"فتوى" ومشكلة السرد السينمائي

معالجة موضوع التطرف الإسلامي وجماعات العنف التكفيرية التي يناقشها الفيلم، تغري الكثير من السينمائيين العرب بتقديم خطاب مناهض مباشر يهمل كثيرا خصوصية الفيلم السينمائي الذي يختلف تماما عن المقال وعن التحقيق الصحافي.
الأربعاء 2018/12/12
لقطة من الفيلم

فوجئت كثيرا بالمستوى الفني المتواضع للفيلم التونسي (من التمويل البلجيكي) “فتوى” للمخرج المخضرم محمود بن محمود المعروف بلغته السينمائية الرفيعة في أفلامه السابقة، وهذا فيلمه الروائي الطويل السادس، وكان يفترض بعد ست سنوات من الغياب، أن يكون بن محمود قد قطع شوطا أبعد في مسيرته الفنية من حيث الطموح السينمائي، إلاّ أن المحصلة النهائية كما بدت على الشاشة، جاءت مخيبة للآمال بل ومحبطة.

المشكلة الأولى تتمثل في أن معالجة موضوع التطرف الإسلامي وجماعات العنف التكفيرية التي يناقشها الفيلم، تغري الكثير من السينمائيين العرب بتقديم خطاب مناهض مباشر يهمل كثيرا خصوصية الفيلم السينمائي الذي يختلف تماما عن المقال وعن التحقيق الصحافي وعن الخطبة الإذاعية.

نحن نتابع بحث أب ملتاع جراء مصرع ابنه، في ما يقال إنه حادث مروري في تونس، لكنه يشك في الرواية الرسمية ويسعى لمعرفة الحقيقة فيزداد شكه في أن وراء مصرع ابنه الجماعة المتطرفة التي التحق بها الابن بعد أن تخلى عن دراسته وهجر منزل أسرته.

وبدلا من الاهتمام بالنسق السردي أو “البناء السينمائي”، أي مسار وتدرج البحث والكشف التدريجي عن الحقائق من خلال أدوات السينما الحديثة، يأتي الفيلم أقرب إلى المنشور الدعائي المضاد الذي يمتلئ بالمباشرة والخطابة والشعارات والحوارات الطويلة المرهقة، بل إن الكشف عما يمكن أن يكون قد وقع للابن، يتم عن طريق الحكي، أي عبر ما ترويه الشخصيات المختلفة التي يقابلها الأب، ليحاول معرفة الحقيقة منها.

تستطيع بكل أسف أن تغمض عينيك وتسترخي في مقعدك وتكتفي بالاستماع إلى الحوار لتعرف كل تفاصيل الفيلم، فهي تتداعى على ألسنة الشخصيات المختلفة النمطية المقولبة، مثل الأم التقدمية التي أصدرت كتابا مناهضا لفكر الجماعات، وهي تريد من زوجها الذي عاد من فرنسا بعد مصرع ابنه الوحيد، أن يقرأه.

كان يمكن أن يستخدم محمود بن محمود أسلوبا أكثر ثراء في سرد موضوع الفيلم، باستخدام الصور، أي الاستعانة بالصور بديلا عما يرويه الأشخاص الكثيرون الذين يقابلهم الأب خلال بحثه عن الحقيقة، أو حتى يستخدمها كخلفية بصرية لما نسمعه على شريط الصوت من حكايات.

إلاّ أنه آثر اللجوء إلى الشكل المباشر في الحكي، أي الانتقال من قصة إلى أخرى عن طريق الحوار الطويل المرهق، بل إن العقدة كلها تنكشف ويصل الأب إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها في نهاية الفيلم، من خلال ما ترويه له “لطيفة” زوجة أمير الجماعة التي تفر من زوجها وتلجأ إلى بيت الأب، ثم تعترف له بما وقع لابنه فتخبره بأنه قُتل على أيدي أفراد الجماعة بسبب تمرده عليها ورغبته في الخروج عن التنظيم بعد أن أصدر “فتوى” بقتل أمه المناهضة للجماعة، والتي لا تكف عن شن الحملات عليها وكشف ما تبثه من سموم في عقول الشباب.

لا شك أن موضوع جماعات التطرف الإسلامي هو موضوع الساعة في تونس وغيرها من بلدان المنطقة، ولا شك أن حصول فيلم “فتوى” على الجائزة الذهبية في مهرجان قرطاج ثم جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة، رغم مستواه الفني المتواضع قياسا حتى إلى أفلام مخرجه السابقة، انحياز واضح لمضمون الفيلم ورسالته السياسية المباشرة، وليس لجمالياته السينمائية، فمن الناحية السينمائية يعاني الفيلم من الفقر في الصورة، ومن استخدام أدوات السينما العتيقة وأولاها أسلوب السرد المباشر والنمطية، وهي نفس الآفة التي تعاني منها أفلام ظهرت عن الموضوع نفسه، أي موضوع بحث أب أو أم عن مصير ابنهما الذي التحق بجماعات التطرف الإسلامي، مثل “ولدي” لمحمد بن عطية، و”زهرة حلب” لرضا الباهي، من تونس، و”الطريق إلى إسطنبول” للمخرج الجزائري رشيد بوشارب.

ويظل أفضل أفلام هذه النوعية الفيلم الدنماركي “ليلى م” (سبق أن كتبنا عنه في “العرب”)، فهو مثال شديد القوة والتوازن، من السينما الحديثة.. أمام من يريد أن يتعلم ويفهم!

16