فتحي عبدالسميع يفكك أسطورة الثأر ويعلي خطاب اللاعنف

شغلت مسألة الثأر كثيرا من الباحثين الأنثربولوجيين، ولعل أهم هذه الدراسات التي تطرّقت للموضوع باكرا دراسة عالم الأنثربولوجيا أحمد أبوزيد في كتابه “الثأر، دراسة أنثروبولوجية”، الصادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية، وقد صدرت عن دار المعارف بالقاهرة، عام 1962، بل إن الظاهرة استحوذت على اهتمام الكثيرين، فتناولتها أعمال مثل “دعاء الكروان” للراحل طه حسين، على المستوى المحلي وإن كان على المستوى العالمي عبرت عن هذه الفكرة رواية ألكسندر دوماس “الكونت دي مونت كريستو” في معالجتها لفكرة الانتقام.
الثلاثاء 2015/08/18
الباحث يركز على الرسالة الرمزية التي يحويها الخطاب من خلال التلقي الحسي

على مستوى الأعمال الفنيّة بدت مسألة الثأر واضحة في فيلم “دماء على النيل” للمخرج نيازي مصطفى، وهو الفيلم الذي يقوم الكاتب بتحليله ثقافيا في نهاية عمله مظهرا سذاجة المعالجة وبعدها عن الواقع الحقيقي للتجربة.

فالكاتب لا يعدم الحيلة في الربط بين علاقة المصالحات الثأرية بالفن، بوصفه من الوسائل الهامة التي تصنع رُقية للأفراد والمجتمعات، فالمصالحات تقوم على عناصر طقسيّة متعدّدة، حيث قضاة الدم والأجاويد يتعاملون مع الخصومات الثأرية تعاملا فنيّا، وإن يؤخذ على صنّاع الأفلام والمسلسلات الذين يهتمون فقط بالقتل الثأري، دون الاعتداد بالمصالحات الثأرية، رغم أهميتها في دعم ثقافة التسامح في المجتمع العربي ككلّ إضافة إلى اهتمام بالغ من الدولة ومؤسساتها، لمعالجتها، والتوعية بآفاتها التي راحت تكوّن جيلا جديدا يحمل من الحقد والغل الكثير.

مناقشة قضية

من هنا تبرز أهمية كتاب الشّاعر المصري فتحي عبدالسميع، الذي صدر أخيرا، عن دار” نهضة مصر” بعنوان “القربان البديل: طقوس المصالحة الثأرية في جنوب مصر”. تكمن أهمية الكتاب في سببين الأوّل أن هذه الدراسة جاءت لتستكمل النقص الفادح في هذه الدراسات الأكاديمية التي تناولت الظاهرة من الخارج؛ حيث الباحثون في علم الاجتماع والفلكلور والأنثروبولوجيا لم يقتربوا من المصالحات الثأرية بمن فيهم الباحث أحمد أبوزيد، وهو الأمر الذي انشغل عليه كتاب “القربان البديل”، وجعله محورا مهما؛ ليقدّم من خلاله رؤية متكاملة للثأر تربطه برؤية شاملة للحياة والعالم يتوارثها الجنوبيون ويتحركون في إطارها.

والسبب الثاني، أن كتاب “القربان البديل” جاء من معايشة حقيقية بحكم طبيعة عمل الكاتب في النيابة، وأيضا بحكم معايشته لهذا الواقع نظرا لانتمائه لهذا الواقع القاسي، لذا جاءت متابعة دقيقة لهذه الطقوس البديلة التي نجحت في كثير منها لتحدَّ من المزيد من أنهار الدم المجانية والبريئة في هذه الأزمة.

الدراسة بمثابة وصفة علاجية يهديها المؤلف إلى الدولة لإعادة التفكير في معالجة هذه الأمور بعيدا عن الحل الأمني

ومن ثم فالدراسة بمثابة وصفة علاجية يهديها المؤلف إلى الدولة والقائمين على الأمر لإعادة التفكير في معالجة هذه الأمور بعيدا عن الحل الأمني الذي فشل في الحد منها، وإن ساعد على تأجيج الصّراع حتى ولو طال الزمن.

وهذه الأهمية تكفي الباحث كذلك لتجعل منه كتابا يحتل صدارة الأعمال المهمة التي تناقش قضية وتقدِّم لها الحلول الجذرية ولا تكتفي فقط برصد الظاهرة أو حتى بيان أسبابها، وإنما تتخطى هذا إلى تقديم الحلول العملية وليس النظرية. لذا ينهي الكاتب دراسته بدعوته إلى التسامح، فوطن بلا تسامح وطن مُفتَّت وقابل للضياع، فالتسامح يصنع الوحدة بين أفراد المجتمع، ووحدة الوطن لا تقوم إلا على وحدة أفراده.

يتبنى الكاتب في كتابه الذي حوى خمسة فصول ومقدمة، فكرة اللاعنف كما وضعها في مقدمته كمنهج أولي سيسير عليه يذهب في هذه المقدمة إلى المنهج الذي كان معتمدا لمواجهة مشكلة العنف، وكان يتراوح في مواجهة العنف بالعنف، كوسيلة لرد العدوان وقمع العنف، ومع الأسف كان هذا المنهج وسيلة لمضاعفة المشكلة بدلا من حلِّها، وكان يوازي هذا المنهج منهج مواجهة العنف باللاعنف، وهو منهج راسخ في الثقافة الإنسانية إلا أنه يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والترسيخ.

يطلق على هذا المنهج اسم “ردم حفرة الدم”، وهو يقوم على مجموعة مركَّبة مِن العناصر الطقسيّة تُعرَف باسم “القودة”، ويعترف الباحث «أن طقس القودة بناء مُعقد ويحتوي على عناصرَ طقسيةٍ كثيرة، ويتداخل مع طقوس أخرى، كالطقوس التكفيرية، وطقوس الموت، والميلاد، والزواج، أي أنه على المستوى الفني طقس ثري جدا».

رواية عن سطوة دولة القوة العرفية
ويعزو إليه الفضل في حل المشكلة بلا إراقة الدماء؛ لأن الحكمة الشعبية تُعْلي شأن الحفاظ على الحياة مهما كانت المبررات، وتَرفع مِن قِيَم العفو، والتسامح، والحوار إلى أعلى درجة، على حد قول المؤلف. ويعمد هذا المنهج إلى العقل والوجدان معا، كما يعزز من دور المنهج العلمي.

وترجع أهمية القودة في أنها تكشف عن ملامح مهمة لإتمام عملية الصلح مثل الصبر، وعدم اليأس مهما كانت المحبطات التي تظهر أثناء المشكلة، وأيضا تكشف عن أهمية العمل الجماعي الذي يتوزع بين قاضي الدم والأجاويد، والأجاويد هم الشخصيات الذين يحظون بمكانة اجتماعية ويُعتمد عليهم.

وبناء على قراءة واعية لهذه الطقوس يرى المؤلف أن الحل في المصالحات الثأرية ينبغي أن ينبع من مجتمع الثأر نفسه، وأن يستلهم حكمته لا من نظرة فوقية متعالية ومتسلطة تنظر إلى الناس في مجتمع الثأر بوصفهم همجا، معدومي النظر، وهذه النظرة كما يذهب المؤلف نتج عنها فشل الدولة في حل مشكلة الثأر، التي تحيل الأمر إلى القضاء الذي لا يُفرِّقُ بين حدوث الظاهرة في مجتمع القاهرة ومجتمع الصّعيد، ومن ثم يلفت الباحث إلى أن دراسة مكان الحدث وطريقة تعامل الناس معه، مهمة في سبيل الحصول على حلول وهو النهج الذي يفعله مجتمع القودة.

قربان الدم

يتطرّق الكاتب فتحي عبدالسميع إلى تعريف القربان وأنواعه، ويسهب كثيرا في مشتقات الكلمة ودلالاتها كما وردت في الاصطلاح وأيضا دلالاتها في الكتب السماوية المختلفة، وينتهي إلى أن القربان يرتبط بالعنف، وتحريم قتل الإنسان واعتبار العدوان على فرد وإزهاق روحه عدوانا على الناس جميعا.

يقدم الكاتب تحليلا دقيقا لطقس “القودة” وينتهي بتعريفها بأنها: «طقس يهدف إلى قتل القاتل رمزيا عبْر إجراءات معينة، ليبعثه مرة أخرى بعثا رمزيا». ثمّ يُحدِّد السّمات القربانية فيه، والعناصر الطقسيّة التي تقوم بدور القربان، ومن أهمها؛ الحفل الطقسي، فاتحة “القودة”، التلقين، البكاء الطقسي، ارتداء الجلباب الطقسي، وغيرها…، وقد ذكرها في ضوء ثنائية الثابت والمتغير، فبعض هذه العناصر حاضرة والبعض الآخر اختفى خلال العقود الأخيرة، ولا تمارَس حاليا مثل تكفين القاتل، ووضعه في نعش، وذبح العجل أو الخروف أثناء تقديم الكفن، وانضمام القاتل بعد الصلح إلى عائلة القتيل. وهناك عناصر تغيب وتحضر تبعا لقاضي الدم مثل الجلباب الطقسي وشدّ القاتل بحبل.

الكاتب لا يقتصر على تجسيده لطقس القودة بل يبحث عن علاقتها بالهوية وأيضا عن مرجعياتها وعلاقتها بالثقافة الإسلامية

ويركز الباحث على الرسالة الرمزية التي يحويها الخطاب الطقسي، من خلال التلقي الحسي الذي يخاطب المشاعر، لا الأفكار النظرية المجردة. ويتوقف عند مصطلح ردم بؤرة الدم أو حفرة الدم، ودور قضاة الدم والأجاويد، مُعرِّجا على مرحلة ردم حفرة الدم؛ كمرحلة تأجيل الثأر، ومرحلة التفاوض المباشر، ثم الاتفاق على الصُّلح، أهم ما في حفرة ردم الدم هو المهرجان الطقسي، حيث يمثل ركن الإشهار في الثأر.

لا يقتصر الكاتب على تجسيده لطقس القودة بل يبحث عن علاقتها بالهوية، وأيضا عن مرجعياتها وعلاقتها بالثقافة الإسلامية، وعند العرب في العصر الجاهلي، وعند قدماء المصريين، فيعود به إلى هويته المصرية.

ومثلما يكشف طقس القودة عن هوية المجتمع، وتمسك الأفراد بالهوية الجنوبية من خلال التمسك الصارم بالزي المعبر عنها في صورتي الجلباب والعمامة، وأيضا يكشف عن قيمة المساواة فلا أحد فوق الطقس مهما كانت مكانته الاجتماعية، فإنه في المقابل يكشف عن أزمة حقيقية في علاقة المجتمع بالسلطة، فالقانون مهمّش، والسُّلطة المعنوية والشخصيات العامة أقوى من السلطة القضائية، وكذلك ضعف الدولة وهشاشتها في حل مثل هذه المشاكل.

لا يجد الكاتب بديلا لحل وانتزاع مشكلة الثأر إلا بتفعيل قيمة التسامح، حتى ولو كان يرى أنه مستحيل، ويأخذ الباحث على الباحثين الذين يرون في سيرة عنترة أنها تقوم على العنف والتعصب والانتقام، دون أن يلاحظوا القيمة الأخرى التي بثها عنترة بأفعاله كتسامحه ونسيان الإساءة، والبدء من نقطة جديدة.

15