فتحي عبدالسميع ينفض الغبار عن درر الجنوب في "الجميلة والمقدّس"

الأحد 2015/01/11
رؤية نقدية مستقاة من ذات شاعر، يَبحث عن الجمال في النصوص التي يقرأها

عن كتاب الهلال عدد سبتمبر/أيلول 2014، التابع لمؤسسة دار الهلال بالقاهرة صدر للشاعر والباحث الأنثربولوجي فتحي عبدالسميع كتابه النقدي الأوّل «الجميلة والمُقدّس»، بعد عِدّة دواوين منها (“الخيط في يدي”، هيئة قصور الثقافة 1997، و”تقطيبة المحارب، كتاب حتحور” 1999، و”خازنة الماء”، المجلس الأعلى للثقافة 2002، و”فراشة في الدُّخان”، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008، و”تمثال رملي”، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012. و”الموتى يقفزون من النافذة، تجليات أدبية” ـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2014). وكتاب يدخل في إطار الكتب التي تهتم بالأنثربولوجيا بعنوان «القربان البديل، وطقوس المصالحات الثأرية في صعيد مصر» عن الدار المصرية اللبنانية (سيصدر قريبًا).

عنوان الكتاب يمهِّد للقارئ أنه ليس بصدد كتاب نقدي تغلب عليه التنظيرات والمصطلحات النقدية، والرسومات والأشكال التي دأب النقاد الأكاديميون على تصديرها للقارئ الذي صار عَزوفًا عنه. على كلٍّ ينأى الكاتب بكتابه عن هذا، ويُقدِّم هنا رؤية نقدية مُستقَاة من ذات شاعر، يَبحث عن الجمال في النصوص التي يقرأها، متخذًا من الجمال معياره الأوّل والأخير، دون أن يُقلِّل مِن العناصر الأدبيّة التي تشكِّل النّص. فالجميلة على حدِّ تعبيره هي الكتابة الإبداعيّة على اختلاف أنواعها وأجناسها، لهذا نراه مُتعجبًا في بداية الدراسة عن السبب الحقيقي من «انفصالِ الأدب عن مصطلح الفنون الجميلة الذي يتمّ تداوله ليعبِّر عن فنونٍ مثل الموسيقي والرسم، والنحت» حتى وإن رأى البعض أن الكتابة الإبداعية تحمل قيمًا معرفية إلا أنّ هذه الكتابات لا تُحلِّق في صدورنا أو تَلمس أعماقنا بهذه القيمة وحدها، وإنما الكتابة ـ من وجهة نظره ـ تحمل معادلة تجمع عناصرها بين الفكرة والروح الإنسانية التي تتوازى مع قيمة الجمال التي نُدرك بها جوهر الأشياء وعمقها. ومع التأكيد على القيمة الجمالية في الكتابة التي تُمثِّل المحور الأساسيّ فيها إلا أنّه لا يعني هذا أنْ تجور على بعض العناصر التي تساعدها لتكمل رسالتها.

ويرى أن الكتابة تهدف ضمن ما تهدف إليه إلى «تحرُّر الإنسان داخليًا، والتصدي لهيمنة العلم المُطلقة، وانفراده وحده بكل اهتمامنا» وهو ما لا يتضمن في ثناياه بأيّ حالة من الأحوال تقليلًا من أهمية العلم، بل فقط يريد أن يشير إلى أن الإنسان يدفع ثمنًا باهظًا بسبب هيمنة العلم بشكل أحادي، نَتَجَ عنها أن صار الإنسان أشبه بكائنات هشّة، تفتقد هذا التناغم والانسجام والتوازن والبنيان الداخلي القوي الذي كان سائدًا في ظلّ غيبة التأثير الأُحادي كما هو الحال في العصور القديمة حيث عرفت السّعادة والسّلام العميق، وهو ما ينشده المؤلف في الكتابة بصفة عامة.

الكاتب يناقش صراع المُبدع مع المقدّس من خلال صراعه الجماليّ والدلاليّ مع الأسطورة، ويتطرق إلى علاقة الخرافة بالمقدس والكيفيّة التي تظهر بها

الحقيقة أن الكاتب لم يفقدْ رهانه المعوِّل به على أهمية «الكتابة في دفع الحياة وإبراز جمالها» رغم كافة المُحْبِطات والمُعوِّقات التي تَقفُ في طريق تحقيق دورها المأمول، وهو ما يؤكِّد نُبل الشَّاعر وعدم تخليِّه عن دوره، فيعلِّق آمالاً على الكُتَّاب في ظِلِّ الوضع الإنسانيّ المعاصر بماديته المتوّحِشة، أن يشدّونا ويحرّرونا مِن قبضة الشَّرَك المادي الكبير، واستعادة الحكمة المفقودة وتحقيق التناغم بين الروح والعقل. وهم بهذا يدخلون في الرِّحَاب الواسع للمقدّس. بهذه الإشارة يصل إلى الطرف الثاني من عنوان الكتاب فيقول «لا نتناول موضوع المقدّس بقدر ما نتناول علاقة الكتابة الإبداعية بالمقدس» وهي العلاقة التي يراها «ليست ميكانيكية جامدة» بل هي مرنة وخاضعة في الاعتبار الأوّل لظروف كُلّ كاتبٍ وربما كلّ نصٍّ، وبذلك يقتصر دوره في إظهار الكيفية التي يظهر بها المقدّس، وهذا عن طريق «علاقة الكتابة بالمقدّس من خلال بعض النماذج الإبداعيّة في إطار التحام الشكل بالمغزى، ووحدة الجمالي والدلالي».

سَعَى الكاتب في مقدمته التي جاءت طويلة نسبيًا إلى عرض أفكاره الخاصّة بعملية التذوق، وأيضًا بآليات الكتابة ومعاييرها، ومن ثمّة غلب الإسهاب في عرض أطروحاته وتخيلاته للكتابة وأيضًا لمفهوم المقدّس وإن كان كل هذا جاء في إطار فكرته الأساسية عن الكتابة/الجميلة والمقدّس، التي استطاع أن يقوم باختبارهما تطبيقيًا على مجموعة النصوص التي اشتغل عليها، بل ويؤكِّد أن فكرة المقدّس لم تكن سبّاقة للكتابة بل أنّه اكتشف أن النّصوص (شعرًا أو نثرًا) التي عَمل عليها في سنيٍّ مُختلفة تدور جميعها حول المقدَّس بشكلٍ ما.

وقد جاء الكتاب في ثمانية فصول تناغمت جميعها لتؤكِّد الفكرة التي طَرحَها في مقدمته وَحَمَلَها عنوان الكتاب الأصلي. الفصل الأول عنونه بـ«اللُّغة الخلَّاقة والحروف المقدّسة» وفيه تناول علاقة اللُّغة بالمقدّس، حيث اللّغة لم تنفصل في نشأتها عن المقدّس حتى أن الكلمة في ثقافات العالم القديم مرادفة لفعل النشأة. وفي الكتاب بحث حول «علاقة السحر» بالكتابة الإبداعية من ناحية وبالمقدس من ناحية أخرى، ويرجعها المؤلف إلى علاقة قديمة ترجع إلى زمنٍ بعيدٍ، بل إن علاقتنا بالسحر يراها الكاتب علاقة مزدوجة، فهناك وجهها الغائر في مسيرة الإنسان، متمثِّلاً في ديانات ومعتقدات قديمة، وهناك وجهها المرتبط بالجمال الطبيعيّ أو الجمال الفنيّ.
التحرّر من قبضة الشَّرَك المادي الكبير

من ثم يناقش الكاتب صراع المُبدع مع المقدّس من خلال صراعه الجماليّ والدلاليّ مع الأسطورة، ويتطرق إلى علاقة الخرافة بالمقدس والكيفيّة التي تظهر بها، وإن كان ثمة تأكيدات يحرص عليها أثناء تناوله للموضوع أولاً تحديده الفارق بين الخرافة والأسطورة ثمّ كشف مظاهر تلك العلاقة، والكيفية التي يتناول بها المبدعُ تلك المادّة الخرافية التي يمتلئ بها واقعُنا، وكيف ينحت منها عملا فنيًا حيًّا وعجيبًا، وكيف يُسرِّب بشكلٍ فنيّ موقفه مِن تلك المادّة الخرافية. وقد أوقف الكاتب جانبا من بحثه على أوجه العلاقة بين المدّنس والتصوف الشعبي، الذي يُعبِّر عن أفكار صوفيّة جزئيّة وليس تجربة صوفية بالمعنى الحرفي للكلمة.

ودراسته لم تكن مجرد استقصاء لهذه الظاهرة وأعدادها الغفيرة التي تمتلئ بها النجوع والقرى وإنما ركّز «على أثر التصوف الشعبي في توليد جماليات معينة، والاستفادة من تلك الجماليات في تمرير رسالة المبدع بشكل فني».

ثم يبحث الكاتب في علاقة المبدع بالمُقدّس من خلال حكايات الجان، وإن كنا نرى كان الأجدر به أن يضمّه إلى الفصل الخاص بالمقدس والخرافة، لما بينهما من أواصر ممتدة وعلاقات مشابهة، وقد أوقف دراسته فيه على تجربة كتابية تقوم على «تلك الحكايات الحيّة في ثقافتنا، والكيفية التي تعامل فيها المبدع مع تلك الحكايات». ويدرس العلاقة بين الكتابة والمقدّس من خلال (الرعوية) كجنس شعري قديم، ويصل أخيرا إلى درس علاقة المُبدع بالمقدّس من خلال الحكاية الشعبية وكيفية استيعابها لنموذج أسطوري مقدّس.

ليست فكرة المقدّس وحدها هي الخيط الذي يجمع بين دراسات الكتاب، وإنما ثمة خيطا مهمّا وهو أنّ معظم الدراسات هي عن كُتَّاب من الجنوب، لما يراه الكاتب ـ وهو واحد منهم- (وإن كان مُتحقِّقًا أكثر من غيره من كُتّاب الجنوب) مِن إهمالٍ وإجحافٍ لحقَ بالكثيرين منهم، وإنْ كنّا نستلمح منه إشارات لانتقاد الواقع الثقافي الذي لا يلتفت إلا لمن تُسلط عليه الأضواء مِمّن يعيشون في المركز أو حتى يعيشون في الأطراف لكن تربطهم صداقات وعلاقات ومصالح بمن يتصدّرون المشهد الأدبي وإدارته.

الكاتب بهذا الهدف يخلص لقضيته التي جعلها شعارًا في الحياة، لا يهادنها أو حتى يتغاضى عنها يومًا، فصارت أيقونته التي يرددها في كل مناسبة ومن على كل منبر، أن اكتشاف أديب أيًّا كان جنس كتابته لهو أمل وبعث جديد للحياة من الموات المُحبط والمُحدق بنا من كل ِّجانبٍ.

15