فتنة الأسلاف بين رف الكتب

الباحث الجزائري رشيد بوطيب يقدّم في كتابه "نقد الحرية: مدخل إلى فلسفة إمانويل ليفيناس" علاقة ليفيناس بالفلسفة اليهودية، الألمانية ورموزها الكبار.
الأحد 2019/03/24
الباحث رسول محمد رسول يذهب إلى أن للفيلسوف هايدغر رؤية واضحة بشأن التراث الفلسفي

يعتقد الكاتب والباحث العراقي رسول محمد رسول، في كتابه “فتنة الأسلاف: هايدغر قارئاً كانط”، الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود في الرباط، بأن الافتتان هو شغف، لكنه الشغف القرائي التأويلي بحسب تجربة فيلسوف الغابة السوداء مارتن هايدغر، وهذا الأخير نفسه بدا مفتوناً بعدد من الفلاسفة كانوا سبقوه، ومنهم إمانويل كانط، ولهذا جاء العنوان الفرعي “هايدغر قارئاً كانط”.

 يذهب مؤلف الكتاب إلى أن للفيلسوف هايدغر رؤية واضحة بشأن التراث الفلسفي؛ ذلك أن التّراث ليس مجرّد ركام إنّما هو حضور، ويسوق نصّ ما قاله هايدغر نفسه في كتابه “مبدأ العلة”، فلا بد “أن نرى في فكر السَّلف أكثر من مجرّد ركام من الآراء الفلسفية الدائرة؛ التراث حضور يحمل الفكر، ويجعلنا نبحث عنه حيث تنقاد الذات إلى أفق يتخطّى الذات (نفسها) لتتوحّد فعلياً مع التراث وبه، فها هنا الحافز، الحافز الوحيد الذي يشدّنا إلى الطواف حول مبدأ ما في التراث”. ومن قبل كان سلفه الألماني نيتشه قال “التفلسُف هو فن التواصل الراقي مع الأسلاف”.

وبهذه الرؤية الفلسفية عاش هايدغر مع أسلافه خلال عقود حياته على نحو تواصلي راقٍ فكانت قراءاته رائعة الوفاء لأسلافه كما هي لذات هايدغر نفسه، وهو ما توقّف عنده رسول الذي راح يفرِّق بين “الهرمينوطيقا” من وجهة، و”التأويل” من وجهة أخرى في فلسفة هايدغر وعلى نحو باكر استناداً إلى نصوص مارتن هايدغر نفسها، وهي تفرقة جوهرية في فلسفة هايدغر برمتها.

بنية الذات وسؤال الهوية

التأكيد على حق الإنسان المطلق في تحديد هوياته
التأكيد على حق الإنسان المطلق في تحديد هوياته

ينطلق الباحث الأردني سمير عميش في كتابه “بنية الذات وسؤال الهوية: تعدد الهويات الفردية وتنوعها”، الصادر حديثا عن دار أزمنة في عمّان، من قناعته بالتقاء تجارب الأمم والشعوب عند مجموعة من القيم الإنسانية، التي تشترك في الغايات العامة، وفي التأكيد على حق الإنسان المطلق في تحديد هوياته، وفقاً لتعدد مصادرها وتصنيفها تبعاً للنمط السائد في المجتمع الذي ينتمي إليه أو يعيش فيه.

وهو في سبيل خدمة هذه الفكرة يضع “التعددية” و”التنوع” بمفاهيمهما الأساسية وعناصرهما الأولية في مساقات بنية الذات البشرية، ومصنفات دوافعها التي تشكل لغزاً يحول دون صياغة نظرية عامة، يمكنها أن تغطي مختلف أنواع المزاج الإنساني ورغبات الأفراد وهواياتهم ومواهبهم وقدراتهم، وتقوم على قواعد علمية يمكن البناء عليها، في سبيل تكوين فهم نمطي للذات. إن “التعدد” من وجهة نظر عميش لا يقف عند حدود الاختلاف في الرأي أو الموقف أو المنهج.

بل يتعدّاها إلى الكينونة التكاملية، وخاصة عندما تتكامل صيغ الأهداف المقصودة ومراميها وغايات النشاط العملي، ذلك النوع من النشاط الذي تسعى إليه الفعاليات المعنية. وتبدو الثقافة التعددية، بحسب توصيف المؤلف، بملامح يعدّها مهمة وأساسية، وتتمثل بمبادئ ديمقراطية مستقرة، ووضوح المعايير الحياتية ووجود ضوابط متناسقة وحيوية المعايير الخاصة بالعملية الديمقراطية، إلى جانب المهارات والتقاليد.

الحرية في الفكر العربي المعاصر

يتناول كتاب “الحرية في الفكر العربي المعاصر”، لمجموعة من المؤلفين العرب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 25 فصلا، مفهوم الحرية وقضايا الفكر العربي منذ انطلاق النهضة العربية الحديثة وحتى الآن، ويعالج مؤلفو الكتاب الإشكالات التي تحيط بمفهوم الحرية وطريقة مقاربة وإعادة صوغه بما يجيب على أسئلة التقدم والتنمية والحداثة في المجتمعات العربية، وكذلك علاقة مفهوم الحرية بالليبرالية والحرية الدينية والإبداع الفكري والمشروعية السياسية والدستورية والتحرر الوطني وقضايا المرأة.

يتضمن الكتاب، الذي توزع على ثمانية فصول، أبحاثا لكل من: علي مبروك، شمس الكيلاني، المنجي السرياني، عبدالرزاق بلعقروز، رجا بهلول، مهند مصطفى، عبداللطيف المتدين، عبدالوهاب الأفندي، محمد أوريا، ثناء فؤاد، معتز الخطيب، سعيد أقيور، محاسن عبدالجليل، سهيل الحبيب، أحمد مفلح، وفريدريك معتوق. وشارك كذلك في فصول الكتاب كل من علي مُولي، شاكر الحوكي، نابي بوعلي، محمد مريني، عبدالحق هقي، محمد الحاج محمد، سامية إدريس، خالد العسري، وإبراهيم بوتشيش. وافتتح المفكر فهمي جدعان الكتاب بكلمة عن “الاستبداد”،  مذكرا بإرث الوطنية العربية التاريخي المستمد من استبداد ذي مرجعية مدنية أو علمانية، أو استبداد مستند على فقهاء حرّموا الخروج على الحاكم.

أسئلة قلقة في الراهن العربي

بلغة سلسة وضمن مقالات تشكل انطباعات حرة، تبتعد عن ثقل الكتابات الأكاديمية، وتقترب من عمق الراهن العربي وتحولاته، يطالعنا الباحث الجزائري بشير ربوح بكتاب جديد عن منشورات الاختلاف يحمل عنوان “أسئلة قلقة في الراهن العربي”. يضم الكتاب، الذي صدر بالاشتراك مع منشورات ضفاف اللبنانية، تسعة عشر دربا تشكل عصارة تأملات عارفة بأسئلة الراهن الجزائري والعربي، خاصة في ما يتعلق بصدمته بالحداثة.ودون أن يثقله بالهوامش والإحالات يستهل الدكتور ربوح كتابه بمساءلة للمفكرين الجدد الذين ذهبوا ضحية الإعلام، مستشهدا بحالة ميشال أونفري، منبّها إلى الدور المتعاظم لوسائل الإعلام التي غدت مؤسسة أسطورية مهيمنة على الفضاء العام ولها المقدرة المطلقة في صناعة الواقع وتسييره وتوجيهه إلى مرام تصنع في غرف السياسيين، مؤكدا أن وسائل الإعلام تحوّل “الشعوب إلى مجرد حشود” وهو ما تنبه له أونفري.

وفي حديثه عن الواقع العربي يؤكد صاحب الأسئلة القلقة أن”الوقت لم يعد مناسبا للحديث عن خطاب جنائزي نحتفل فيه بجلد الذات” مضيفا أن المنزع النقدي هو الدرب الوحيد، معترفا في الوقت ذاته “بأن توطين النقد في الثقافة العربية محاولة على درجة عالية من الخطورة والتعقيد، لأن البنية العميقة لهذه الثقافة لا تقبل على الإطلاق حضوره في مسطح تفكيرها”.

مغامرة جديدة في تحليل منتوجات الثقافة المكتوبة والمرئية
مغامرة جديدة في تحليل منتوجات الثقافة المكتوبة والمرئية

أوديسا الرمز

 يدرس الباحث الأكاديمي العراقي سمير الشيخ، في كتابه “أوديسا الرمز: دراسات في الكون السيميائي”، الصادر مؤخرا عن دار الرافدين في بيروت، المغامرة الجديدة في تحليل منتوجات الثقافة المكتوبة والمرئية، والسيميائيات في المسار العام: نظرية النظم الرمزية وإنتاج العلامات، وفي الكون الثقافي: تحليل وتأويل الأشكال الثقافية. حملت فصول الكتاب مجموعة عناوين منها “ممر إلى السيميائيات”، “الترجمة السيميائية”، “النقد السيميائي”، “سيميائيات الصورة”، “اللغة الاستعارية والبصرية في الشعر”، “سيميائيات الفن: جماليات الفن العراقي الرافديني”، و”السباحة في قارورة عطر”، عبر تحليل سيميائي للإعلان بوصفه منظومة من العلامات والرموز المرتبطة بالثقافات المولدة له.

يؤكد سمير الشيخ أن كتابه يقوم على مغامرة جديدة في تحليل منتوجات الثقافة المكتوبة والمرئية، واللسانيات التي تُعنى بنظام الرموز اللفظية، مشيرا إلى أنّ السيميائيات تتعدى اللغة لتدرس نظم العلامات لدى الحيوان والنبات، بل أبعد من ذلك لتشمل دراسة الرسائل التي تبثها المرئيات الصورية والأبنية الموسيقية عبر السيميائيات البصرية.

نقد الحرية

يقدم كتاب “نقد الحرية: مدخل إلى فلسفة إمانويل ليفيناس” للباحث الجزائري رشيد بوطيب، الصادر مؤخرا عن دار الاختلاف الجزائرية، في فصله الأول، علاقة ليفيناس بالفلسفة اليهودية، الألمانية ورموزها الكبار: هرمان كوهين، فرانس روزنتسفايغ، ومارتين بوبر، الذين يُعدون من رموز الفلسفة الحوارية في ألمانيا، وكان لهم تأثير كبير على الفلسفة الأخلاقية التي أسسها ليفيناس، والتي يمكن قراءتها مثل ردة فعل على مركزية الذات في الفلسفة الغربية. في الفصول الأخرى للكتاب يدخل الفيلسوف الفرنسي ليفيناس في حوار نقدي مع النظرة إلى الآخر (سؤال الغيرية) عند كل من عمالقة الفلاسفة هوسرل، هايدغر، وسارتر، مؤكدا أن الآخر، أو وجه الآخر يظل أصل المعنى ومآله في آن.

وللتعريف بفيلسوف الغيرية ليفيناس يكتب رشيد بوطيب “المكتبة العربية تجهل ليفيناس، فيلسوف الغيرية بامتياز. ليفيناس، صوت الآخر في الفلسفة الغربية، الذي فقد كلّ أسرته خلال الحكم النازي لشرق أوروبا، وبالضبط لبلده الأصلي ليتوانيا، صوت مختلف ومغاير. جاءت كتاباته لتندد بالعقل كسياسة توسعية وبالحرية كنزعة إرهابية ترفض غيرية الآخر المطلقة، تختزله في معنى، تشكله بحسب نموذجها، تسيطر عليه”.

ويتابع بوطيب “من منا يذكر كلمات ليفيناس عقب مذبحة صبرا وشاتيلا “الإنسان أكثر قداسة من كل أرض مقدّسة”. جاءت فلسفة ليفيناس أو أخلاقه كفلسفة أولى -أخلاق الأخلاق كما يسميها لأنها لا تبغي بناء قواعد أخلاقية- تفكيكاً للتقليد الأنوي للفلسفة الظاهراتية من جهة، ولأنطولوجيا هايدغر بعمائها الأخلاقي من جهة ثانية”.

12