فتح الشام.. وجدية التغيير

ليس من المنطق وضع كل الفصائل الإسلامية المسلحة والتي ترفع شعار معارضة النظام السوري في سلة واحدة، فجبهة النصرة تنظيم لا يشذ عن باقي الجماعات المتشددة، لكن أطروحاته اتسمت بما يصفه المراقبون بالبراغماتية بسبب قراءته للتحولات السياسية واقترابه النسبي من المحيط الاجتماعي.
الاثنين 2016/08/15
الكتائب ذات المشروع الإسلامي تحالفت مؤقتا لقتال الأسد

أعلنت جبهة النصرة فك ارتباطها بتنظيم القاعدة، وغيرت اسمها إلى فتح الشام بعد أن رفع زعيمها الجولاني الخمار عن وجهه، شاكرا وممتنا لتنظيم القاعدة، إذ تقصّد في هندامه التشبه بزعيم القاعدة الأول أسامة بن لادن؛ هذه التغييرات أُعِدت بعد التنسيق والمشاورة، ثم المباركة، من تنظيم القاعدة وزعيمه الظواهري. لقد أحدثت هذه التغييرات ضجيجا إعلاميا وسياسيا، رغم أنّ بيان الجولاني، وقبله مقدمة نائب زعيم تنظيم القاعدة، لم يتضمنا تغييرا، بل تضمنا تمسكا بالأيديولوجيا الجهادية القاعدية.

اتّسمت جبهة النصرة منذ ظهورها في سوريا باتّباع سياسة عقلانية وبراغماتية مع الأطراف الأخرى الإسلامية، دون التخلي عن فكرها الجهادي الصارم؛ فقد اتبعت اللين والنّصح من أجل جذب العناصر إليها، وساعدها في ذلك التمويل الذي كانت تتلقاه من تنظيم القاعدة ومن أطراف إقليمية أخرى.

وكانت بداية تقدّس الشهادة وتكرّم أسر الشهداء من مقاتليها وتؤمن حاجاتهم، لذا نالت بعض الاحترام من الأوساط المحلية حينها، لكنها أيضا شهدت نفورا وانشقاقات بسبب سلوكها في المعارك.

تراجع تنظيم القاعدة عالميا بسبب الهزائم التي لحقت به في العراق واليمن وأفغانستان، وتراجعت قدرته على الجذب بسبب منافسة إخوتهم في المنهج الجهادي، وهم الداعشيون، الذين استطاعوا إقامة دولة الخلافة على أراض واسعة من سوريا والعراق، ورغم كل ذلك فإن جبهة النصرة قويت وتوسعت، وظلت تحافظ على حضورها القوي في الداخل السوري؛ هناك عدة أسباب رئيسية لذلك:

أولا، أنه حصل فرز بين الجهاديين السوريين والأجانب، إذ أن معظم عناصر تنظيم داعش في سوريا من الأجانب، في حين أن السوريين يشكلون أكثر من 85 بالمئة من تنظيم النصرة؛ هذا ما أعطى النصرة بعض العقلانية واللين مقارنة بالسياسة العدمية التي يتبعها تنظيم داعش؛ وهو ما جعلها في الأصل جبهة قاعدية ولكنها سورية الهوية. الأمر الذي جعل انفكاكها عن التنظيم العالمي منطقيا، وسهل التحقق.

وثانيا، أن الجبهة، وإن لم تخفِ طموحاتها في إعلان الإمارة الإسلامية، فإنها أبقت على هدف قتال النظام أولوية لها، لذا تحالفت مع إسلاميين آخرين، وشكلت جيش الفتح، وهي اليوم بعد تحولها إلى جبهة فتح الشام أحد مكونات الجيش الذي فك الحصار عن حلب، ويكاد يسيطر عليها بالكامل.

وثالثا، أن جبهة النصرة، ورغم سيطرتها على مدينة إدلب، ومنذ عامين، فإنها لم تفعلها وتعلن الإمارة. فقد تصرفت بواقعية وبراغماتية عالية، وقرأت المشهد السياسي بدقة؛ فلو أعلنت الإمارة لكان نصيبها من الشعبية كما داعش، وهو النبذ الكامل ضمن مناطق المعارضة، ولخسرت كل تحالفاتها مع الكتائب الإسلامية، وقبل كل ذلك كانت ستخسر الكثير من عناصرها الذين يريدون محاربة النظام وإنهائه قبل المضي في المشروع الإسلامي. واليوم حلم الإمارة القاعدية في سوريا يتبدد، مع إعلان الجبهة تغيير اسمها وانفكاكها عن التنظيم العالمي.

رابعا، كانت الجبهة تسعى إلى استقطاب المقاتلين الإسلاميين من المجموعات الأخرى، ما جعلها تتعامل بمنطق ليّن، وتقول بخطاب الأخوّة في الدين، ولا تجازي إلا من جاهر بالكفر والمحرمات العامة. لكنها في الوقت نفسه كانت تتعامل بمنطق آخر مع العلمانيين وغير المؤيدين للأسلمة، فمارست القتل والاعتقال والطرد في حقهم، وحاربت الجيش الحر بوصفه كتائب شعبية محلية ليس لها مشروع إسلامي سياسي، وإن كان عناصره متدينين.

وخامسا، تحالفت مع الكتائب الأخرى ذات المشروع الإسلامي، وإن اختلفت في المنهجية الجهادية. هذا ما أعطاها اعترافا وحماية من الاقتتال الداخلي.

النصرة هذه أحسنت قراءة المشهد السياسي، والتمست عمق الاتفاق الأميركي الروسي وجديته في سوريا، والضغط على الكتائب الأخرى لنبذها، وأدركت أنها ستنتهي إن واجهت كلّ ذلك، لذا انحنت للعاصفة وقبلت الانفكاك عن التنظيم العالمي، وتغيير اسمها، دون خطابها. ورغم أن الولايات المتحدة لم تغير موقفها المعلن تجاه التنظيم بعد التغيير الحاصل له، فإنها تعاملت مع مشاركته في معركة فك الحصار عن حلب، كما كانت تتعامل من قبل، بغض النظر الذي يشوبه قبول؛ لكنه سيظل غير مقبول لها في المرحلة الانتقالية، إن لم يبدِ لينا أكثر في السياسة، كما الكتائب الأخرى.

ورغم كل الأسباب المذكورة أعلاه، تظل كل قوة التنظيم وحضوره مرتبطين بمحاربة النظام، وحالما يتم الاتفاق على وقف إطلاق النار والمضي بالحل السياسي، سيجد التنظيم نفسه أمام التحدي الأصعب واستحقاق التغيير الحقيقي في البنية والمنهجية، وأن عليه أن يقبل كل ما يُملى عليه في الحل السياسي من ديمقراطية وقبول للآخر، أو سيلقى النبذ والمحاربة من المجتمع الدولي ومن الفصائل المحلية، وقبل كل شيء من الشعب، الذي يرفض شكل التدين والتشـدد الذي تفرضـه جبهـة فتح الشام عليه.

13