فتش عن إسرائيل

الاثنين 2014/02/03

يمكنك أن تتناسى التاريخ، لكن يستحيل أن تغيره. نال حافظ الأسد اعترافا سلسا بانقلابه عام 1970 مكافأة على دوره المتخاذل عام 1967 وهو على رأس وزارة الدفاع في سوريا، في تلك الأيام- على سبيل المثال- أعلنت وزارة الدفاع السورية سقوط القنيطرة قبل أن يطأها أي جندي إسرائيلي.

بعد “النكسة” كان محور الخلاف الرئيس بين حافظ الأسد وصلاح جديد هو المواجهة مع إسرائيل، وانتهت الخصومة باستيلاء حافظ الأسد على السلطة ولم تطلق رصاصة على إسرائيل حتى تاريخه على الرغم من احتلال الجولان.

في عام 1973، شارك حافظ الأسد في حرب أكتوبر لهدف واحد: إضعاف الجانب المصري. عبرت القوات المصرية خط بارليف وتوقفت، ثم صدت كل الهجمات الإسرائيلية المرتدة، لكن حافظ الأسد ضغط على الرئيس أنور السادات عبر رئيس الوزراء السوفييتي أليكسي كوسيغين للدخول إلى خط المضائق في سيناء، لم يجد (السادات) مفرا من الاستجابة لضغوط ممولي سلاحه، فكانت النتيجة تحقق “الثغرة” بتقدم (شارون).

تولى بشار الأسد رئاسة سوريا خلفا لوالده، ولم يختلف نهج الابن عن نهج الأب، إن قتلى بشار من اللبنانيين والسوريين أكثر بأضعاف من قتلى إسرائيل في كل صراعاتها وحروبها مع العرب. هناك فرق واحد بين بشار ووالده، كان قتلى حافظ من الفلسطينيين أكثر من أي جنسية أخرى ربما.

ما الغرض من ذكر هذا الكلام؟ تدور فعاليات جنيف2 واللاعب الأكبر في المشهد السوري غائب عن المؤتمر، وقد يتصور البعض أن إيران هي صاحبة هذا الغياب، لكنه غياب إسرائيل.

نظام البعث في سوريا هو الخادم المخلص للكيان الصهيوني قبل أن يكون الحليف الوفي لإيران وروسيا.

في جنيف، قال سعود الفيصل معظم ما يجب قوله، وما عدا ذلك فمضيعة للوقت.

ما يهرب الجميع من حقيقته، أن ما فعله بشار في شعبه لا يقل عما فعله معمر القذافي في دولته، سقط القذافي عبر ضربات الناتو ولن يسقط بشار الأسد بغيرها، والمانع الحقيقي لخيار الناتو ثم ضربات أوباما المزعومة هو الفيتو الإسرائيلي.

المسألة باختصار أن نظام (الأسد) يقدم كل الخدمات المطلوبة للكيان الصهيوني: جبهة هادئة في الجولان، وجبهة مدروسة في لبنان، واستقطاب التطرف الإسلاموي- سنيا وشيعيا- بعيدا عن محيط الأراضي المحتلة، ثم يكتمل المشهد المسرحي بتصريحات رنانة عن عداوة مزعومة لإسرائيل ولا أحد يرى مظهرا لها.

لن تنجح مفاوضات جنيف ما لم ينكسر بشار الأسد، ومع تضافر كل حلفائه من قوى الإرهاب لنصرته- من (داعش) والقاعدة إلى (حزب الله) والحرس الثوري- لن تكسره إلا ضربات الحظر الجوي، وهذا لن يتحقق إلا بالتفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل.

تتخوف إسرائيل من المعارضة الممزقة في سوريا، وزاد الطين بلة تسليم المعارضة بقطع العلاقات مع حماس وحزب الله واللجوء إلى الخيار التفاوضي لحل ملف الجولان.

وعلى الرغم من صوابية خيار المعارضة إلا أن إعلانها عن هذا النهج أنهى موضوع أي تفاوض بينها وبين إسرائيل، فمن قبض مبتغاه مجانا لن يرغب في دفع الثمن بأثر رجعي.

إن الوضع القائم بين نظام الأسد والكيان الصهيوني أفضل من الخيار التفاوضي للمعارضة الذي سيفرض على إسرائيل التزامات تنعم هي الآن بالتحرر منها. حلول الأزمة السورية واضحة: إما ضربة عسكرية دولية تقضي على مقومات قوة (الأسد) وفريقه، ومفتاح هذه الضربة رهن الموافقة الإسرائيلية قبل أي طرف آخر، أو الخضوع لفكرة مراجعة (سايكس بيكو) عبر التقسيم أو غيره.

وللأسف، رغم أعداد السوريين المهولة كقتلى ولاجئين لم ينضج أي حل من الحلول المنطقية ليصير واقعا، وحتى تنضج الثمار تتحمل إسرائيل- مع حليفها بشار- مسؤولية كل قطرة دم سورية كما تتحمل كل قطرة دم فلسطينية.


كاتب صحفي سعودي

8