فتحي إمبابي: تاريخ العرب كتاب مفتوح على عوالم إبداعية مثيرة للدهشة

الروائي المصري يرى أن ظاهرة الشعوبية المتنامية في كثير من الدول العربية الآن ما هي إلا رد فعل طبيعي لصراع زائف، لكنها أيضا نتيجة لفشل الأنظمة الحاكمة في التآلف والتوحد.
الأحد 2020/03/15
فتحي إمبابي: دراسة الهندسة ساعدتني على رسم الشخصيات بدقة

من معاناة الناس يولد الابداع، ويحكي مرارات الإنسان، ويبكي لهزائمه، ويرسم أمنياته، ويُبشر بالتغيير المأمول نحو الحرية والعدالة. فالبيئة المحيطة هي المعين الأول لقريحة الإبداع لتنمو وتنتعش. والروائي المصري فتحي إمبابي أحد المهمومين بأوجاع الخارطة العربية، مسكون بهواجس التفكك الجاري، وموجوع بمشاهد الحرب في سوريا، اليمن، ليبيا، ويرى الضعف العربي ويعيشه في مشهد الانفجارات المفزعة هنا وهناك.

 الروائي المصري فتحي إمبابي، يؤمن، وهو المنشغل بفكرة الهوية، بأن العرب إخوة، لكن العرب هم عرب الشعوب، لا الحكومات. وفي يقينه فإن ظاهرة الشعوبية المتنامية في كثير من الدول العربية الآن ما هي إلا ردّ فعل طبيعي لصراع الهويات الزائف، لكنها أيضا نتيجة لفشل الأنظمة الحاكمة في التآلف والوحدة، وهي على أي حال ليست دليلا على سقوط فكرة التوحد.

في منزله بحي مدينة نصر في شرق القاهرة، التقت “العرب” بالكاتب والروائي فتحي إمبابي ليؤكد خلال لقاء طال لثلاث ساعات أن هناك احتياجات اجتماعية وثقافية واقتصادية تدفع الشعوب العربية إلى التوحّد معا، بغض النظر عن انعدام فرص التوحد السياسي. فالمجتمعات العربية في أصلها واحدة. والوحدة المفترضة هي وحدة الشعوب لا الحكومات.

الرجل روائي من جيل الثمانينات، تخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ونشر سنة 1980 أولى رواياته “العرس”، ثم رواية “نهر السماء” سنة 1987 التي حصلت على جائزة الدولة المصرية التشجيعية، ثم قدم روايات “مراعي القتل” سنة 1994، و”أقنعة الصحراء” 2002، و”شرف الله” 2005، و”العلم” 2008، ثم “عتبات الجنة” 2014، إلى جانب مجموعة قصصية بعنوان “السبعينيون”، وأخرى بعنوان “مستعمرة الجذام”. وصدرت له كتب فكرية أخرى مثل “جوهر الدساتير”، و”شرائع البحر الأبيض المتوسط القديم”، و”الروافد الاجتماعية لجيل السبعينيات”.

صراعات مصطنعة

مرارة الحرب والهجرة
مرارة الحرب والهجرة

أكد فتحي إمبابي في حواره هذا أن ما يحدث في سوريا يدفعنا إلى أن نفكر بعمق واهتمام، ووعي في ما آلت إليه أوضاعنا مكررا أن هناك علاقة وثيقة جدا بين سلوك القوى العليا أو القوى الغربية، مثل بريطانيا وفرنسا، في وقت ما أو الولايات المتحدة في وقت آخر وبين الصراع على الهوية، فالفكرة دوما استدعاء مكوّن من مكوّنات الهوية في العالم العربي ضد مكوّن آخر لخلق حالة صراع.

وأضاف، أنه في النصف الأول من القرن العشرين تم استدعاء المكوّن العروبي ضد مكوّن الهوية الإسلامية، والآن يتم استخدام مكوّن الهوية الإسلامية ضد المكوّن العروبي، رغم أن العالم العربي يمكنه استيعاب كافة الهويات معا.

إذا كان بعض النقاد يرون أن خيط الغربة واضحا في الأعمال الإبداعية لفتحي إمبابي بما يعكس تجارب ذاتية له في العمل سنوات طويلة في العراق وليبيا والسودان، فإنه يرفض تلك الرؤية في أعماله.

وقال، إن تلك الغربة غير حقيقية ولا تعبّر عن شعوره هو بالغربة بل إن عالمه يتسع ليشمل بلدانا عربية لا يشعر فيها بالاغتراب، ولا يجد في مجتمعاتها فرقا مع مجتمعه الأم في مصر.

وأوضح لـ”العرب” أن كلا من: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعبدالحكيم قاسم، وغيرهم قدّموا في تجاربهم العالم المحلي الذي كانوا يعيشون فيه، لكنهم في ذلك الوقت لم يكونوا يرون غيره، وبعدهم سافرنا إلى ليبيا والعراق ودول الخليج وباقي الأقطار العربية، وشعرنا أن عالمنا يمكن أن يتسع ويشمل تلك المجتمعات، وأننا نتشابه في الثقافات والقيم، ونتفق في العادات والتقاليد، ما يعني أننا بالفعل إخوة، وذلك الشعور هو الذي يتم مقاومته وتشويهه وتلويثه.

اغتراب الإنسان

إعادة قراءة التاريخ المصري
إعادة قراءة التاريخ المصري

يشير الروائي إلى أن خيط الاغتراب الحقيقي هو اغتراب الإنسان في وطنه، لكن ليس بين الشعوب العربية اغتراب، وفكرة التوحد العربي فكرة ممكنة ومقنعة، وعلينا أن نتذكر كيف كانت فكرة الدولة الصهيونية حلما مستحيلا، لكن الوعي بالتاريخ والمستقبل المشترك دفع إسرائيل أن تجمع بين اليهود الشرقيين والغربيين، رغم اختلاف ثقافاتهم في وطن واحد.

وتابع قائلا “لو كانت هناك إرادة عربية واعية لما وصل بنا الأمر أن تدير دول غير عربية مثل إيران وتركيا وروسيا وغيرها الصراع في سوريا”.

ثمّة فكرة هامة يطرحها الرجل إذ يقول في روايته “أقنعة الصحراء” متسائلا: أين تذهب الخيول عندما لا يكون في الأفق راية؟ وذلك السؤال يجدد الطرح الأهم الذي يتجاوز حدود الإبداع بأن هناك رغبة دائمة لدى الشعوب العربية في التحرر والتقدّم لكنّها تنتظر الراية التي تجمعها، أي تنتظر القيادة الحقيقية.

ورغم التوجّه اليساري للأديب المصري، وإيمانه بأنّ كثيرا من الكتّاب العالميين ارتبطوا بأفكار التقدمية والتغيير واليسار، إلا أنه يرى أن الأدب عابر، فوق الأيديولوجيات، سواء اليسار أو اليمين، وفوق الأعراق بمعنى أنه لا يوجد أدب يعبّر عن البيض وآخر عن السود، وهو أيضا فوق العقائد والمذاهب الدينية فلا يوجد أدب يعبّر عن مسيحيين وآخر عن مسلمين أو عن سنّة أو شيعة.

والأدب في تصوّره يعبّر عن الإنسان ووجدانه، والمبدع هو المهموم بالإنسانية والمنشغل دوما بالحريات، ومادام العالم الآن يفتقد إلى الأدب الإنساني ويفتقر للفن الإنساني، فإن أولادنا والأجيال التالية لن يعرفوا كيف يحبون الآخر.

استدعاء التاريخ

زيف المسلّمات
زيف المسلّمات

يرى فتحي إمبابي، أن التاريخ تحديدا يمثل كتابا مفتوحا لدى المبدعين لصناعة عوالم مدهشة، ويقول لـ”العرب”، إنه لجأ مبكرا إلى التاريخ ليفسّر ما يراه محلّ فزع في سلوكيات المجتمع، وكانت لديه تخوّفات مبدئية من أن يتهم بكتابة تاريخ لا أدبا، ما دفعه لإعادة قراءة ودراسة واعية للنصوص قبل الانتهاء منها.

كانت رواية “نهر السماء” التي تعود لزمن المماليك أول تجربة له مع التاريخ وهدفه منها إعادة قراءة الناس ومراجعة المسلّمات الموروثة من عيّنة الشعب الأبيّ الذي لا يقبل الضيم، أو إرادة الأمة التي تجب أي قوى، واكتشف زيف كثير من تلك المسلمات.

أوضح في حواره ذلك قائلا، “إن رواية ‘نهر السماء’ هي التي كتبتني، عاشت في وجداني، وفتحت عيناي على حقائق مفزعة أولها أن مصر حكمت لنحو ستمئة سنة من عبيد أطلق عليهم مماليك كنوع من تحسين اللفظ، وهؤلاء كانوا غاية في الانحطاط والغدر واللا أخلاق، حيث كان جلّ همّهم جمع المال والسلب والنهب، ولم يفكر أيهم في البناء سواء بناء الحجر أو البشر”.

ولفت إلى أن هؤلاء العبيد وجدوا مساندة من رجال الدين المتمثلين في علماء الأزهر ليقدّموا الأسانيد الدينية التي تسمح باستمرارهم من عيّنة “اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد حبشي”، ما أدى إلي زرع منظومة من القيم المفزعة في المجتمع لدرجة أنه حتى عندما يثور المصريون ضد الحاكم العثماني بقيادة عمر مكرم في بداية القرن التاسع عشر والذي كان معه 40 ألف ثائر فإنهم ذهبوا إلى رجل عسكري غير مصري، هو محمد علي ليختارونه واليا عليهم.

يمكن القول إن اهتمام فتحي إمبابي بالنقد وتوقفه كثيرا عند ما طرحه الناقد المجري جورج لوكاش (1885 ـ 1971) بضرورة أن تقدّم الرواية نماذج مختارة من المجتمع، جعله يبحث في التاريخ عن تلك النماذج فوجدها مجتمعة في مصر في مختلف العصور، وتوقّف عند عصر ما قبل الحملة الفرنسية باعتبارها بداية لمصر الحديثة.

ورأى أن التاريخ يكرر نفسه بأسماء متنوعة وباختلافات طفيفة، لذا فإنه يمكن أن يمثّل مرآة عاكسة للواقع الحياتي الآني، وهنا فإنّ دور الأدب صناعة المراوحة بين الحاضر والماضي بسرد مشوّق ولغة أخاذة.

روح الأمل

روائي منشغل بفكرة الهوية
روائي منشغل بفكرة الهوية

كما يمكن استدعاء مشاهد موجعة، فإنه يمكن رسم خطى لبعث روح الأمل والرغبة في المقاومة، مثلما فعل هو في روايته المعنونة بـ”عتبات الجنة ” التي قدمت قصة مجموعة من الجيش المصري المنهزم بعد دخول الإنجليز مصر سنة 1882، وكيف تم إرسالهم إلى حملة لا طائل منها للتخلّص منهم خوفا من نموّ روح المقاومة لديهم.

وكشف إمبابي، أنه انتهى مؤخرا من جزء تال من العمل قد يحمل عنوان “رأس الإبل” يقدّم فيه نموذجا من تجربة مجموعة من أفراد الجيش المصري خلال الثورة المهدية في السودان، والمعروف أن بريطانيا استخدمت الجيش في ذلك الوقت لوقف تلك الثورة.

لفت الروائي المصري إلى أن الأدب العربي مازال قادرا على صناعة الدهشة، وهناك نماذج عديدة في جيل الكتاب الشباب تدعو للإعجاب. ورغم أن هناك ظواهر عديدة مثيرة للجدل، مثل ظاهرة الأكثر مبيعا التي نمت نتيجة رغبة بعض الأنظمة والمؤسسات الترويج لنصوص بعينها أو رغبتها لحجب نصوص بعينها، فإن هناك كتابات عديدة جديرة بالتقدير والاحترام على مستوى السرد أو مستوى اللغة.

وقال، إن اللغة هي أساس الروائي، ومن يمتلك لغته يتمكّن من التعبير بصدق وجمال عن قضية إنسانية جدير بأن يكون مبدعا، واللغة لا تعني استخدام العربية أو العامية وإنما التعبير بواقعية وسلاسة.

وفي اعتقاده أن الجوائز تلعب دورا خطيرا في توجيه وتلوين الأدب ووضع أنماط معيّنة لدفع المبدع في مسارات بعينها، غير أن هناك مبدعين كثيرين لا يلتفتون لمثل هذه الأنماط، وبعض الروايات الفائزة بجوائز على المستوى العربي لم تفز بسبب قيمتها الفنية، وإنما بسبب خطابها السياسي أو التقائها مع الثقافة السائدة في نقاط بعينها.

عوالم جميلة

المفاهيم الرئيسية المكونة للدستور
المفاهيم الرئيسية المكونة للدستور

بشكل شخصي يعتبر فتحي إمبابي حياته وخبراته العملية في الدراسة والعمل من منابع تكوينه الإبداعي، حاكيا، أن وفاة والده وهو في سن العاشرة دفع أسرته إلى الانتقال من حي شبرا بوسط القاهرة إلى قرية ريفية بدائية في محافظة المنوفية، في شمال القاهرة، هي قرية “سدود”، والتي لم تعرف الكهرباء ولا التلفاز، ولا تمتّ بصلة لحياة المدنية الحديثة، والناس كانوا لا يتعاملون بالنقد وإنما بنظام المقايضة.

وكل ذلك فتح عينيه على عوالم جميلة في قيمها وبساطتها، وتركت لديه انطباعات دائمة بجمال الريف وبطيبة أهله، يقول “كان الناس يدفعون لحلاق القرية أجرته قمحا وبيضا، وكان الفلاحون يستيقظون في الفجر ويعملون حتى غروب الشمس، ورغم ذلك كانت السعادة شائعة”.

واستغراق المبدع في قراءة ومتابعة الأدب العالمي، وهو في الرابعة عشر من عمره، وعند رواية “لمن تقرع الأجراس” للروائي العالمي إرنست هيمنغواي قرر أن يكون روائيا وأن يكتب ويحكي ويبدع.

ويعترف إمبابي بأن دراسته للهندسة ساعدته كثيرا في كتابة الرواية، وتعلّم من الهندسة خطوات البناء، أن يؤسس أولا حكايته من خلال رحلة بحث وجمع بيانات ومعلومات، ثم يخطط الرواية بشكل كامل، ويقوم بعد ذلك ببناء الشخصيات شخصية خلف أخرى، مؤكدا أنّ علم الهندسة يمنحك أيضا الصبر والإرادة، والأهم التنوّع في التعامل مع مختلف الفئات الاجتماعية من عمّال وحرفيين ومقاولين وأصحاب ثروات.

11