فتحى كحلول فاكهة مائدة رمضان على التلفزيون الليبي

حالة فريدة من نوعها في الساحة الثقافية الليبية والعربية يمثلها الفنان فتحي كحلول، حيث يجمع بين التمثيل والتأليف والإخراج وإعداد السينوغرافيا وكتابة السيناريو والتلحين والغناء ونظم الكلمات والعزف.
الثلاثاء 2019/05/21
نجم يجمع بين التمثيل والتأليف والإخراج والتلحين والغناء

يسجل الفنان الليبي فتحي كحلول ظهورا متميزا خلال شهر رمضان، من السلسلة الكوميدية “آدم وحويوة وخلودة” مع الممثلة الكبيرة لطفية إبراهيم والفنان العائد خالد كافو إلى دور “الأسطى نجيب” في العمل الدرامي الضخم “زنقة الريح” للمؤلف عبدالرحمن حقيق والمخرج أسامة رزق، بينما لا يزال الجمهور يحنّ إلى أعماله الكثيرة التي ميّزت أربعة عقود من الزمن.

يقول كحلول عن ذلك إن “الأعمال القديمة لها عطر خاص يدغدغ مشاعر الجمهور العريض، ربما لأنها تعود بالذاكرة إلى زمن الفن الجميل، يوم كانت الأسرة تجتمع حول مائدة رمضان في أوضاع آمنة ومستقرة، أما اليوم فهناك ضغط نفسي واجتماعي واقتصادي وأمني، وحالة من الانشغال العام حول المستقبل، ربما لذلك لم يعد هناك من ينتبه كثيرا للأعمال الفنية، والغريب أنك قد تصادف في الشارع أو السوق من يذكّرك بأعمال تعود إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ولا يتوقف عند الأعمال الجديدة، وكأنه لا يعلم عنها شيئا، أو ربما هو لا يشاهدها”.

مواهب بلا حدود

فنان ليبي لا تخمد طاقته
فنان ليبي لا تخمد طاقته

كحلول يبرز كحالة فريدة من نوعها في الساحة الثقافية الليبية والعربية، حيث يجمع بين التمثيل والتأليف والإخراج وإعداد السينوغرافيا وكتابة السيناريو والتلحين والغناء ونظم الكلمات والعزف، ما دفع المؤرخ والكاتب الراحل علي فهمي خشيم إلى أن يطلق عليه لقب “الفنان الشامل”.

يدير كحلول المسرح الوطني الليبي في طرابلس، وكانت آخر أعماله المسرحية “بالمحلي الفصيح”، التي تجرأ فيها على كشف الواقع بمختلف تجلياته وانتظار الناس للرجل “المبروك“ المنقذ في ظل الأوضاع التي تعرفها ليبيا منذ أحداث العام 2011، وذلك من خلال إنجازه صياغة جديدة لنص “في انتظار غودو” لصاحبه المؤلف الأيرلندي صمويل بيكيت.

ولد كحلول في العام 1951 بطرابلس، داخل أسرة منحدرة من مدينة الزاوية. ومنذ طفولته تعلق بالفنون وخاصة المسرح، حيث انضم أثناء دراسته الابتدائية إلى قسم المسرح والموسيقى في مدرسة المدينة العتيقة.

وعندما التحق بالمدرسة الثانوية منتصف الستينات من القرن الماضي، كان قد انتسب إلى المركز الثقافي العربي المصري. حيث ساهم في تكوين فرقة فنية، وكُلّف بالإشراف عليها لمدة ثمانية أعوام، وقدّم فيها 27 عملا من مسرحيات الفصل الواحد، إلى جانب العشرات من الأغاني التي لحنها وكتب وأدّى بعضها.

كان كحلول قد توجه، خلال تلك الفترة، لدراسة الموسيقى وفنون الأداء في معهد جمال الدين الميلادي الذي كان يديره آنذاك الموسيقار الفنان كاظم نديم، ويشرف عليه فنيا المايسترو الهادي الشريف، وفي العام 1968 انضم إلى الفرقة الوطنية للتمثيل تحت إشراف الفنانين الكبيرين مصطفى الأمير ومحمد شرف الدين، وقام بالتوازي بتأسيس فرقة فنية تابعة لنادي المدينة الرياضي والاجتماعي.

تلك الفترة كانت تشهد حراكا فنيا كبيرا، وكان المجال مفتوحا للجميع للمشاركة وإبراز الطاقات والمواهب، يروي كحلول كيف شعر أنه ارتوى من ينابيع الفن والإبداع، ويتابع قائلا “على الرغم من أنني كنت في مقتبل العمر، لكن علاقات وطيدة جمعتني بمبدعين كبار في المسرح والموسيقى والغناء وكذلك في الإعلام والصحافة”.

ويضيف “في بدايات السبعينات كانت انطلاقتي الحقيقية من خلال أدوار البطولة في المسرح المحترف، حيث شجعني الكاتب والشاعر والمؤلف المسرح والصحافي فرج قناو على الالتحاق بفرقة المسرح الليبي لأقدّم عملا من نوع المسرح الغنائي، من تأليفه وإخراج الفنان عبدالله الزروق وهو (متزوج سبعة) الذي حقق نجاحا كبيرا، ما دفعنا إلى الاستمرار في التجربة عبر خمسة أعمال متلاحقة تتمحور حول شخصية واحدة وهي شخصية (أبوعديلة) التي جسدتها، وتم تسجيل المسرحيات وعرضها على شاشة التلفزيون لتحقق نجاحا باهرا لدى المشاهدين”.

 في العام 1972 كانت ثاني أعماله المسرحية “أخطا راسي وقص” التي يقول عنها كحلول “شاركت بها في مهرجان المسرح الليبي، وفزتُ بجائزة أحسن ممثل، بينما فاز مؤلفها فرج قناو بجائزة أحسن نص، ومخرجها عبدالله الزروق بجائزة أحسن إخراج. وفي العام 1973 انضممت إلى فرقة المسرح الوطني في طرابلس، وقمت ببطولة مسرحية (ما يقعد في الوادي إلا حجره) للمؤلف مصطفى الأمير والمخرج حسن قرفال، وقد نالت صدى مهما، حتى أن الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة دعانا إلى تقديمها في عرض خاص أمامه بقصر قرطاج”.

ساعة لقلبك

نجاحاته الكبيرة في المجال الكوميدي، لم تمنع كحلول من مواصلة حضوره في الأعمال الدرامية، فكانت له مشاركات في بطولة عدد كبير من المسلسلات، يتوجها دوره في المسلسل الذي يعرض حاليا "زنقة الريح"
نجاحاته الكبيرة في المجال الكوميدي، لم تمنع كحلول من مواصلة حضوره في الأعمال الدرامية، فكانت له مشاركات في بطولة عدد كبير من المسلسلات، يتوجها دوره في المسلسل الذي يعرض حاليا "زنقة الريح"

اقترح عليه الفنان عامر الحجاجي الذي كان أستاذه في معهد الموسيقى والتمثيل ورئيس الفرقة الموسيقية للإذاعة، أن يتقدم للمشاركة في مناظرة مفتوحة تنظمها الإذاعة لاختيار واعتماد الملحنين، فتقدّم بأغنية من كلمات الشاعر بشير أحمد، أمام لجنة تتكون من عدد من كبار فناني ليبيا مثل كاظم نديم وعامر الحجاجي ومحمد أبوقرين وعبدالسلام خزام، ونجح بتفوّق، وتم تصنيفه كملحن ومغنّ معتمد في الإذاعة والتلفزيون. فقدّم كحلول العشرات من الأعمال المسرحية الكوميدية الغنائية ذات المنحى الاجتماعي، من بينها “نقابة الخنافس” و”حوش العيلة” و”الصوت والصدى” و”محضر تحقيق” و”اليد السوداء” و”بشرى” وغيرها.

بداية مشاركته في الدراما عن التلفزيونية ترجع إلى العام 1974 من خلال مسلسل “القضية” للمخرج حسن التركي، وبمشاركة عدد من ألمع فناني تلك الفترة، ومن بينهم مصطفى المصراتي وفاطمة عمر وعبدالله الريشي وعلي القبلاوي وغيرهم، غير أن النقلة الحقيقية على شاشة التلفزيون بدأت من خلال المنوعة الكوميدية “ساعة لقلبك” تأليف فرج قناو وإخراج محمود الزردموي، والتي قدمها صحبة الفنانة لطفية إبراهيم والفنان سعد الجازوي اللذين شكل معهما ثالوثا بات جزءا من مائدة إفطار الليبيين في رمضان لسنوات عدة.

دراما وكوميديا

حالة فريدة من نوعها في الساحة الليبية والعربية يمثلها كحلول.(الصورة أثناء تكريمه من قبل الفنانة القديرة سميحة أيوب)
حالة فريدة من نوعها في الساحة الليبية والعربية يمثلها كحلول.(الصورة أثناء تكريمه من قبل الفنانة القديرة سميحة أيوب)

تتالت منوعات رمضان بعد ذلك،  “واحد زايد واحد” من تأليف مسعود القبلاوي وإخراج محمد الشوهدي و”لمتنا حلوة” تأليف محمد الكور وإخراج خالد خشيم “وكلمة حب” تأليف أحمد الحريري، وكذلك “اللمة والشاهي واللوز” التي تحولت إلى ظاهرة فنية في الشارع الليبي، وقد شارك في هذه الأعمال عدد من الفنانين، من أبرزهم الفنانة خدوجة صبري التي شكّلت مع كحلول ثنائيا مهما، والفنان يوسف الغرياني المعروف بإسم “قزقيرة” والفنانة زبيدة قاسم والفنانة مهيبة نجيب والفنان إسماعيل العجيلي المعروف باسم “سمعة” وغيرهم.

 كانت تلك المنوعات تقدّم مشاهد تطرح مشاكل وقضايا المجتمع بشكل كوميدي ساخر، كما يرى كحلول، وقد حققت نجاحا جماهيريا ساحقا سواء في ليبيا أو في دول الجوار التي كانت تتابع برامج التلفزيون الليبي، وكانوا يقدّمون في كل حلقة أغنية كوميدية أو اجتماعية سرعان ما كانت تحقق الرواج وتنتشر عبر الإذاعات المسموعة. يشدد كحلول على أن الكوميديا لها وقع خاص لدى الشعب الليبي المحبّ للنكتة، والباحث عن فرصة للضحك في إطار عائلي ملتزم بضوابط العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية.

رغم تلك النجاحات في المجال الكوميدي، واصل كحلول حضوره في الأعمال الدرامية، فكانت له مشاركات في بطولة عدد من المسلسلات من بينها “الفال” و”الساهرون” و”وادي الحنة” و”أيام لها ربيع” و”حصاد السنين” و”مفيدة”، كما وضع ألحان المقدِّمات الغنائية لعدد من الأعمال كمسلسل “الهاربة”.

في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، سافر كحلول في بعثة دراسية الى جمهورية هنغاريا، وهناك انضم إلى أكاديمية الفنون للمسرح والسينما والموسيقى، ليتخرج منها بمرتبة الشرف، وكان مشروع تخرجه إخراج مسرحية “في انتظار غودو” لصمويل بيكيت، مع مقدمة في “العبث وبيكيت ودراما الطليعة”، ودراسة حول المخرج الروسي فاسيفولد مايرهولد ومسرحه الجديد.

يؤكد كحلول أن تلك البعثة الدراسية مكّنته من أن يدعم موهبته بالرؤية الأكاديمية المتكاملة التي ستقود لاحقا إلى تطوير عطاءاته، خصوصا بعد أن تم تكليفه بإدارة المسرح الوطني، ومن هناك بدأ في البروز كمخرج من خلال إعمال عدة من بينها المسرحية الغنائية “باب الفتوح”، والتي تمَّ عرضها في مهرجان دمشق المسرحي وحازت النجاح الباهر وتقدير النقاد والمسرحيين العرب والأجانب، كما تمَّ تقديمها أيضا في المهرجان الوطني الخامس وحازت جائزة العرض المتكامل وجائزة الإخراج، ومسرحية “السندباد” التي حازت جائزة الإخراج والعرض المتكامل في المهرجان الوطني السادس.

وقدّم كحلول مسرحية “الملك هو الملك” عن نص للكاتب سعدالله ونوس، لتكون باكورة إنتاج الفرقة الوطنية، التي كلف بإدارتها لكنها لم تستمر طويلا، كما اتجه لتلحين عدد كبير من الأغاني لفنانين ليبيين بازرين من بينهم عبدالله الأسود، وخالد عبدالله، وخالد الزواوي، ومراد إسكندر وطارق محمد وأميرة وسالمين زرواق وعبدالله الفقي وعزالدين محمد وغيرهم، إضافة إلى تلحينه بعض العروض الفنية الكرنفالية مثل عرض “الشمس” الذي تم تقديمه في افتتاح الدورة التاسعة لمهرجان الفنون الشعبية بمدينة لبدة الأثرية، أما في العام 2011 فعرض كحلول “الإمام الثائر”.

حب الناس والحياة

 الكوميديا لها وقع خاص لدى الشعب الليبي المحب للنكتة والباحث عن فرصة للضحك في إطار عائلي ملتزم بضوابط العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية
 الكوميديا لها وقع خاص لدى الشعب الليبي المحب للنكتة والباحث عن فرصة للضحك في إطار عائلي ملتزم بضوابط العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية

 هذا الفنان الليبي الذي لا تخمد طاقته، سجل بصوته أكثر من 100 أغنية من بينها “احنا صغار ونوّلوا كبار”، وهي أغنية للأطفال رفقة الفنان سعد الجازوي، و”مبروك العيد على الزينة” التي تحوّلت إلى أغنية الأعياد في ليبيا، و”يا أميمة يا ودادة” وهي أغنية خاصة بالأم، إضافة إلى أعمال تتحدث عن الوطن والغربة والعنصرية والطلاق والانتخابات والسلام وإهدار الثروات والبيئة وغيرها.

وقد جرى تكريم كحلول مرات عديدة في وطنه ليبيا، وشارك في العديد من المهرجانات المسرحية في كل من مصر وسوريا والمغرب والجزائر والكويت، وفي مهرجان “الفكاهيين العرب” في تونس. وحاز جائزة أمانة الثقافة عن عرض مسرحية “خارج نطاق التسلية”، وهي من ألحانه وإعداده وإخراجه، وتم تكريمه في مناسبات مختلفة، ومن ذلك مهرجان الرواد العرب الذي نظمته الجامعة العربية، تقديرًا لدوره الإبداعي في الوطن العربي في 2002، وفي مهرجان المسرح العربي بالقاهرة، لدوره الإبداعي وريادته، وتم اختياره لعضوية لجنة التحكيم في المهرجان، كما كرِّم في المهرجان المغاربي بمدينة مكناس في دورته الثانية مع عدد من المخرجين المغاربة المميزين، وفي مهرجان الفكاهيين العرب للأغنية الاجتماعية في مدينة أغادير المغربية.

ومن آخر أعماله المسرحية “قراءة في الموروث التراثي والمسرحي العربي والعالمي” في تجربة جديدة لكنها لم تر النور، كما اشتغل على “سيرة بني هلال”، مع الكاتب المصري يسري الجندي، التي استغرقت منه خمس سنوات في الإعداد ولم يُكتَب لها التنفيذ لظروف سياسية، وعمل على تجهيز مسرحية “أرض لا تنبت الزهور” تأليف محمود دياب، إضافة إلى ملحمة “العقيلة”.

وإلى اليوم، لا ينقطع كحلول عن التأليف والإخراج والتلحين والتمثيل والغناء، فهو يرى أن حياته حركة دائمة في اتجاه الإبداع، وسعي متواصل من أجل تقديم الإضافة التي يحلم بها في تجربته المتميزة.

سألته عن سر الشباب والنشاط الدائمين فقال “الحب؛ حب الفن ومن خلاله حب الناس والحياة، والإيمان بأن الأرض تتسع للجميع، والبحث الدائم عن مناطق لم أكتشفها بعد من جغرافيا الجمال، بالقراءة والإطلاع والسفر والاقتراب من مشاغل الناس اليومية والانتباه إلى التفاصيل التي تختزل كل شيء”.

13