فتنة الصوت المفقودة

الثلاثاء 2013/11/19

خلال دقائق معدودات كان عبد الحليم حافظ خلالها يسحر الأصدقاء الجالسين معي بصوته وأدائه، وكانوا يشاهدونه لأول مرة على الشاشة -في إيران- بينما كان العندليب الأسمر يتسلم ما يقدمه معجبوه وعشاقه من هدايا أثناء الأغنية الطويلة الرائعة، ويمسك القاعة والعازفين والحضور بيده، ويسيطر على عقولهم وقلوبهم، وهنا ما أريد أن أقول؛ ذلك الحضور الطاغي للموسيقى والطرب في الروح، ما لم أعشه ولم أشاهده حضوريا لكني أتوق له، ويبقى كحسرة كبيرة فيّ وسؤال: لماذا لم أعش عصرا ذهبيا للموسيقى والطرب والصوت؟

أصرف النظر عن الحديث عما نعيشه ونراه كل يوم على الشاشات من مشاهد محزنة، وأتحدث عن شوق فقط لمثل ذلك العصر الساحر الذي يطل عليّ باللونين الأسود والأبيض ويحمل كل مقومات الإعجاز البصري والسمعي والحسي، ثم كثافة المطربين فيه والأغرب أن غالبيتهم كانوا من الطراز الأول صوتا ولحنا وأداء.

وهناك جرى الحديث عن العصر الذهبي للموسيقى في إيران، حيث كانت النساء يخلعن ما لديهن من أساور وعقود ويلقينها نحو "قمر الملوك"، حين كان يشتدّ شغف الحضور بالطرب وهي تغني. و"قمر الملوك" هي أول مطربة إيرانية غنت بحضور الرجال، عاشت وغنت في بدايات القرن الماضي، وتعتبر أشهر وجه نسائي في الطرب الإيراني.

وحسبما يروي الذين شاهدوا أو بحثوا في الموسيقى فلقد تكرر هذا المشهد خلال حفلات للمطرب الإيراني محمد رضا شجريان في السبعينيات، وحفلات لمطربات ومطربين آخرين، ولا شك أن الوضع كان كذلك عند العرب، بل ربما أشدّ حبا وحرارة.

ماذا حلّ بتلك المشاهد والمشاعر والأصوات وذلك الوله الهائل للصوت؟ لإعجاز الحناجر والنغمات؟ للراديو الذي كان حاضرا في جميع البيوت والمحلات والحوانيت؟ لفتنة الصوت وأنسه وقربه من القلوب؟ لتلك الكلمات والأغاني التي ما زالت تردّد في السهرات؟ وحسبما لاحظت في إيران وفي البلدان العربية، الأغاني التي يرددها الأحبة في مجالس أنسهم تتعلق بذلك الزمن، زمن حكم الأغنية الأصيلة.. وماذا يمكننا الآن أن نردده من أغاني هذا الوقت؟ ماذا سيبقى من هذه الأغاني فيما بعد؟ ماذا سيردد أطفالنا حين يسهرون، وأيّ أغان سيستمعون إليها من أغاني عصرنا كي تسكب حبة الخلود في نبيذ لياليهم؟ لا شك أن هناك بعض الأصوات والألحان والنغمات التي أعتبرها بريق أمل وسط هذا الحرمان، لكن أين تلك الزحمة الجمالية وكثافة الفن؟ إلى أين تعود الأسباب؟ عانى العالم من حروب ضارية آنذاك، كما نعاني اليوم من الحروب والإرهاب وسلطة التزمت دينيا وسياسيا؟ هل هذه السياسات والأنظمة والمؤسسات الدينية والسياسية بلغت ذروتها في السيطرة على مناطق الجمال في هذه الأيام التي أعيشها، لتبعد عنا متعة الصوت والرقص والطرب؟ الأيام التي كنت أحب أن أقضيها في عالم آخر مليئ بالابتسامات والحب، فيه يلمع ذهب الحناجر وفضة الجسد..

ليست أمنية كبيرة أن أتوق لحضور حفلة طرب، يسحرني فيه المطرب أو المطربة، ويشتدّ بي الوجد وألقي نحوه/ها ما لديّ من حليّ.. أمنية ليتها تتحقق!


شاعرة ومترجمة من إيران

14