فتحية العسال مدافعة عن المرأة ومنحازة إلى المهمشين

الجمعة 2014/06/27
العسال فتاة من الطبقة الشعبية تتحول إلى كاتبة ومناضلة سياسية

لم ألتق بفتحيّة العسّال الّتي انتقلت إلى رحمة ربّها إلّا مرّة واحدة. كنت مسؤولا عن المهرجان الدّولي بقابس (تونس) ولستُ أدري من نصحني بدعوة هذه المؤلّفة المسرحيّة وكاتبة السّيناريو التلفزيوني إلى ندوة من النّدوات عام 1994. ولكنّني عرفتها بعد أعوام قليلة من خلال ما قرأته عنها. وما قرأته عنها ليس كتابة عادية في الصّحف والمجلّات، ولكنّي قرأت عنها في كتاب جميل ومثير هو السّيرة الذّاتية الّتي كتبها زوجها الرّوائي عبداللّه الطّوخي.

لقد أصدر عبداللّه الطّوخي هذه السّيرة الذّاتيّة “سنين الحبّ والسّجن” عام 1995. واجتثّ من حياته ملمحين كما يشير إلى ذلك عنوان الكتاب، يتعلّق الأوّل بحياته في السّجن بسبب انتمائه إلى عالم السّياسة ويتعلّق الملمح الثّاني بكيفيّة تعرّفه على الفتاة الّتي أحبّها وأضحت زوجته وقد أطلّت عليه من المرتفع تناديه وهو في المعتقل.


الحب والنضال


الفتاة التي أطلّت على السجين عبداللّه الطّوخي هي فتحيّة العسّال. يقول عنها: “في تلك اللّحظة، إذا بي أسمع صوتها ينادي باسمي، فلم أصدّق، ولولا أنّي رأيت عيون الرّفاق كلّها تتوجّه لي، لظننت أنّي أحلم، هي ثانيةً، وتكرّر النّداء: عبداللّه، عبداللّه، انتفضت قافزا من رقدتي، هي فتحيّة، وهو صوتها كرنين أجراس الحياة، وفي أقلّ من لمح البصر، كنت قد صعدت قافزا على الحائط وأمسكت بقضبان الحديد".

المناضل أحب فتاة من الطبقة الشعبية كان حظها من التعليم قليلا ولا علاقة لها بقضايا الثقافة والسياسة

وبعدما وصف هذا اللّقاء بالزّوجة والحبيبة عبر القضبان، نراه يدافع عن مؤسّسة الزّواج ويجادل الكاتب الرّوسيّ جوركي جدال المناضل السّياسيّ: “من قال إنّ الزّواج يثقل كاهل الثّوريّ؟ ليس دائما أيّها العزيز جوركي، لو قام الزّواج على حبّ صادق وعميق فهو نعمة على الثّوريّ وخير معين له في الشّدائد والأزمات”. ثمّ يسأله أحد الرّفاق أن يروي قصّة حبّه لهذه المرأة: “عبداللّه، احك لنا كيف عرفتها.

قال فجأة محمّد الزّبير، اهتزّ قلبي فرحا وطربا، أجل أنا نفسي أريد أن أعرف كيف عرفتها، إنّ الدّهشة السّعيدة مازالت تأخذني حين أسترجع تلك اللّحظة الّتي أرسلت بها إليّ الأقدار”. وعندئذ يدرج قصّة الحبّ الّتي عاشها مع زوجته فتحيّة العسّال، الكاتبة والمناضلة المعروفة الّتي غادرت عالمنا منذ أيّام قليلة. وفي الحقيقة لم يبتعد هذا الملمح السّرديّ عن تجربة النّضال والسّجن، فقصّة الحبّ هذه جاءت لتؤكّد الوجه النّضاليّ لهذا المحامي والسّياسيّ الّذي سيصبح روائيّا وكاتبا مسرحيّا، وتؤكّد تناسق مواقفه، ذلك أنّ الموقف الشّخصيّ لا يتعارض مع الموقف العام وأنّ الرّؤية للحياة الشّخصيّة تتناغم مع الرّؤية للحياة العامة.

وخلاصة قصّة الحبّ هذه تتمثّل في أنّ هذا المناضل أحبّ فتاة من الطّبقة الشّعبيّة كان حظّها من التّعليم قليلا ولا علاقة لها بقضايا الثّقافة والسّياسة وجعل منها زوجة مناضلة سياسيّا وثقافيّا.


روح الاعتراف


في هذه السّيرة الذّاتيّة تستقلّ المقاطع السّرديّة عن بعضها بعض، فالمقطع الأوّل (وكان السّجن في انتظارنا) يؤرّخه السّارد بأغسطس 1953 “والدّنيا غريب، غروب يوم وغروب عصر، لكنّه أيضا ميلاد جديد لإنسان وميلاد جديد لعصر، ها أنا ذا في زنزانتي، ممدّدا بظهري، معقود الكفّين ورأسي مستند عليهما، أجذب أنفاسي بارتياح ورضا”، وفيه يصف حالته النّفسيّة وهو يفكّر في زوجته (فتحيّة العسّال) عندما سمع صوتها يتسرّب إليه من أعلى الثكنة قبالة المعتقل، لينتقل إلى المقاطع السّرديّة المواليّة (كيف عرفتها؟ أغاني الحبّ المطارد، مغامرة مع سارق البنك الأهلي) ويروي قصّته مع زوجته.

قصة الحب هذه جاءت لتؤكد الوجه النضالي لهذا المحامي والسياسي الذي سيصبح روائيا وكاتبا مسرحيا

وفي المقطع “مغامرة مع سارق البنك الأهلي” يروي حدثا عاما أربك حياته الزّوجيّة عندما طلب إليه التّنظيم أن يخفي سارق البنك الأهلي على أمل تحويله إلى مناضل سياسيّ “غير أنّه ما كاد يستقرّ في الشقّة ويستعيد هدوء أنفاسه ونظراته بعد أن أتمّ مغامرة هروبه الخطيرة بنجاح حتّى راح وهو يشرب كوب شاي صنعَتهُ له فتحيّة، يحكي لنا بسعادة بعض تفاصيل قصّته وهو يحسب أنّنا نعرف حقيقة شخصيته: لصّ البنك الأهلي الّذي ظلّت جرائد مصر كلّها لعدّة أيّام تتحدّث عن جسارة فعلته الّتي قام بها في عزّ وضح النّهار، وابتلعت صدمة معرفتي لهذه الحقيقة الخطيرة الّتي رأيتها بحسّي القانونيّ تهدّد وضعي الاجتماعي وسمعتي كمحام لو انكشف الوضع وقبضوا عليه عندي".

ثمّ تتتالى بقيّة المقاطع السّرديّة وعددها ثلاثة عشر مقطعا لتروي علاقة المؤلف بالتّنظيم السّياسي الذّي انتمى إليه (حدتو). لقد كتب عبداللّه الطّوخي كتابه “سنين الحبّ والسّجن” من موقع تبريره لموقفه السّياسيّ الجديد ونقده الذّاتي واعتراضه على حركة اليسار السّياسيّ في مصر. فقد كان المؤلّف أحد مناضلي الحركة الدّيمقراطيّة للتّحرّر الوطني (حدتو)، ولكنّه خرج عليها وساهم مباشرة في حلّها. ومن موقعه الجديد هذا ألّف هذا الكتاب: “إنّني الآن أكتب بروح الاعتراف المصحوب بالرّغبة العميقة في التّطهّر الكامل من كلّ ذنوب وحماقات التّطرّف المقترن بالجهل والتّعصّب وروح الادّعاء المرتبطة بالانقياد الأعمى".

لا تهمّنا في هذا المقام هذه السّيرة الذّاتية الجميلة ولكن تهمّنا هذه المرأة الّتي تحدّث عنها. فهذه المرأة الّتي لم تتعلّم في المدارس الكبرى والمعاهد العليا والّتي تنحدر من طبقة شعبيّة تقبل الارتباط برجل ينخرط في العمل السّياسيّ السرّي وتقدم على مغامرة ذات النتائج الوخيمة في مرحلة كان فيها الحكم النّاصري يلاحق اليساريين المتطرّفين، ثمّ تظلّ تمارس حياتها ونضالاتها وهي ترى زوجها يعيش في المعتقل، ثمّ تتحوّل في النّهاية إلى كاتبة عصاميّة ومثقّفة لها مواقفها الّتي تدافع عنها في المحافل الثّقافيّة.

لقد ألّفت فتحيّة العسّال مجموعة من المسرحيّات نذكر منها المرجيحة والباسبور وبلا أقنعة والبن بين، وشجن النّساء، كما كتبت عديد المسلسلات التلفزيونيّة، وكانت في كلّ هذه الأعمال مؤمنة بالتّقدّم ومدافعة عن المرأة ومنحازة إلى الطّبقات الشّعبيّة المسحوقة.

15