فتنة الكلمات

الأحد 2014/02/02

آخر مرَّة سئلت فيها حول مسألة في الشعر كان سؤالا يتعلق بالقاموس اللغويِّ للشاعر. بداية لم يبد لي السؤال مريحاً فكيف لشاعر أن يمدِّدَ قصيدته على مشرحة ويحصي أعضاءها؟ لم يبد لي مغرياً أن يتكلم شاعر بطريقة عالمة على قاموسه اللغوي، على مفرداته التي يؤْثِر، وتلك التي يمكن له أن يهمل أو يستبعد، مادامت العلاقة مع الكلمات لشاعر متغيرة، باستمرار، وعامرة بالمفاجآتِ كاسرةِ القواعد. ومع ذلك من المثير لشاعر أن يعود، في مرات، ليستكشف قاموسه من الكلمات.


***


مع كل تجربة فريدة، في العلاقة مع الكلمات، يوسِّع الشاعر في اللغة، وعبر اللغة، لابتكارٍ في الشعر من علاماته صورٌ وتراكيبُ مفاجئة. كل علاقة جديدة للشاعر مع الكلمات إيذان بولادة جديدة لمفردات قرأناها مراراً، وها نحن نقرأها كما لو كنا نفعل للمرة الأولى. وإذا كانت الكتابة مصهراً للغة، فإن الشعر لا يقوم إلا على غسل الكلمات. بعد ذلك يمكن القول إن ما قد يؤثِره شاعر من مفردات اللغة في قصيدة، لسوف يؤثره سواه في قصيدة غيرها. وما قد يستبعده في قصيدة، قد يتوهج في أخرى. وما كان ينبغي أن يهجر من الكلام، لكونه لا ينفع أبداً في وقت، أو مقام، لسوف يتحول في وقت آخر إلى ضرورة قصوى. فللمفردة حالات وإمكانات وحيوات شتى، تشع تحت نظر الشاعر، كما حجر الكريستال. إن حساسية الشعراء نحو مفردات اللغة يكتنفها الغموض، فكيف بالآثار الشعرية نفسها، التي ليس من شأنها أن تكشف أسرار عمل الشاعر في اللغة، بمقدار ما تضاعف منها. وعليه ليس ثمة كلام واحد يقال، ولا حتى في تجربة شاعر واحد، فكيف بتجارب شعراء لكل منهم ميل، وإيثار، وطريقة، تاريخ شخصي مع اللغة. ثمة أسرار في طبيعة الدوافع والاستعدادات التي تتسبب لشاعرٍ في تَرْكٍ وأَخْذٍ من القاموس. والأهم، باستمرار، ليس فقط طبيعة العلاقة مع اللغة، أهي فاتنة، أهي مبدعة، وإنما الكيفية التي تتجلى فيها هذه العلاقة.


***


بأية أدوات يفرك الشاعر حجارة اللغة ليبني قصيدته، بأية راحة يخطف ماء اللغة وضوءها ليختطف الوجود؟ بأية نار يصهر، وبأية أدوات يسقي فولاذ اللغة، ليفوز بالشعر؟ بأية فتنة يقبل على الكلمات؟ ذلك، على الأرجح، ورغم العلم المبين في صنعة الشعر، سرّ الأسرار، وهو سرّ أنطولوجي. وما مقاربات النقاد الذين يقرأون الشعر، سوى حذاقةِ أهل منطقٍ يأتي خارجا ويقصد اللباب، يكسر السطح ويريد أن يغوص، ليلمس أثراً لغزه أنه هبة المغامرة، لشاعرٍ شطح بعيدا مع اللغة في خروجٍ على منطقٍ قرّ وصار عرفاً وتقليداً في الشعر، وقبلاً في التجربة، ولكنه الآن كيان في قصيدة. بإزاء حدث كهذا لا يمكن لقراءة تستعير التاريخ والفلسفة وعلم اللغة أن تخترق باسلحتها فيزياء التمرُّدَ على كل علم، في قصيدة كل ما يمنحه حبل سرتها المقصوص أن ليس فيها من العلم إلا اللغز، ومن الخبر غير الأحجية. فهي الصورة الموهِمة للحلم وقد بات أثراً في كلمات، وشبكة عصيّة من التراكيب المواربة.


***


كل انتخاب للكلمات في كتابة شعرية إفصاح عن استبعاد من نوع ما لمفردات أخرى.

بهذا المعنى، فإن كل إفصاح عن مقول بمثابة صمت ما عن غيره. هنا خطورة في الشعر قلما تُلحظ، قلما تكون موضوعاً للتأمل.


***


في فرادة التجربة تغتسل اللغة ويتحول الكيف، في علاقات مفاجئة، إلى مصدر للطاقة المشعة، للابتكار، فلا يعود الكم، أو ما اعتاد النقاد تسميته "ثراء القاموس اللغوي" أو محدوديته هذا القاموس مصدراً لقيمة الشعر أو لماهية التجربة.

إنما القيمة في العلاقات الخلاقة، في ولادةُ الأجنحة وانهيار قفص اللغة.


***


كتب مالارميه شعره بمفردات قليلة جداً. وكتب مئات غيره ممن أهملهم تاريخ الشعر بقواميس باهظة المفردات. والنتيجة أننا مولعون بمالارميه.


***


بعض قراء شاعر يمتدحون قاموسه اللغوي الوفير. هذه بشرى سارَّة للشاعر، لكن كيف يمكن لشاعر أن يملك فرصة فحص هذا الزعم.

لست أفضل، في أية حال، أن يستدل قراءٌ على قيمة الشعر من حجم القاموس، لكنني متأكد من شيء أظنه مهما، هو الطبيعة الشخصية في العلاقة مع اللغة، وحساسية خاصة نحو الكلمات، من علاماتها ربما إفراط في التأني، وقلق لا يقرّ نحو ما يمكن أن تمنح المفردات من دلالات، وما ترميه من ظلال.


***


"قاموس الشاعر" لابد أن يكون في طريقته، المبنية من مفردات وتراكيب على نحو ما، قنص صور، وتوليد استعارات، بحث في نضارة المفردة، في طاقتها، في علاقات الاشياء بالاشياء، في ضوء الكلمة، في موسيقى الكلام، في ما يكتنه من المفردة، ومايستعصي اكتناهه، وعمل للميول والإيثارات.

قد يكون "الاختيار" و"الاستنساب" في المغامرة مع اللغة كلمتين غريبتين على جموح حالة الشاعر، بينما هو يغامر في المناطق الأخطر من حواسه، ليكتب ذاته ويكتب اللغة على نحو ما. هذا حدس أقرب إلى السؤال.

حاشية ضد اليقين:

في مرات كثيرة أفرح بـ"الانطباعات" الصادرة عن قراءة للقصيدة، يولدها الشعور الحر. لذلك أشعر ببهجة لا مثيل لها عندما أقرأ شعراء يكتبون عن شعراء.

11