فتحي باشاغا رجل غامض يؤرق ميليشيات طرابلس

جميع الأطراف في طرابلس تطالب بضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق الصخيرات، وإخراج الميليشيات من العاصمة، محملينها وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد.
الخميس 2019/02/14
من عراب لفجر ليبيا إلى خصم لـ"الثوار"

لا أحد يفهم ماذا يحدث في طرابلس منذ نهاية أغسطس الماضي. انقلاب غير مسبوق على الميليشيات بميليشيات “الكانيات”، مغلفة بقوة نظامية تتمثل باللواء السابع. فجأة اختفت الشعارات التي كانت تروج لبقاء تلك المجموعات المسلحة ولم يعد عناصرها “ثوارا” وحماة لحمى “ثورة 17 فبراير”.

كل الأصوات أصبحت تصدح بضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر 2015، وإخراج الميليشيات من العاصمة، محملينها وحدها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية في البلاد، متناسين الدور الذي لعبه تيار الإسلام السياسي في تمكينها واستغلالها لنشر الفوضى، البيئة المناسبة لاستمرارها في المشهد.

انقلاب كبير ظهرت بوادره منذ إصدار البعثة الأممية لبيان أدانت فيه تغول الميليشيات على المؤسسات الحيوية، لتشهد العاصمة بعد ذلك شهرا من الاقتتال انتهى بتوقيع اتفاق الزاوية لوقف إطلاق النار وتنفيذ الترتيبات الأمنية التي تحتاج إلى شخصية بمواصفات وزير الداخلية فتحي باشاغا.

ولد باشاغا في أغسطس1962، وهو يحمل بكالوريوس علوم جوية تخصص طيار مقاتل، تخرج من الكلية الجوية بمصراتة سنة 1984، وحصل على شهادة مدرب تخصص طيار مقاتل، وعُيِّن مدرب طيار بالكلية الجوية حتى العام 1993.

استقال باشاغا من السلاح الجوي ليؤسس شركة تجارية خاصة. واُختير عضوا باللجنة العسكرية والمجلس العسكري بمصراتة خلال أحداث الإطاحة بنظام القذافي، وعضوا بمجلس الشورى بمصراتة، واُنتُخب في يونيو 2014 عضوا بمجلس النواب عن مدينة مصراتة، إلا أنه قاطع المجلس مع عدد من النواب، منذ انتقاله إلى طبرق في سبتمبر من العام نفسه.

وترأس باشاغا لجنة الحوار عن أعضاء مجلس النواب المقاطعين، وشارك في عملية الحوار السياسي التي رعتها بعثة الأمم المتحدة بمدينة غدامس غرب البلاد، إضافة إلى عضويته بالتجمع السياسي لنواب مصراتة، لكن هذه ليست المقاييس الوحيدة لتعيينه وزيرا للداخلية مهمته تنفيذ ترتيبات أمنية عجزت حكومة الوفاق عن تطبيقها منذ دخولها إلى طرابلس في إبريل 2016.

عين باشاغا على رأس وزارة الداخلية في أكتوبر الماضي وسط ذهول واستغراب الليبيين، فكيف لمن يوصف بـ“الميليشياوي” أن يتولى حقيبة الداخلية؟ وكيف لـ“عراب عملية فجر ليبيا” أن يتولى مهمة محاربة الميليشيات التي تعد نواة تلك العملية؟ هذه الأسئلة  يجيب عليها بعض المتابعين بالقول “إن من عين باشاغا عينه لامتلاكه هذه المواصفات تحديدا”. ويرى هؤلاء أن العلاقة القوية التي تربط باشاغا بميليشيات مصراتة تدفع ميليشيات طرابلس لوضع ألف اعتبار لأي تمرد قد تقوم به، للتصدي للترتيبات الأمنية.

خطاب بلا انتماءات حزبية

تعيين باشاغا على رأس وزارة الداخلية لا يزال يثير ذهول واستغراب الليبيين، فكيف لمن يوصف بـ“الميليشياوي” أن يتولى حقيبة الداخلية؟ وكيف لـ“عراب عملية فجر ليبيا” أن يتولى مهمة محاربة الميليشيات التي تعد نواة تلك العملية؟
تعيين باشاغا على رأس وزارة الداخلية لا يزال يثير ذهول واستغراب الليبيين، فكيف لمن يوصف بـ“الميليشياوي” أن يتولى حقيبة الداخلية؟ وكيف لـ“عراب عملية فجر ليبيا” أن يتولى مهمة محاربة الميليشيات التي تعد نواة تلك العملية؟

يتحدر باشاغا من مدينة مصراتة التي شاركت في عملية “فجر ليبيا” ضد مدينة الزنتان وانتهت بحرق مطار طرابلس الدولي وتقسيم السلطتين التنفيذية والتشريعية. توصف المدينة بأنها معقل من معاقل الإسلاميين بمختلف توجهاتهم. لا شيء ملموسا بإمكانه أن يؤكد تبعية باشاغا وهو رجل أعمال أيضا لتيار الإسلام السياسي، فهو لا ينتمي لأي حزب سياسي، لكن مواقفه الداعمة للتيار تضعه محل شكوك وتثير تساؤلات عن سبب تكتمه عن إعلان انتمائه.

وعلى عكس القيادات الإسلامية أو الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي، يتمتع باشاغا بقدر كبير من الدبلوماسية في حديثه، حيث لم تصدر عنه أي تصريحات عدائية بحق خصومه، فهو يحاول دوما الظهور بمظهر الشخصية الرافضة للتفرقة والمستعدة لتقبل الجميع.

تبنى الوزير الجديد منذ ظهوره الإعلامي الأول خطابا مختلفا عن الخطابات السابقة لحكومة الوفاق، بشأن المجموعات المسلحة، أو ما كان يسمى حتى فترة غير بعيدة بـ”الثوار” فأكد ما كان يقوله مناوئو تلك الجماعات، وفي مقدمتهم الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر.

قال باشاغا إن تلك الميليشيات لا تأتمر بأوامر وزارة الداخلية وأنها تحمل مسميات للإيهام فقط بأنها تابعة للوزارة، وهو ما كان يردده الليبيون منذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي وينفيه الإسلاميون الذين دعموا بقاء تلك الميليشيات ومكنوها حتى تغولت على مؤسسات الدولة وباتت تتحكم حتى في القرارات السياسية والاقتصادية.

أزمات اقتصادية واحتقان

باشاغا يتمتع بقدر كبير من الدبلوماسية في حديثه، على عكس القيادات الإسلامية أو الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي، حيث لم تصدر عنه أي تصريحات عدائية بحق خصومه، فهو يحاول دوما الظهور بمظهر الشخصية الرافضة للتفرقة والمستعدة لتقبل الجميع
باشاغا يتمتع بقدر كبير من الدبلوماسية في حديثه، على عكس القيادات الإسلامية أو الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي، حيث لم تصدر عنه أي تصريحات عدائية بحق خصومه، فهو يحاول دوما الظهور بمظهر الشخصية الرافضة للتفرقة والمستعدة لتقبل الجميع

يتهم الليبيون الإسلاميين بافتعال الأزمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ سيطرتهم على مفاصل الدولة عقب الانقلاب على نتائج انتخابات 2014 التي لفظتهم من المشهد السياسي.

ويقول الكثير من الليبيين إن محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير الذي وضعه الإسلاميون في المنصب ويتمسكون به رغم إقالته من قبل مجلس النواب، خص شلة صغيرة ممن تلاقت مصالحهم مع مصالح المؤدلجين أنفسهم ووكلائهم بمبالغ ضخمة من العملة الأجنبية وبفتح الاعتماد المستندية، وأغلب أولئك هم قادة الميليشيات.

أدت تلك الأزمة الاقتصادية إلى تردي الوضع الاجتماعي لترتفع أسعار السلع وتوقفت رواتب الموظفين ما أدى إلى احتقان وغضب شعبيين.

وفي الأثناء، نجح الجيش في تحقيق انتصارات في الشرق ما مكن من إعادة ملامح الدولة إلى المنطقة، رغم بعض التجاوزات التي تحدث بين الحين والآخر، أصبح المواطن الليبي يقارن الأوضاع في المنطقتين الغربية والشرقية ويلاحظ البون الشاسع بين منطقة تسيطر عليها الدولة وأخرى تعاني من سطوة الميليشيات التي لا تتوقف اشتباكاتها في إطار صراع النفوذ.

واليوم بات الجيش يحظى بشعبية كبيرة في جميع أنحاء ليبيا، وينظر إليه الليبيون كمنقذ من الميليشيات وهو ما عكسته المظاهرات والتيارات المؤيدة له في طرابلس وبقية مدن المنطقة الغربية، أصبح التخلص من تلك المجموعات أو على الأقل قصقصة أجنحتها ولو مؤقتا، وإرجاع بريق الأجهزة النظامية العسكرية والأمنية أمرا ضروريا لاستباق أي تحرك قد يقوم به الجيش تحت عنوان “تحرير العاصمة من الميليشيات”.

تحالف سري جديد

"قوة حماية طرابلس" تتكون من أربع ميليشيات كبرى مستهدفة تحالفت في محاولة للتصدي لإجراءات باشاغا، معلنة تمردها على المجلس الرئاسي حتى عودة أعضائه المستقيلين
"قوة حماية طرابلس" تتكون من أربع ميليشيات كبرى مستهدفة تحالفت في محاولة للتصدي لإجراءات باشاغا، معلنة تمردها على المجلس الرئاسي حتى عودة أعضائه المستقيلين

انطلق تحرك اللواء السابع أو ما يسمى بـ“الكانيات” الصيف الماضي نحو العاصمة تحت شعار “تطهير طرابلس من دواعش المال العام”. حينئذ لم يفهم أحد من يقف وراء هذا التحرك، وانقسمت التوقعات بين من قال إن قائد الجيش المشير خليفة حفتر هو من حركهم باعتبار أن اللواء السابع يتكون من ضباط وجنود نظاميين، فيما اعتبر آخرون أنهم يتبعون الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا التي يقول قادتها إن سيف الإسلام القذافي أسسها، مستندين في ذلك على أن أغلب جنود وضباط اللواء قاتلوا إلى جانب النظام حتى سقوطه في 2011.

  أما السيناريو الثالث وهو الأقرب إلى الواقع فقال حينئذ إن ذلك التحرك كان أول ثمرة للتحالف بين بعض قيادات النظام السابق وتيار الإسلام السياسي الذي تم في اجتماع عقد في العاصمة السنغالية دكار مايو الماضي. وخرج هذا التحالف إلى العلن بعد تعيين المجلس الرئاسي للفريق علي كنة وهو أحد الضباط الموالين لنظام القذافي، آمرا للمنطقة الجنوبية، بضغط من الإسلاميين، للتصدي لتقدم قوات الجيش في الجنوب الغربي.

تعزز هذا السيناريو مع الاتهامات التي وجهتها ميليشيات العاصمة لباشاغا بالوقوف وراء الحرب الأخيرة التي شهدتها العاصمة. وشنّ القيادي في كتيبة ثوار طرابلس الذي يشغل منصب القنصل الليبي لدى تونس محمد شعبان المرداس هجوما لاذعا على  باشاغا، متهما إياه بالتحامل على الكتيبة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده عقب التفجير الذي استهدف مقر وزارة الخارجية ديسمبر الماضي.

وحمل باشاغا، بطريقة غير مباشرة، مسؤولية الهجوم للميليشيات عندما قال إن “الترتيبات الأمنية لم يتم تنفيذها على الإطلاق” واصفا الوضع الأمني بأنه هش وفوضوي. وأضاف “الكل يملك من الذكاء والقدرة على التمييز بين من هو الذي يعمل بمهنية ومن هو الفوضوي”. وهو ما دفع المرداس للرد عليه بالقول “الزم حدودك واحترم طرابلس وأهلها ولا تنس يا باشاغا أنك أنت من كنت تقول مع خليفة الغويل وإبراهيم بن غشير ليس هناك إرهاب في سرت، فكيف لمدافع عن الدواعش بالأمس أن يحاربهم اليوم؟ فعلا إذا لم تستح فافعل ما شئت”.

وتزايدت حدة تلك الخلافات عقب إلغاء باشاغا جميع الترقيات الاستثنائية والرتب التي منحت لأفراد الشرطة والأجهزة الأمنية بعد سنة 2011.

ويتهم المراقبون باشاغا بالانتقائية حيث لم يتخذ أي إجراءات بشأن المجموعات المسلحة التي انصاعت لأوامره، متسائلين عن بديل هذه المجموعات المسلحة التي يحاربها والحال أنه لا يملك أي قوات أمنية حقيقية.

انتقائية باشاغا

في محاولة للتصدي لإجراءات باشاغا قامت أربع ميليشيات كبرى مستهدفة بالتحالف تحت “قوة حماية طرابلس” معلنة تمردها على المجلس الرئاسي حتى عودة أعضائه المستقيلين.

وتوحي “الحرب” القائمة بين الطرفين بأن “قوة حماية طرابلس” هي الميليشيات الوحيدة في طرابس، في حين يقول مطلعون إن المجموعات التي يعتمد عليها باشاغا ليست نظامية أيضا، ما يطرح تساؤلا عن عدم تنفيذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

وينص اتفاق الصخيرات وتحديدا ملحق الترتيبات الأمنية على إخراج الميليشيات المسلحة من المدن الليبية ومن بينها العاصمة طرابلس بعد سحب سلاحها الثقيل وبعد فترة زمنية يتم سحب ما تبقى من سلاحها الخفيف، على أن تتم بعد ذلك ترتيبات دمجها في قوات الجيش أو الشرطة أو في وظائف مدنية أخرى حسب الشروط المطلوبة للوظائف والمتوافرة لدى كل شخص.

وقد بعث تقارب وزارة الداخلية مع نظيرتها في المنطقة الشرقية برسائل مفادها أن عصر الفوضى التي تقودها الميليشيات انتهى، رغم تشكيك المراقبين في إمكانية نجاح هدفه المتمثل في توحيد الأجهزة الأمنية في البلاد، وسط الانقسام والاقتتال الذي لا يبدو أنه سينتهي قريبا.

وفي ظل تصاعد الخلافات بين باشاغا والمجموعات المسلحة الرافضة له، تتواتر التسريبات عن إمكانية إقالته من منصبه خلال الأيام القليلة القادمة.

12