فتوى رد عنف الزوج تحوّل البيوت إلى حلبات مصارعة

بينما تتزايد الدعاوى في العديد من الدول العربية للحد من عنف الرجل ضد المرأة، خرجت فتاوى مثيرة تقر بحق الزوجة الشرعي في الرد على عنف زوجها بمثله لتنقلب الأمور رأسا على عقب.
السبت 2015/06/20
هل يجوز للمرأة أن تبادل زوجها العنف باعتباره دفاعا عن النفس

نشرت العديد من الصحف المحلية والمواقع الإلكترونية في الأيام الماضية رأيا شرعيا للدكتور محمد أبو عاصي، عميد كلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر قال فيه “إذا مارس الزوج العنف الجسدي ضد زوجته، ووجدت أن السبيل الوحيد للدفاع عن نفسها أن تبادله العنف، فإن ذلك يجوز لها في الشريعة الإسلامية باعتباره دفاعا عن النفس”.

الفتوى أثارت جدلا واسعا، وطرحت العديد من الإشكاليات عن غياب المودة والرحمة بين الأزواج، وكيف يمكن أن تتخلى المرأة عن المشاعر المرهفة والأنوثة وهي أهم ما يميزها لتنازل الرجل في ميدان يتفوق عليها فيه، وهل يؤدي تطبيق الفتوى إلى تحويل المنازل إلى حلبات للمصارعة؟

لكن المثير أنها لم تكن الأولى من نوعها فقد سبقتها أخرى مماثلة لها لعالم الدين السعودي عبدالمحسن العبيكان عام 2008 قال فيها “إذا بادر الزوج بضرب زوجته يحق للمرأة الدفاع عن نفسها واستخدام نفس وسيلة العنف لرد الضرر عنها”.

تبقى الفتويان المصرية والسعودية أكثر تعقلا من فتوى القيادي الإسلامي التركي فتح الله كولن، الذي أعلن أنه لو لم تدافع المرأة عن نفسها وترد ضرب زوجها لها، فإنها ترتكب جريمة في حق نفسها، وعلى من يضربها زوجها أن تتعلم رياضات الدفاع عن نفسها، كالكاراتيه والجيدو والتايكوندو، حتى إذا لطمها زوجها لطمة، يحق لها أن تلطمه لطمتين، باعتبار أن ذلك دفاعا مشروعا عن النفس.

31 بالمئة من الزوجات يمارسن العنف ضد أزواجهن، وهي ممارسة تحولت إلى ظاهرة

اتفاقا مع هذا الرأي، أشاد حمدي المغربي (مدرس أزهري) بالفتوى، بسبب عدم رأفة بعض الأزواج بزوجاتهم، مدافعا عن الآثار السلبية المترتبة على ذلك، معتبرا أن الزوج هو رب السفينة التي تحمل الأسرة ويجب عليه مراعاة تصرفاته، ولا يعقل إقرار ضرب الزوج لزوجته أمام أبنائها، وحرمانها من الدفاع عن نفسها، فالإسلام منعه من مخاصمتها أمام الأبناء، فكيف يليق به أن يضربها؟

على جانب آخر، أكد الدكتور عبدالمنعم فؤاد (عميد كلية الدراسات الإسلامية للوافدين بجامعة الأزهر) لـ“العرب” أنه لم يسمع بهذا النوع من الفتاوى، أما قضية أن الإسلام أجاز للمرأة ضرب زوجها، فذلك لم يرد في القرآن أو السنة، وإنما عليها إذا ضاقت بعنف الزوج أن تقوم بشكواه إلى الحكماء في أسرتيهما ووضع حد لذلك، وإذا توقفت الحلول تلجأ إلى المحاكم.

ويستنكر الدكتور عبدالمنعم تسليط الأضواء على مثل تلك الفتاوى التي لا تعبر عن روح الإسلام وسماحته، موضحا أن البيت المسلم مبني على أعمدة أساسية وهي المودة والرحمة. وإذا غابت المودة والرحمة انقلب البيت إلى جحيم.

وأضاف فؤاد: هذا السلوك خلل يهدد كيان الأسرة وضياع الأبناء، فلا يمكن أن يستمر زواج يكون فيه العدوان الجسدي هو سيد الموقف، وإذا حدث وتجاوز الزوج وخالف أحكام الشرع بضرب زوجته ضربا مبرحا، فقد انتقل بذلك من الشريعة الإسلامية إلى شريعة الغاب.

لا يجوز شرعا للمرأة أن تضرب زوجها لأنها بذلك تفقده القوامة التي هي حق الزوج على زوجته، وهي وجهة نظر يقولها عماد رمضان (باحث في أصول الفقه) لـ”العرب”.

مضيفا أن هذه الفتوى قد تكون سببا في هدم كثير من المنازل، لأنه في الغالب الأعم لن يقبل رجل أن يعاشر امرأة مدت يدها عليه، سواء أكانت ظالمة أو مظلومة، وبالتالي ستكون النتيجة زيادة عدد المطلقات.

وشدد على ضرورة انتفاء مسألة الندية في العلاقة الزوجية، لأنها مسؤولة عن تكوين أسرة وليست مجرد علاقة عابرة بين رجل وامرأة، وتبادل العنف لا يورث إلا الفتن ويمكن أن يقلب البيت إلى حلبة لمصارعة “الثيران”، الأبناء فيها هم الخاسرون. وعلى الرغم من رفض بعض رجال الدين هذا النوع من الفتاوى، إلا أن دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية في مصر، كشفت تنامي عنف الزوجات تجاه أزواجهن بالفعل.

الفتوى أثارت جدلا واسعا، وطرحت العديد من الإشكاليات عن غياب المودة والرحمة بين الأزواج

وأكدت الدراسة أن نحو 31 بالمئة من الزوجات يمارسن العنف ضد أزواجهن، وهي ممارسة تحولت إلى ظاهرة منتشرة في الأحياء الراقية بالمدن، بينما تتراجع في الأرياف والصعيد. نتائج الدراسة أيدها تقرير أعدته منظمة حقوق الإنسان كشف عن ارتفاع نسبة القضايا التي يرفعها الأزواج ضد زوجاتهم واتهامهن بإحداث إصابات مختلفة لهم.

وأرجع علماء النفس والاجتماع سبب تنامي عنف المرأة ضد الرجل في السنوات الأخيرة إلى التفوق الأنثوي الملحوظ في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينما تعرضت الشخصية الذكورية للكثير من التآكل والضعف والتراجع.

كذلك فإن الاستقلال المادي لبعض النساء أعطاهن شعورا بالندية والمنافسة للرجل، كما قالت لـ”العرب” هناء كمال (باحثة اجتماعية). وهو ما جعل المرأة ترفض وصاية زوجها عليها، وترفض أن تكون له ميزة إضافية، الأمر الذي يحولها بمرور الوقت إلى زوجة متسلطة تملك دفة قيادة الحياة الأسرية، وبالتالي تصلح أي اعوجاج في البيت بما فيه اعوجاج الزوج، ولا تجد غضاضة في ضربه، وهو يتقبل ذلك لأنه لا يستطيع الاستغناء عنها وعن حمايتها له، فالمصالح المتبادلة والاحتياجات تبقي على الزواج.

وأيد أحمد عادل (ناشط حقوقي) الفتوى، معتبرا أنها تسير في خط “انفراج الفتاوى” الذي تشهده مصر في قضايا النساء. فدفاع المرأة عن نفسها في حالة الاعتداء عليها من قبل زوجها لا يحتاج إلى فتوى، لأنه أمر طبيعي أن يدافع الإنسان عن نفسه عندما يحاول أحد الاعتداء عليه، فالمرأة والرجل متساويان في الحقوق والواجبات لقول الله تعالى «ولهن مثل الذي عليهن».

21