلامية الحركة في سياق التصنيف الذي حددته لنفسها كحركة أصولية من خلال رؤيتها الفكرية، فضلا عن غياب تأصيل فقهي يبرر القفز من اعتماد أدبيات تقليدية محافظة، إلى محاولة التماهي مع منظومة حقوق الإنسان الدولية.

ونقل عن راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، قوله إن الإسلام يحترم خصوصيات الأشخاص ولا يتجسس عليهم، وأن كل شخص حر في ميولاته، مضيفا أنه يرفض تجريم المثلية الجنسية لأن القانون لا يقوم بتتبع الحياة الخاصة للأفراد، ولأن هذا الإجراء مخالف للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وزادت من حدة الموقف تصريحات لطفي زيتون، المستشار السياسي للغنوشي، الذي لم يخف رفضه تسليط عقوبة السجن لمستهلكي القنب الهندي وللمتهمين بالمثلية الجنسية باعتبارها تدخل في إطار الحرية الشخصية للأفراد، وليس فيها تعد على الفضاء العام.

زيتون اعترف في حوار مع صحيفة لوبوان الفرنسية بأن هذه “الفتوى” تعبر عن رأيه الشخصي الذي قد لا يتفق معه منتسبو النهضة.

وشدد زيتون على أن قرار إلغاء العقوبات يجب أن يتعلق فقط بـ”الزطلة” لأنها تعتبر من المخدرات الخفيفة، وأن يستعاض عن العقوبة بالتربية والتوجيه، مشيرا إلى أن ظاهرة استهلاك الحشيش في تونس انتشرت بشكل ملحوظ، حيث إن 3.5 مليون شخص معنيون بهذه المسألة، 77 في المئة منهم من الشباب، وهذا الانتشار الكبير لا يمكن معالجته بالعقوبات والتجريم والسجن، بل بالتعليم والتوعية.

يذكر أيضا في هذا الصدد أن النائب عن الحركة بالبرلمان سمير ديلو سبق أن دافع عن المثليين في تصريح له بجريدة لوموند الفرنسية، شدد فيه على أنه سيناضل من أجل أن تكون لهم قوانين تحميهم في تونس اقتداء بأغلب الدول الديمقراطية.

ضمن الهوية شبه المعولمة شبه الإسلامية، بحث الغنوشي عن علمانية مؤمنة تخلف العلمانية المعادية للدين

إكراهات الواقع

سرعت الحركة بفعل إكراهات الواقع من سيل فتاواها بعد ثورة العام 2011، وقيادتها لأول تجربة حكم، فضلا عن انفتاحها على دوائر غربية مختلفة تريد أن تعرف هويتها الفكرية والسياسية.

ولم تبحث النهضة، ربما لعامل الزمن الضاغط، عن مقاسات فقهية تعود إليها، واضطرت لأن تطلق فتاوى جاهزة لجذب محاوريها من الغربيين، ومن التونسيين حيث تسود الثقافة الليبرالية التي تستمد قوتها من إرث مجلة الأحوال الشخصية التي خرق بها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة الثقافة الدينية التقليدية، فضلا عن إرث فرنسي قوي لدى النخبة بوجهيها الليبرالي، أو اليساري الذي يتبنى الماركسية العقائدية في نظرتها للدين.

ويقول باحثون إن البعد التونسي في تكوين الحركة تغلّب على الخلفية الإخوانية، ففضلا عن تأثير مجلة الأحوال الشخصية، هناك مدونة فقهية مالكية بهوية تونسية عرفت بمفاضلة العرف (الواقع) على القياس الأصولي، وبالميل إلى التيسير ورفع الحرج، فضلا عن خصائص ترتبط بالتسامح الديني ومراعاة الخلاف.

ويعزو الباحثون استدارة النهضة عن المرجعية الإخوانية إلى تأثير تجربة الهجرة على قيادات بارزة بينها رئيس الحركة راشد الغنوشي ومستشاره السياسي المثير للجدل لطفي زيتون، وهؤلاء طبعوا “فتاواهم” الأخيرة بطابع التفكير القانوني في بريطانيا، خاصة ما تعلق بقضية المثلية الجنسية.

ولم يكن الأمر ليثير تساؤلات حادة لو اقتصر على التوافق السياسي بما يعنيه من تنازل عن المشاركة في الحكم مقابل السماح لها بالاستمرار في المشهد السياسي، وهو توجه عمقته النهضة بعد إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من الحكم وسعيها لتجنب ما تسميه السيناريو المصري.

ومن الظاهر أن الجماعة، التي لا تمتلك أدبيات ولا مراجع فكرية عدا رئيسها، قد قررت نقل التوافق السياسي إلى المجال الفقهي بإجازة ما لم يجزه الأوائل، لكسب نوع من الاعتراف المحلي والدولي بمدنية الحركة في مناخ ضاغط وبملفات مثيرة للجدل مثل مسألة المثلية الجنسية، واستهلاك القنب الهندي.

وفيما لم يتم بعد تقييم التفاعل الغربي مع هذه "الفتاوى" المعدة على المقاس لأجل المجاملة ونيل الرضا، فإن المنظمات المدنية والحقوقية والأحزاب الليبرالية واليسارية مازالت تعتقد أن النهضة تناور، وأن هذه الفتاوى جزء من التقية التي تسمح للإسلاميين بالتسلل الناعم إلى الدولة ومؤسساتها وأخونتها، وأنه حين يتحقق ذلك سترتد النهضة حركة متشددة مثلما كانت من قبل حين كانت جماعة إسلامية، تعيد كل شيء إلى الأصول والقياس الفقهي.

لكن الردود الأكثر إيلاما هي التي تأتي من داخل التنظيم، والتي تحفل بها مواقع التواصل الاجتماعي، وتتهم الحركة بتمييع هويتها الإسلامية، مقابل الاندماج في المنظومة الليبرالية المهيمنة داخليا وخارجيا.

فتاوى تسمح للإسلاميين بالتسلل الناعم إلى الدولة ومؤسساتها وأخونتها

فتاوى على المقاس

لم تكن الفتاوى الأخيرة مفاجئة، فالشكوك بشأن “إسلامية” الحركة بدأت مع تراجعها عن الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وتخليها عن شعارات إخوانية تقليدية مثل “الإسلام هو الحل”، في وقت كان الآلاف من الشباب ينتخبونها في 23 أكتوبر 2011 لتطبيق الشريعة، بينهم سلفيون كانوا يستظلون بظل الترويكا (تحالف ثلاثي ترأسته النهضة لإدارة البلاد 2012 – 2013) ليحتكروا المساجد والكتاتيب ورياض الأطفال والجمعيات الخيرية.

وكان الغنوشي قاطعا في التخلي عن الشريعة كأولوية، حين قال في مقابلة مع مجلة دير شبيغل الألمانية في يناير2011 “إننا لا نريد فرض الشريعة في تونس، إن ما تحتاجه تونس هو الحرية والديمقراطية الحقيقية”.

وقبل انتخابات 2013 انفض هؤلاء عن النهضة، وانقلبوا عليها، مع تواصل فتاوى “التطبيع” مع الواقع التي كان يطلقها بعض قادتها مثل ناجي الجمل الذي اقترح حذف شَرطيْ الإسلام والذكورة من شروط الترشح لرئاسة الجمهورية في الدستور الجديد، أي إتاحة الفرصة للمرأة و”غير المسلم” ليكون أحدهما رئيسا لتونس، وهما أمران تنبني عليهما ثقافة الإسلام السياسي في الرؤية إلى الدولة.

اندماج مشوش في العولمة

ولم يجد المنتقدون من داخل الحركة لتتالي الفتاوى، التي قد تحقق هدف طمأنة الآخر لكنها تربك الأنا الحزبية والدينية، مرجعية حركية يحاجون بها القيادة السياسية التي تحولت إلى قيادة فقهية مالكة لمفاتيح الفتوى.

وافتقدت الحركة منذ تأسيسها في سبعينات القرن الماضي لكتب مرجعية متفق عليها، مثلما يلتزم أنصار حزب التحرير بكتب تقي الدين النبهاني، أو يلتزم التيار الناصري في تونس بأدبيات عصمت سيف الدولة.

وظل جمهور “النهضة” يراوح في الأدبيات المرجعية بين كتابات أبي الأعلى المودودي وسيد قطب ومحمد قطب، ثم انفتح مع ثورة آية الله الخميني في إيران على كتابات علي شريعتي التي تخرج بهذا الجمهور من الوعي السلفي العقائدي للقضايا وتقربه من الاشتراكية الإسلامية، أو ما عرف في تونس باليسار الإسلامي.

ولاقت كتابات حسن الترابي وفتاواه المثيرة للجدل صدى لدى جمهور النهضة، فضلا عن كتابات السوداني محمد أبوالقاسم حاج أحمد، واللبناني علي حرب باعتبارها كتابات ساعية للخروج عن المسلمات الأصولية الصالحة لكل زمان ومكان، وملامسة أسئلة الراهن في ضوء تحديات الحداثة وما بعدها.

في تعاط مع هذه الموجة، بدأ الغنوشي بالانزياح عن الخلفية الأصولية المحددة لهوية الحركات الإسلامية الإخوانية، إلى كتابات معولمة في صياغاتها وقضاياها، مع التشديد على أنه لم يفارق المشترك الإسلامي للحفاظ على زعامة الشيخ خاصة بعد أن صارت جماعات إسلامية إخوانية تتخذه مرجعا لها، وفي ظل عضويته للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يتزعمه يوسف القرضاوي.

وضمن الهوية شبه المعولمة شبه الإسلامية، بحث الغنوشي عن التوفيق مع العلمانية وإفراغها من المحاميل التي تحيل إلى كونها منتجا بشريا في قطيعة مع الفكر الديني، ونقلها إلى علمانية مؤمنة ومتسامحة لا تعدو أن تكون مجرد “شكل إجرائي لحل الخلافات بشكل ديمقراطي في الدولة”.

واعتبر مصدق الجليدي، الجامعي والباحث في علوم التربية، أن “ما قام به الغنوشي في معالجته لقضية العلاقة بين العلمانية والإسلام ينم عن ذكاء سياسي، ولكنه ليس من المعرفة والفكر الفلسفي السياسي في شيء في تقديرنا. فهو قد قام بذلك بحس سياسي براغماتي عجيب أدى به إلى دمج مفاهيم ومصطلحات من سجلات وابستيميات مختلفة في قالب واحد هو قالب الحكمة المبحوث عنها، كما يتصورها”.

وخلص الجليدي في مقال بعنوان “العلمانية والإسلام: قراءة في فتوى الشيخ راشد الغنوشي” إلى أنه “في غياب تأصيل حقيقي وعميق لهذه المفاهيم السياسية الحديثة في الفكر الإسلامي، يقع المؤلف في مطبّ توفيقية غريبة بين ما يعتبره قيم الإسلام وتقنيات السياسة الغربية”.

مصدق الجليدي: ما قام به الغنوشي في معالجته لقضية العلاقة بين العلمانية والإسلام ينم عن ذكاء سياسي، ولكنه ليس من المعرفة والفكر الفلسفي السياسي في شيء

وتبدو كتابات الغنوشي يائسة من أي حوار مع المنظومة الإسلامية بوجهيها السلفي والإخواني، ما جعله يبحث عن حوار مع المفاهيم الغربية لا ليثبت تهافتها، وإنما ليبحث عن تبرئتها وإعلاء شأنها، كأرضية ضرورية لتبرير “الاندماج الواعي” فيها.

استرضاء الآخر

لا يعدو الدفاع عن مفاهيم غربية مثل العلمانية والديمقراطية والجندر واتفاقية سيداو وشرعنة المثلية أن يكون سوى محاولة للاقتراب الجاد من الآخر بحثا عن الاعتراف والتثمين، بقطع النظر عن صدمة الفتاوى في الجانب الآخر من الهوية، أي الجمهور الحزبي والديني الذي يرى في الغنوشي مرجعا.

وثارت موجة من الانتقادات ضد تصريحات أطلقها الغنوشي خلال زيارة له إلى الولايات المتحدة بعد فوز حركة النهضة بانتخابات 2011. وكان واضحا أنه بحث خلالها عن طمأنة الأميركيين بأن حركته ليست إسلامية بالصورة التي يحملها الأميركيون عن الحركات الإسلامية. وجاءت هذه التصريحات في وقت فتحت فيه إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قنوات التواصل مع إسلاميي دول الربيع العربي، وساد حديث عن أنها راهنت عليهم بدائل للأنظمة التي تم إسقاطها، أو التي كان يراهن على إسقاطها، قبل أن تراجع نفس الإدارة رهاناتها لاحقا.

وعندما سئل الغنوشي في هذه الزيارة عن معاقبة المرتد في الإسلام٬ قال “الناس أحرار في أن يغيروا أديانهم”. وعن الآيات التي تحض على الجهاد ومقاتلة الآخر، قال رئيس حركة النهضة إن “إسلام تونس إسلام معتدل”، وإننا “نبحث في القرآن والأحاديث النبوية عن أهداف الإسلام، لا عن تفاصيل آيات معينة”.

واستغرب عدنان أمامة، من مركز الدراسات للتأصيل والبحوث، فتاوى الغنوشي. وقال “هكذا إذن تصبح المئات من النصوص التشريعية في القرآن والسنة المتضمنة لتفصيلات الأحكام غير واجبة الاتباع بنظر الغنوشي، وهكذا يكتشف أصحاب ‘الفكر المتنور’ بعد أربعة عشر قرنا ونيف أنهم أتوا بما لم يستطعه الأوائل”. ويقول ناقدون للغنوشي إنه يسير على خطى الترابي بالبحث عن الفتاوى الصادمة التي تهدف إلى تحريك برك إسلامية آسنة دون أن تولي التأصيل الديني الأهمية اللازمة، وهو التأصيل الذي يجعل من أي فتاوى أرضية مساعدة على التطوير، وأن الاتكاء على الرؤية المقاصدية قد يجعل من الفتاوى مجرد أداة لتحقيق أهداف الإسلام السياسي.

كاتب وإعلامي تونسي

13