فتنة تطبيق الشريعة

الجمعة 2014/05/09

بدأ سلطان بروناي مشروعه بتطبيق أحكام الشريعة (الحدود) في بروناي هذا الشهر. وستطبق أحكام الشريعة الإسلامية تدريجيا في غضون ثلاث سنوات، وتتضمن المرحلة الأولى توقيع عقوبات بالغرامة والسجن. أما أحكام بتر الأطراف ستطبق في المرحلة الثانية، وتطبق عقوبة الإعدام رجما على جرائم الزنا والمثلية الجنسية في المرحلة الثالثة.

السلطان حسن بلقية هو صاحب أكبر وأبذخ قصر في العالم، فغرف نومه تناهز 1700 غرفة مرصعة بالذهب والألماس- وفق تقارير صحافية مصورة- ويمتد هوس السلطان بالذهب إلى الملابس والسيارات والطائرة السلطانية.

التقارير التي تتناول ثروة السلطان وتبذيره لا حدود لها، ومع كل ذلك أطل علينا محاضرا بأن “الحدود التي يصفها الناس بالظلم، يصفها الله بأنها عادلة” و”هي جزء من تاريخنا العظيم”.

الصرخات السلطانية، امتداد للخطاب الذي يسوقه تجار الدين من حكام ووعاظ وجماعات متطرفة. لم تكن الحدود يوما مسألة جوهرية في تاريخ المسلمين، فالثورات التي شهدها المسلمون، بدءا من الخليفة عثمان وليس انتهاء بثورات القرن الراهن، تنوعت محركاتها بين سؤال الشرعية وشكوى الظلم وسوء الأحوال المعيشية.

السبب في غياب سؤال الحدود عن تاريخ المسلمين إلى مرحلة متأخرة، هو أنها مسألة ثانوية في الدين، إذ لم ترد في أركان الإسلام أو أركان الإيمان. الحدود هي معالجة آنية طرحها القرآن في دولة المسلمين الناشئة مساهمة في معالجة مشكلات يومية واجهها مجتمع يتحول من البدائية إلى التحضر.

المساهمة القرآنية- المرتبطة بظرفها التاريخي والاجتماعي- في تنظيم دولة المسلمين هدفت إلى إحقاق العدل والترقي. قبل الإسلام، ارتبطت فكرة القانون بالخرافة (أحكام الكهنة) وبالظلم والتمييز (التفريق بين الغني والفقير، وبين القريب والبعيد، وبين الضعيف والقوي)، لتجيء أحكام الحدود وتقطع دابر ذلك كله. تلك المساهمة الحضارية انتقلت إلى أوروبا بعد ترجمة القرآن الكريم في عصري الأنوار والنهضة لتكرّس مبدأ سيادة القانون، وتنقل القانون الوضعي إلى العدل والمنطق بعد أن غرق في الظلم والخرافة بسبب الاستبداد الديني والزمني.

اليوم، تستخدم الحدود في سياق معاكس لما جاءت من أجله. فالهدف الرئيس من اجتزاء أحكام مرتبطة بظرفها الزمني إلى اللحظة الراهنة، هو قمع الحريات وصرف النظر عن مساوئ المؤسسة الحاكمـة وجرائمهـا. سلطان برونـاي- مثلا- تقدر ثروته بنحو عشرات المليارات من الدولارات وتزيد بمقدار 90 يورو كل ثانية، بفضل اغتصابه لموارد دولتـه النفطيـة، يفرض القيود القمعية على صحافة بلاده وإعلامها، ويطالب شعبه- الذي يعيش أغلبه تحت وطأة الديون- بالتقشف في نفس العام الذي يكلف فيه شركة رولز رويس بصناعة سيارة خاصة لابنه تدمج- تصميما ومزايا- بين البورش والرولز، إضافة إلى تزيين دورات المياه في قصره- وفق تقارير مصورة- بالذهب والألماس!

بروناي ليست أول دولة تطبق الحدود، ومن سبقتها من الدول لم تخرج عن تصنيف الأعلى فسادا واستبدادا وتخلفا وتطرفا وانتهاكا لحقوق الإنسان وحقوق المرأة. باسم الشريعة، اغتصب النظام الإيراني معارضيه في السجون، وأدخل النظام الطالباني أفغانستان في لعنة لم تتحرر منها إلى اليوم، وأشعل جعفر النميري بلاده بمأساة تفاقمت تدريجيا عبر عقود حتى قضت على السودان، ولا تختلف الصورة مع المحاكم الشرعية في الصومال ولا مع جماعة بوكو حرام في مجاهل أفريقيا.

قد يأتي من يقول وما ذنب الحدود والشريعة؟ الذنب أن منظومتها الثقافية والفكرية (الإسلام السياسي) لا تنتمي إلى هذا الزمن، هي بدائية جدا قياسا إلى ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية، ونتيجتها معروفة وكارثية، وبالتالي فإن تطبيقها اليوم هو الظلم والجنون.

لا أحد يعترض على معاقبة السارق، لكن الاعتراض على قطع يد من سرق تسع دجاجات وترك من نهب عشرات الملايين من المال العام بذريعة أن الفقهاء لا يرون ضرورة في إقامة الحد عليه، كما أن تحويل بعض أحكام الشريعة إلى قوانين تساهم في الاعتداء على الحريات الخاصة، والحرية تعلو على الدين.

لا توجد دولة واحدة انتمت إلى الإسلام السياسي وحققت تداولا للسلطة إلا بالموت، أو فرق حكامها بين المال العام والخاص إلا في ديون الدولة، أو قدمت نموذجا يحتذى في الحريات العامة والخاصة باستثناء حرية الحاكم وحاشيته وزبانيته، بل إن الدول التي تطبق الحدود يفرق فيها- تنفيذا- بين القوي والضعيف، وبين الغني والفقير، يترك الطاغية ويعاقب المواطن إذا رفض الظلم.

هل سيجلد سلطان بروناي ابنه- أو أحد أفراد حاشيته- إذا شرب الخمر أو زنى؟ هل سيعيد المال العام إلى أهله؟ لن يفعل، لكن نظامه سيتربص بالمواطن المسكين، فأية شريعة تلك؟

قبل فصـل الشريعـة عن الدولـة، المسلمون في حاجة إلى فصل الدين (الجوهر المتمثل في الإيمان والأخلاق) عن الشريعة (الشكل الذي نتج عن احتكاك الجوهر بالظرف التاريخي والاجتماعي والثقافي للرسالة). الإسلام السياسي- خطابا ومشروعا- يلتصق بالشكل، بقدر ابتعاده عن الدين.

لذلك، فكل الدول التي اعتنقت الإسلام السياسي انتصرت فيها النخبة الحاكمة ومني الإسلام بكل هزيمة وخسارة. العدل لا يبرر، لذلك يلجأ الظالم إلى الشريعة لتبرير ظلمه وإدامة غلبته وتعطيل دعوات الإصلاح والمحاسبة.

الشريعة الإسلامية لا تستطيع أن تبني دولة، والحدود لا تستطيع أن تقدم قانونا متكاملا للعقوبات أو لغيره، فالسعودية- مثلا- التي تظن أنها تطبق الإسلام، كل أنظمتها بدءا من النظام الأساسي للحكم وليس انتهاء بنظام المرور تنتمي إلى القانون الوضعي.

الإسلام دين فرد لا دولة فيه وليس دين جماعة مرتبطة بدولة، والجدل حول هذه الحقائق مضيعة للجهد والوقت.

مشكلة المسلمين اليوم ليست في تطبيق الشريعة، إنما في إدارة شؤونهم العامة، وحديث بعض السياسيين وجماعات الإسلام السياسي عن تطبيق الشريعة يذكرني بمقولة حكيم: “لا تخف من المسجد الذي يلعنه الفسقة، بل خف من المسجد الذي يدافع عنه الفجار”.


صحافي سعودي

9