"فتنة الإتاوة" تضع الحكومة التونسية على حبل مشدود

الجمعة 2015/02/13
أحداث الجنوب رسالة للحكومة الجديدة بأن عملها يجب أن ينطلق من الداخل

تونس - سقوط الشاب صابر مليان قتيلا في احتجاجات هي الأولى من نوعها من حيث الضراوة وحدّة تبادل العنف تشكل، في جانب رئيسي، علامة فارقة وضوءا أحمر أمام حكومة جديدة لتتفرغ للمناطق الحدودية التي تم تهميشها على مدى سنوات، أما الجانب الآخر من الحكاية فهو مجموعة طويلة من الأسئلة: لماذا في هذا التوقيت بالذات تقوم احتجاجات شديدة في وجه حكومة لم يدخل وزراؤها مكاتبهم بعد؟ ولماذا تمت مهاجمة مراكز الأمن رغم أن الاحتجاج كان هدفه اقتصاديا تنمويا بالأساس؟

ما يجمع عليه المتابعون هو أن الحكومات قبل ثورة 14 يناير 2011، وبعدها، لم تصغ لهذا الحراك ولم تعره الاهتمام الكافي. ويشير الخبراء إلى أن سياسة التمييز بين الجهات ترسّخت منذ أول حكومة تشكّلت في تونس بعد الاستقلال، حيث أولى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة اهتماما واضحا بمنطقة الساحل، وخاصة مدينة المنستير، مسقط رأسه، على حساب المحافظات الأخرى.

وظل هذا التفاوت الموروث من فترة حكم الحبيب بورقيبة (1956 – 1987) يتعمق طيلة حكم زين العابدين بن علي (1987 – 2011)، ثم جاءت حكومتا الترويكا وكان من بين أسباب سقوطهما الفشل في إدارة ملف التنمية والجهات، وتواصل الأمر مع حكومة مهدي جمعة التي فرضت جملة من الضرائب، ومن بينها إتاوة على جميع المسافرين الأجانب تتمثل في شراء طابع جبائي عند دخول التراب التونسي. وتم تطبيق هذا الإجراء على الجميع بمَن في ذلك الليبيون. وهو ما أقلق الليبيين وجعلهم يردون بالمثل على التونسيين العابرين إلى ليبيا. هذا الإجراء الليبي لم يتحمله التونسيون في ذهيبة ومن هناك انطلقت شرارة الاحتجاج.

ويعتبر الخبراء أن راوسب الماضي وتراكماته هي التي أدّت إلى انفجار الوضع مع بداية عمل الحكومة الجديدة، وما حدث في مدينة ذهيبة جاء ليكون رسالة واضحة لها بأن عملها يجب أن ينطلق من الداخل.

ولا ينفي ياسين إبراهيم، وزير التنمية والاستثمار التونسي، ذلك إذ قال في تصريح لـ”العرب”، إن لتونس رؤية متكاملة لإنشاء منطقة حدودية تجارية وسوق حرة بين مختلف الدول في المغرب العربي.

ياسين إبراهيم: تحقيق مطالب المحتجين يتطلّب استقرار ليبيا

وأضاف إبراهيم أن زيارته إلى محافظة تطاوين مكنته من الاطلاع جيدا على ظروف العيش ومطالب متساكني الجهة لكن تحقيق هذه المطالب يتطلب استقرار ليبيا في أقرب الآجال واتفاق دول الجوار على خطة عمل متكاملة. وأوضح إبراهيم أن الحل لا يكمن في استعمال القوة أو مزيد توتير الأجواء رغم المطالب الملحة، كما أكد على ضرورة إقرار تشجيعات على مستوى الاداءات من طرف الحكومة.

تعليقا على ما حدث من مواجهات، قال العميد مختار بن نصر، رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، إن الاحتجاجات بقدر ما هي قانونية ومسموح بها كحقوق دستورية فإنها تصبح خطرا أمنيا كبيرا إذا ما انزلقت نحو العنف مثلما حدث في ذهيبة من ولاية تطاوين عندما أقدم المحتجون على حرق مركز أمني تابع للحرس التونسي وهو المركز الوحيد في منطقة حدودية مهمة تربط تونس بليبيا.

واستخلص بن نصر من ذلك وجود أطراف لها غايات تتجاوز موضوع الإتاوة التي فرضت منذ مدة، وهي لا تريد الاستقرار لتونس؛ وهناك أطراف قد تكون حزبية أو مسلحة اندست وسط الغاضبين لتنفيذ أجندات تهدد أمن تونس.

وكشف العميد بن نصر أن حكومة الحبيب الصيد عقدت فور وقوع الأحداث اجتماعا خرجت من خلاله بقرارات مهمة أولها طرح مسألة رفع الإتاوة التي تم تسليطها على المسافرين من تونس إلى ليبيا إلى جانب إرسال خلية أزمة للإطلاع على حقيقة الوضع ودراسة فرضيات الحلول بشكل جيد.

وشدّد في ذات السياق على أن هذا الإشكال تعيشه كل المناطق الحدودية في الشمال والجنوب وأن الحلول تتطلب عقودا من العمل مثلما كان التهميش لمدة عقود.

من جهته، شدّد الحقوقي مصطفى عبدالكبير، الذي أدار مفاوضات عديدة مع الجهات الليبية حول ملفات معقدة، أن الحلول تتطلب سنوات متواصلة من العمل ومخططين للتنمية أحدهما قريب الأجل والثاني بعيد المدى، وكشف عبدالكبير أن البُعد السياسي للموضوع قائم ويعود أساسا، حسب رأيه، إلى غياب التمثيل الدبلوماسي التونسي في ليبيا وفقدان أي علاقة أو معرفة دقيقة بما يجري داخل ليبيا على حد تعبيره.

7