فتح - حماس: سر الود الطارئ

الجمعة 2014/05/23

باتساقٍ مع أي سياقٍ إقليمي ودوليّ يسيرُ الفلسطينيون نحو المصالحة؟ الحدثُ يأتي دخيلاً على المزاج الإقليمي العام، ولا ينسجمُ مع نزوع التيارات إلى التباين والتناقض. والحدثُ يلقي بالمجهر على إمكانات ما هو بيتي محلي في إنتاج تبدّلٍ مفصليّ هام من وراء ظهر القوى الخارجية ومصالحها. هكذا في صبيحة يوم تخرجُ فتح وحماس باتفاق مصالحة، وهكذا في صبيحة كل يوم مُذّاك يتبارى الطرفان في إظهار إيجابية ومودة وتفاؤل تصبّ مصداقية تلو أخرى على مصالحة كادت تكون مستحيلة.

بات نزاعُ فتح وحماس في السنوات الأخيرة أساسَ المشهد الفلسطيني. تقدّم الخلاف بصفته “طبيعياً” في تعايش التيارين، ذلك أن حياة أي طرف وديمومة بقائه في الفضاء الفلسطيني باتت مرتبطة بالتناقض وليس بالتفاهم مع الطرف الآخر. تدحرجت علاقةُ حركة الشيخ أحمد ياسين مع حركة ياسر عرفات من تضاد في المفاهيم والقواعد، إلى تصادم بين منطق السلطة ومنطق المعارضة، انتهاء باحتراب أنتج طلاقاً جسديا جغرافيا بين قطاع غزة والضفة الغربية. وفي قدرية الانشقاق ترعرعت تقاليد وسلوكيات داخل حماس، كما داخل فتح، أنِسَت للقطيعة وعملت على صيانتها، كما استسلمت لها بصفتها قدراً نهائيا دائما.

رغم ترعرعها داخل بحر متعدد معقّد الارتباطات، تمكّنت حركة فتح من قيادة العمل الفلسطيني منذ ستينات القرن الماضي متقدّمة فصائل ومنظمات وأحزاب وجماعات وتيارات. نجحت فتح في استعادة “القضية” من المحيط العربي، وأعادت تصويبها وفق أبجديات فلسطينية خالصة. خاضت فتح معارك في السياسة والعسكر والأمن والأيديولوجيا، وصولا إلى إعادة الجدل إلى الداخل الفلسطيني وفق ما آلت إليه اتفاقات أوسلو. في ذلك الداخل كبرت حركة حماس فكراً وممارسة وسلوكاً لتُنافس “العائدين” السطوة على الميدان في الشكل والمضمون. مارست فتح شروط السلطة على حماس، وكان أن مارست حماس بعد الحسم/ الانقلاب (وفق تسمية كل طرف) شروط السلطة على فتح. في تصادم منطقي السلطة (وليس منطقي التحرير)، حدث الانفجار المنطقي الكبير.

في حكاية حماس، بعد حكاية فتح، ما يشبه اجترار التاريخ وتكرار مشاهده. تقدّمت حماس بشعارات كبرى وأهداف قصوى في الصراع ضد المحتل. تأخرت حماس عن العمل المسلح وكانت تمقته ولا تعترف بشهادة من يقتل في معاركه.

كان لحماس منطقها في إعداد المجتمع وأولوياتها (وفق رؤى الإخوان) في هذا المضمار. وحين أطلقت حماس جهدها المسلح غداة الانتفاضة الشعبية السلمية، تذكّرت فتح بداياتها وأحلامها وطموحاتها في تحويل العرب جميعاً إلى كتلة مقاتلة كبرى. ردَّ المحتل بشراسة على حماس ومنطقها، بعد أن ردَّ بشراسة على فتح ومنطقها، فانتهى الأمر بالحركتين إلى واقعية سياسية تتشابه في العام والأساسي، وتتباين في التفاصيل.

عملياً أوقفت حماس إطلاق النار وراحت تلاحق المخترقين. هكذا تماما تصرّفت فتح- السلطة. تبنى الفتحاويون بالنصّ نهج التفاوض والسلمية، لم يكن ذلك خياراً، بل عجزاً عن التقدم في خيارات بديلة. وتتبنى اليوم حماس منطقا يبتعد عن خيارات الحرب، وتغامر في دفاعها عن هدنة طويلة تنسحبُ على عقود. لم تعدْ فتح قادرةً على قيادة السفينة وحدها، وبدا أن حماس عاجزةٌ عن احتكار القيادة وإنتاج نموذج نهائي بديل. وفي تنافر التيارين التقليدين في العالم العربي، بين معتدلين وراديكاليين، بدا أن فتح وحماس فقدتا ديناميات الحيوية في المعسكرين بعد أن أربك “الربيع العربي” آليات الصراع. تراجعت فلسطين وميدانها في سلم الأولويات. بات أمر ذلك ثانوياً عرضيا بالنسبة إلى سوريا وإيران، فيما عواصم الاعتدال تتأملُ بقلق كوارث ذلك الربيع وتجهدُ بعزمٍ لإزالة آثاره.

أملت حماس أن يجرَّ العصر الإخواني الذي أطلّ على المنطقة ريحاً إلى أشرعتها. بين ليلة وضحاها تخيّلت حماس أن غزة تتمدد، وأن القاهرة صارت ضاحيتها. ربما استعد الحمساويون لحسم آلي يُسقط الضفة الغربية في شباكهم. انتقلت حماس من تجربة عرضيّة في القطاع باتجاه تعميم العرضيّ وترقيته في فضاء طموح يربط أنقرة والقاهرة وتونس وصنعاء والرباط…إلخ. سقط الإخوان في مصر، وسقطت أحلام حماس.

في نكسة الإخوان، في الخروج من سوريا، في الابتعاد عن طهران، في غضب الخليجيين، أسبابٌ تتراكم لتدفع حماس نحو إعادة قراءة متأنية لحالها العام. باتت الحركةُ محاصرةً وضَعُفَ مددُها ووهنت حجّتها، كما أن تجربتها في الحكم انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تصله، وما وصلته يحشُرها في محليّة مفرطة يحيلها هامشا جهدت للخروج منه متوسلة الاعتراف الدولي منذ فوزها في انتخابات 2006. بالمقابل، بدا لفتح والسلطة الفلسطينية أن ضمور الحالة الإخوانية في المنطقة لن يؤثّر على توازن القوى الداخلي، كما أن تفكك تيار الممانعة حول حماس لن يقابله تآلف التيار المقابل حول فتح.

فتراجع فلسطين في الأولويات يجعل من حساب الأرباح والخسائر في رام الله غير ذي بال. اقتنع محمود عباس وصحبه أن وثباتهم في المحافل الدولية ثقيلة الخطى متعثّرة بسبب ما يعتبره العالم ضمناً التباسا في درجة ما تمثّله سلطة أبو مازن لدى الفلسطينيين. كان واضحاً أن عدم الجدية التي يقابل بها نتانياهو مسألة المفاوضات متأسسة، ناهيك عن أسباب عقائدية لدى اليمين الإسرائيلي، على استخفاف إسرائيل بسلطة المقاطعة في رام الله، لاسيما فقدانها السيطرة على قطاع غزة سياسيا وجغرافياً.

لا تؤمن حماس بقناعات محمود عباس التفاوضية، ولا يهتم أبو مازن بقناعات حماس في هذا الصدد. لا تعترف حماس بإسرائيل، ولا يهتم أبو مازن بذلك أيضا. فالساحة الفلسطينية، متعددة منذ الأزل ويجب أن تبقى متعددة، فلا تسقط بين “فتحاوية” و”حمساوية على غرار ما سقط فيه الفصيلان في السنوات الأخيرة. تحتاجُ حماس إلى فتح للخروج من مأزق وجودي حقيقي، وتحتاج فتح إلى حماس لتخليصها من صدأ الجمود الذي أصاب مفاصل السلطة ومحركاتها. وفي تضارب الشعارات وتناقض الأسس العقائدية يتفقُ الطرفان على ما يمكن الاتفاق عليه، متجاوزين ما لن يستطيعا يوما الإجماع عليه.

لكن من المستفيد أكثر من المصالحة؟ تدهورت علاقات مصر وحماس ووصلت إلى درك خطير. لوّحت القاهرة بمسؤولية حماس في تصدير الإرهاب إلى الداخل، ودمرت الأنفاق الحدودية وأقفلت معابرها مع غزة، علّها تُقفل بذلك منافذ الإرهاب المتسلل من الأبواب والشبابيك. ذهبت بعض السيناريوهات إلى توقّع تدخل عسكري مصري ضد حماس في غزة كخيار لمواجهة الإرهاب. باختصار تحوّلت حماس إلى عدوٍّ يجوزُ في مصر إدانة من يتخابر معه، وبدا أن حماس أدركت خطورة المأزق.

تهرعُ حماس نحو المصالحة مع فتح لعلّ في ذلك إعادة تأهيل تتيح تطبيع العلاقات مع العالم العربي عامة ومع مصر خاصة. لكن اللافت أن القاهرة، بحكم علاقاتها الجيدة مع رام الله، لم تدفعْ باتجاه تعطيل تلك المصالحة. فما ترومه القاهرة يستهدفُ تبريد حدودها مع غزة، خصوصا إذا ما أدى اتفاق المصالحة إلى مرابطة قوات فلسطينية تابعة للسلطة الفلسطينية على معابر غزة. ولاشك أن اندماج حماس في النظام الفلسطيني العام (السلطة ومنظمة التحرير) يكبحُ إخوان فلسطين عن أن يكونوا مددا لإخوان مصر.

لم تعدْ حماس حصاناً رابحاً بالنسبة إلى طهران. فمنذ أفول الإخوانية حاكماً أضحت طموحات إيران معنيّة بالتفصيل المصري والخليجي في إطار قرب اتفاقها النووي مع المجتمع الدولي. وما الكلام عن تأخّر زيارة كان من المقرر لخالد مشعل القيام بها لطهران، إلا صورة من صور عدم اكتراث إيران بحليفها السابق. ثم أن الزيارة التي قام بها جبريل رجوب عضو اللجنة المركزية لفتح لطهران قبل أشهر، وما واكبها من اهتمام إيراني ندر في السنوات الأخيرة، يعبّر عن تبدل مقاربات طهران إزاء الورقة الفلسطينية.

بعد رصد ردّ الفعل الأوروبي المرحّب بالمصالحة، وردّ الفعل الأميركي المتحفظ بخجل، بدا أن المصالحة مطلوبة عربيا وأوروبيا وربما أميركيا لتحريك احتمالات التسوية. وحدها إسرائيل تتوجسُ من الأمر وتعتبره كارثة، سيما وهي تتأمل ميل العالم (لاسيما اللجنة الرباعية) للاعتراف بحكومة الوحدة الفلسطينية، أي الاعتراف بحماس شريكا لفتح داخل الرافعة الفلسطينية.

يتكئ أساس الاتفاق الداخلي الفلسطيني على حلول مرحلية عملية لإنتاج قيادة فلسطينية عن طريق الانتخابات. في ذلك أن الفصيلين يستسلمان لقدر الصناديق ويُسقطان نهائيا خيارات الاحتكام للسلاح. على أن الخطورة تكمنُ في أن العامل الداخلي الفلسطيني لإنجاح المصالحة لا يملكُ مفاعيل القوة الضرورية لصون الاتفاق، وأن غياب المرجعيات الكبرى عن رعاية الاتفاق بشبكة أمان واضحة، قد يؤدي إلى تراجع الفلسطينيين، أو على الأقل المتضررين منهم، عن اتفاق لا يرضي خصماً ولا يريح صديقاً.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

8