فتح السفارة السعودية ببغداد

السبت 2015/01/31

نحن لم نعد نسمع لا عن حاملة طائرات فرنسية تتجه لحرب داعش، ولا عن طائرات أردنية تقصف الرقة، ولا عن رسالة أميركا لنشر الديمقراطية. وبعد تصريح رئيس الوزراء العراقي الأخير حيدر العبادي الذي امتدح فيه الجنرال الإيراني قاسم سليماني، لم نعد نسمع عن فتح وشيك للسفارة السعودية ببغداد.

كل ما نسمع به اليوم هو إطلاق سراح السيدة ساجدة الريشاوي من السجون الأردنية، والمذابح التي ترتكبها الميليشيات التابعة لإيران بحق المدنيين السنة في العراق.

تنظيم داعش مشكلة كبيرة للمملكة العربية السعودية. ففي الوقت الذي تتلكأ فيه تركيا عن المشاركة العلنية في قتال داعش، تهبُّ إيران بكل حرسها الثوري لقتاله. وهذا لا يجعل من إيران حليفا عمليا للولايات المتحدة في قتال الإرهاب على الأرض فقط، بل يجعل من السعودية عاجزة عن المشاركة في حرب لا تسمح إيران لها بالمشاركة فيها.

إضافة إلى أن إيران تبدو منسجمة مع نفسها في حرب ضد المتطرفين السنة الوهابيين، بينما الواقع لا يترك للسعودية في الحرب على الإرهاب سوى هدف واحد هو الاحتفاظ بصداقة الولايات المتحدة، ولو أدى ذلك إلى تقارب مع إيران، وتباعد مع الحلفاء الداخليين في البلاد الذين يمثلون التيار السلفي.

هذه المحنة تعتبر اليوم من أصعب المحن التي تمر بها المملكة، لأنها تجعل من تركيا (حاضنة الإخوان) طرفا سنيّا مترددا في القتال إلى جانب الأميركيين، رغم أنها دولة عضو في حلف الأطلسي وتمتلك قدرات كبيرة.

بسبب هذا التعقيد لم نعد نسمع بالطلعات الجوية السعودية لقصف الدولة الإسلامية، إذ أن هناك ترددا في تصعيد من هذا النوع قد يؤدي إلى أزمات داخلية، كالهجمات الإرهابية ببلدة الدالوة في الأحساء، مطلع نوفمبر من العام الماضي، وكالعملية الإرهابية التي أدت إلى استشهاد قائد حرس الحدود بالمنطقة الشمالية، العميد عودة عوض البلوي، والجندي طارق الحلوي، والجندي يحي أحمد مقري، بينما أصيب العقيد سالم العطيسان، نتيجة ذلك التسلل على مركز سويف الحدودي مع العراق، فجر الاثنين المصادف لـ5 من الشهر الجاري.

الخبث هو الذي دفع الإرهابيين إلى ارتكاب جريمة ضد شيعة الأحساء المعتدلين الطيّبين، وليس ضد الشيعة الأكثر تشددا في العوامية مثلا؟ الغرض من هذه الهجمات ليس الطائفية، بمقدار ما هو خلق إحراج سياسي في الأحساء حيث الثروة النفطية السعودية وشركة أرامكو.

يبدو الأمر بوضوح، كما لو أن إيران من جهتها تدفع السعودية إلى حل وحيد باتجاه التحالف معها ضد الإرهاب، وتحمل الهزات الداخلية المترتبة على تحالف من هذا النوع، بينما من جهة أخرى تدفع تركيا باتجاه حل وحيد آخر هو التحالف السعودي التركي، والتضحية بعواقب ذلك على العلاقات التاريخية مع الولايات المتحدة.

بعد سقوط نوري المالكي وصعود رئيس الوزراء العراقي الجديد حيدر العبادي اعتقدت الحكومة السعودية أنه الخلاص من هذه المحنة. فبغداد تقع في منتصف المسافة بين الرياض وطهران، غير أن العبادي قد فاجأ الجميع بإعلانه الترحيب بالدور الإيراني وامتداح الجنرال قاسم سليماني بالاسم في مؤتمر دافوس.

وجدت المملكة نفسها اليوم في محنة أخطر من ضغط الليبراليين والسلفيين المتعاكس على السياسة الداخلية للبلاد. بل هي أمام إشكالية من النوع المصيري. فالأمراء يشعرون باتهام الولايات المتحدة وإيران للمملكة بعدم القدرة على منع المساعدات المالية للمتطرفين، بينما من جهة أخرى يتهمها التيار السلفي بعدم القدرة على حماية السنة في العراق وسوريا.

هذه إشكالية، نظريا، لا حل لها دون خسائر فهي معركة باتجاهين، وكل اتجاه يتطلب تقديم خسائر، خصوصا مع معرفة خصمين إقليميين كإيران وتركيا بطبيعة المحنة، وعدم رغبتهما في التعاون مع المملكة لتجاوزها دون مخاطر خارجية أو داخلية إلا بتنازلات معروفة.

الدليل الواضح على ذلك هو قيام مجموعة من الميليشيات التابعة لإيران باقتراح تنصيب السيد نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي كقائد أعلى للحشد الشعبي الشيعي المسلح.

هذه رسالة إيرانية واضحة إلى المملكة العربية السعودية للضغط عليها بسبب موقفها الأخير من التسلح النووي والرافض للعبث الإيراني بالشؤون الداخلية للدول العربية.

إيران، ببساطة، تخلط الحرب على الإرهاب بالحرب على السنة ودماء الأبرياء بشكل متعمّد، أي أنها تطالب السعودية بالتشيّع الكامل والتحول إلى “صحوات”.

أمام لعبة إيرانية بهذا المكر والدهاء نحن، حقا، بحاجة إلى أن ننتظر ما ستفعله القيادة السعودية، ونحن واثقون من قدرتها على مفاجأة جميع المراقبين بحكمتها ومواهبها.


شاعر عراقي

8