فتحي عبدالوهاب فنان مصري يعشق الأدوار المركّبة والمُربكة

فتحي عبدالوهاب يرى أن البطولة الجماعية هي أساس العمل والنجومية، ويعتبر أن التكرار أشد خصوم مهنة التمثيل.
السبت 2019/01/19
يسعى لضمان حياة ممتدة للشخصيات التي يقدمها

يعكس التقمص والولوج إلى الشخصيات التي يؤديها الممثل عمق الموهبة التي يمتلكها، لأنها تنقل العمل الفني إلى درجات أرقى من المستويات العادية، ومع ندرة الفنانين المبدعين باتت مهنة التمثيل أمام تحديات متعاقبة، ويرى الممثل المصري فتحي عبدالوهاب في حواره مع “العرب” أن الممثل البارع هو القادر على تقمص كل شخصية والتلاحم معها بدراستها بعمق لتتوارى خلفها شخصيته الحقيقية.

القاهرة – تواجه الدراما في مصر أزمات متعددة، أبرزها غياب المواهب القادرة على تقديم عمل متقن، يستطيع نقل الجمهور من مشاهدة عمل بارد إلى التلاحم بينه والفنان، وهو ما ينبع من اتقان الثاني لدوره بصورة واقعية.

وتنطلق دعوات تحض على دعم الممثلين القادرين على التناغم مع الشخصيات التي يقدمونها، ويصنعون شكلها وإطارها لتصبح سببا في نجاح العمل الفني، وإن غابت جودته الإخراجية والكتابية أحيانا.

ويعد الممثل المصري فتحي عبدالوهاب، أحد المتقمصين الذين يجيدون التكامل مع أدوارهم رغم سرديتها الصعبة وتنوعها الواسع وتكوينها المعقد، ويحظى بإشادة وصلت إلى أن اعتبره البعض رائد جيله في تقمص الشخصيات، بعد تسلمه جائزة أحسن ممثل تلفزيوني لعام 2018 عن دوره في مسلسل “أبوعمر المصري”.

وقال فتحي عبدالوهاب لـ”العرب”، “هناك أدوات لكل ممثل للنجاح وتقديم عمل محترم، أهمها بناء شخصية لكل دور ليصبح طريقه لفهم التعامل معه وخدمته كي يخرج بأفضل صورة”.

وأوضح أنه لا يشاهد أعماله عند عرضها، لكن يلمس ردود الأفعال حولها من الناس، وهذا ما يهمه، وهذا التفاعل هو معياره الوحيد كي يتأكد أنه يسير نحو الطريق الصحيح، فالمشاهد لا بد أن يستمتع وتؤثر فيه الشخصية التي يجسدها، وإذا تحفظ عليه في شيء، لا بد أن يراجع نفسه، ولا تكتمل عنده أي تجربة فنية دون المراجعة، وتقبل النقد والتعلم، ويطمح عندما تكتمل تجربته في أن تمثل إضافة للفن المصري والعربي.

ويبدو الفن في حياة عبدالوهاب مرادفا لحيوات يعيشها على الشاشة بكل صدق بعد أن يمنحها الكثير من روحه، ويجد في براعة تجسيدها ذروة لحظات متعته الفنية، ومع كل عمل جديد يكون على موعد مع خطوة مختلفة يدخل بها عتبات الفرح عن طريق الصدق والاتقان والتنويع، لذلك يبقى الجمهور في حالة شغف مستمر.

الواقعية والاختلاف

يستعد الممثل المصري لتقديم عملين جديدين، هما فيلم “العراف” أمام الفنان أحمد عز، و”لص بغداد” مع الفنان محمد إمام، ويعلق عبدالوهاب قائلا “لا أحب الحديث عن تفاصيل الشخصيات التي أعيشها في كل عمل، فهي تتحدث عن نفسها أفضل مني عند العرض، وطالما قرأت العمل ككل ووجدته حقيقيا في معالجته لأي موضوع يناقشه حتى ولو كان ‘فانتازيا’، أقدمه فورا وأمنح الشخصية التي أجسدها كل الاهتمام والجهد لتخرج واقعية ومختلفة عن تلك التي قدمتها سابقا، لأن التكرار أشد خصوم الممثل”.

الممثل المصري عمل مع أساتذة تمثيل في مصر، كعادل إمام في مسلسل "دوافع خفية"، ويحيى الفخراني في "دهشة"

ويظل الهروب من فخ التكرار من العوامل الرئيسية التي تمسك بها فتحي، وتنوعت أدواره بين الكوميدي في أفلام “صعيدي في الجامعة الأميركية” و”راند فو” و”فيلم ثقافي”، والأدوار الإنسانية مثل “شجيع السيما” و”فرحان ملازم آدم” و”البلياتشو” و”سهر الليالي” و”ساعة ونص”، بالإضافة إلى الأدوار المركبة كما في فيلم “عصافير النيل” و”عزبة آدم” و”كباريه”.

وتمكن عبدالوهاب من الجمع بين انتمائه إلى الفن كقيمة ورسالة دون التعالي على الجانب التجاري للسينما كصناعة، وقدم أدوارا مهمة في أعمال جماهيرية كبيرة في أفلام مثل “الديزل” و”هروب اضطراري” و”حرب كرموز”.

ويرى في قدرته على التنقل السلس بين الأدوار المتباينة أمرا طبيعيا، ويقول لـ”العرب”، “عملي وواجبي أن أخلص له، وأقدم ما يرضيني ويمتع الناس، ويضمن حياة ممتدة للشخصيات التي أقدمها في أذهان الجمهور، وجميعنا سوف نموت كفنانين، لكن تبقى الشخصيات التي نقدمها يتذكرها الناس، وقد تظل عالقة في أذهانهم وقادرة على جذبهم”.

ويشبه البعض أداء عبدالوهاب بالفنان الراحل أحمد زكي، باعتباره أشهر النماذج العربية لممثلين تلاحموا مع أدوارهم وتمكنوا من تقديم بوتقة واسعة من الشخصيات المتنوعة والبراقة، ويبدو السر الدائم وراء تقديم دور لافت ومميز في دراسة الشخصية والبحث عنها في الحياة الواقعية ليشعر المشاهد بقدر من الواقعية.

لحم ودم حقيقيان

أشار فتحي عبدالوهاب في حواره مع “العرب”، إلى أنه يسخّر لكل دور يقبله خبراته الحياتية وقراءاته ومشاهداته، وأداءه كممثل، ليخرج مكتملا إلى حد بعيد ويتحول إلى لحم ودم حقيقيين على الشاشات، ويبقى للجمهور الحق في تقييم اجتهاده الفني بالقبول أو الرفض.

ودخل الفنان المصري عالم التمثيل من خلال مسرح كلية التجارة، ثم انتقل إلى مسرح محمد صبحي من خلال مسرحية “بالعربي الفصيح”، وظهر في أدوار صغيرة في أفلام “طيور الظلام” و”سارق الفرح” و”بخيت وعديلة”.

ومنذ أن وطأت قدماه هذا العالم غرس بجذوره داخله، وبحماس يقول “لم أعد أستطيع الابتعاد عن الفن، فهو فرصة مذهلة للتعلم من الناس والأشياء، وهي خبرات تتراكم وحيوات لشخصيات متنوعة أعيشها وأتنفس بها”.

الفن صار جزءا من حياته
الفن صار جزءا من حياته

 ورغم أن الفن صار جزءا من حياته، إلاّ أنه بعد ما يقرب من 90 عملا فنيا بين مسلسلات ومسرحيات وأفلام، يصر على رفض أحاديث النجومية والبطولة المطلقة، ويبرر ذلك لـ”العرب” بقوله “استمراري كل هذه السنوات يعني أن هناك شيئا جيدا يجده الجمهور في طريقة عملي، وما يعنيني الحفاظ على هذه المحبة والاحترام لما أقدمه، سواء في دور بطولة أو مشهد واحد مؤثر أحببت تقديمه على الشاشة”.

ويتابع “من غير المقبول أن أصنف نفسي كبطل أول لأُحرم من متعة التنقل بكل حرية بين الشخصيات لاعتبارات مساحة الدور أو شكل اسمي على ‘الأفيش’ أو الإعلان، أنا أسير في طريقي بحذر، كي لا أنشغل بما آراه غير هام، والبطولة بالنسبة لي حق أصيل للشخصية التي أقدمها ولو كضيف شرف أو في مشاهد قليلة، كما قدمت دوري في مسلسل ‘أبوعمر المصري'”.

يسترسل فتحي عبدالوهاب في توضيح رأيه بهذا الشأن قائلا “عندما أقرأ الورق الذي يعُرض عليّ، أفكر في الشخصية التي أصبح مهموما بشكلها وصورتها على الشاشة دون الانشغال بأي تصنيف، سواء كان العمل تلفزيونيا أو سينمائيا أو مسرحيا، فتلك التصنيفات لم يعد لها وجود في الواقع، والعمل الفني كل المشاركين فيه أبطال من أصغر عامل خلف الكاميرات إلى أعظم ممثل أمامها”.

وعمل فتحي عبدالوهاب مع أساتذة تمثيل في مصر، بدءا من أحمد زكي في “أرض الخوف” مرورا بعادل إمام في “زهايمر” ومسلسل “دوافع خفية”، ويحيى الفخراني في مسلسل “دهشة”، ولم يقع يوما في أسر طريقة أداء أحد منهم.

ويؤكد “العمل مع أي فنان كبير متعة إضافية أستمتع بها، والممثل الكبير يخرج عن التقليد ولا يمكن توقع أسلوبه في الأداء، وهذا يعكس شخصيته المميزة، لذا لا بد أن يملك كل فنان شخصيته التي تمنح أداءه بصمة لا تتشابه مع أحد وتثري تجربته الفنية عبر التراكم، وهو ما أسعى إليه بأسلوبي الخاص حتى أتمكن من خلق حياة على الشاشة تجعل شخصيتي الأصلية تتوارى خلفها تماما”.

ويستطرد فتحي عبدالوهاب “أتمنى أن أجد باستمرار شخصيات تثير حماسي، وأطمح في أن أقدم مئات الأفلام، إلاّ أن هذا يتوقف على درجة استعادة صناعة السينما في مصر لعافيتها وقوتها الكاملة، وهو ما يتطلب المزيد من دور العرض والإنتاج وعدد المشاهدين، كي يتم استيعاب الموهوبين في جميع مجالات العمل السينمائي، وهو الدور الذي يقوم به التلفزيون منذ سنوات، حيث يتيح للكثيرين الفرصة للتعبير عن أنفسهم فنيا”.

13