فتنة الجريمة

في قاعات السينما، يصفق الجمهور لمن يتفنن في قتل واحد أو أكثر من أفراد عائلته، أو صديق من أصدقائه.
الثلاثاء 2019/04/09
المجرمون.. بين الانتقام والعقاب

في حوار أجراه معه الصحافي هوبرت فيخت، روى جان جينيه صاحب الروائع التي كتبها في السجن، أنه كان شاهدا على جريمة قتل. حدث ذلك في أحد المقاهي الشعبية بباريس بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد قام شاب جزائري كان في حوالي الرابعة والعشرين من عمره بقتل فرنسي بطعنات سكين بعد أن خسر في لعبة من ألعاب الورق. ويصف جينيه تلك الجريمة بأنها كانت “فعلا جميلا” بالنسبة إليه، لأنها قد تكون عبرت عن تمرّد سكن الشاب الجزائري لفترة طويلة. بل قد تكون مهدت لثورة الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي.

وبعد ذلك، عبر جان جينيه عن ابتهاجه عندما قامت منظمة “بادر ماينهوف” الألمانية ذات الميول الماركسية بقتل رئيس الأعراف في فرانكفورت عام 1978، معتبرا تلك الجريمة فعلا مشروعا ضد “نفاق وغطرسة البورجوازية التي تتشدق بالديمقراطية، والحرية، وتمارس العنف ضد المناهضين لها”.

وفي رواية “الغريب” لألبير كامو، يشعر الشاب الفرنسي مارسو بالغبطة والارتياح بعد أن أفرغ عدة رصاصات في جسد جزائري تخاصم معه على الشاطئ في يوم صيفي لاهب. وأمام المحكمة لم يظهر أي ندم على ما فعل، بل كان يزداد اقتناعا بأن جريمته كانت فعلا “رائعا” أعاد إليه الثقة بنفسه وبقدراته على الانتقام من الذين يسعون إلى الحطّ من قيمته.

وفي معتقلات سيبيريا حيث أمضى 8 سنوات، تعرّف فيودور دوستويفسكي على عتاة اللصوص المجرمين. واحد منهم كان قد قتل بـ”دم بارد” أطفالا وشيوخا. مع ذلك لم يكن يشعر بأي تبكيت للضمير. بل كان “يفاخر بقوته الخارقة، وله زهو ووعي بهذه القوة”.

 ومن المؤكد أن أجواء الجريمة في معتقلات سيبيريا هي التي أوحت لدوستويفسكي بكتابة روايته الشهيرة “الجريمة والعقاب”. وفي هذه الرواية، يقوم راسكولنيكوف بقتل عجوز وخادمتها من دون أيّ تردد، معتقدا أن تلك الجريمة الشنيعة قد تنهي الفقر المدقع الذي يتقاسمه مع والدته وأخته. بل إنه يشعر في لحظة ما بأن قتله للعجوز ولخادمتها قد يجعل منه “بطلا”، يتحدث عنه الناس في بلاد روسيا المترامية الأطراف، إذ أن جل “الأبطال” في التاريخ، وفي جميع الأمم والعهود، حكموا وهم متربعون على جثث قتلاهم وضحاياهم الذين يعدون بالآلاف.

ولم يكتف بنو العباس بإسقاط حكم الأمويين، وتشريدهم، وقتل المئات منهم لقطع نسلهم، بل أخرجوا موتاهم من القبور ووضعوا عليها الأنطاع ليقيموا فوقها مأدبة فاخرة احتفاء بانتصارهم العظيم.

وفي قاعات السينما، يصفق الجمهور لمن يتفنن في قتل واحد أو أكثر من أفراد عائلته، أو صديق من أصدقائه. وكم كان رائعا شارل برونسون في فيلم “حدث ذات مرة في الغرب” عندما يقتل على أنغام الهارمونيكا هنري فوندا الذي قتل أخاه، أو عندما يصرع برصاصات مسدسه أربعة رجال دفعة واحدة قائلا لهم “أرى خيولا أربعة تمضي في الخلاء من دون فرسانها”.

وفي فيلم “الذين لا يرتشون” (The Untouchables) لبريان دو بالما، يبكي روبرت دو نيرو الذي يلعب دور ألكابون، زعيم المافيا، من فرط السعادة عندما ينحني عليه أحد أعوانه وهو في مسرح الأوبرا الفاخر في شيكاغو ليعلمه بقتل شين كونري الذي يلعب دور أحد رجال الشرطة الكبار الذين كانوا يلاحقونه، ويجمعون الأدلة الدامغة لمقاضاته.

وبعد أن يهوي العميل الروسي بالفأس على رأس ليون تروتسكي في منفاه في المكسيك، تستبدّ به نشوة عارمة، ناظرا إلى الدم وهو يلطخ الوسادة والأوراق وبدلة الزعيم المقتول، وهو يشعر بأن تلك اللحظة التي طالما انتظرها هي التاريخ برمته؛ أي بماضيه وحاضره ومستقبله.

14