فتيات جمعيات الأيتام صالحات للزواج أيضا

مجرد اعتبار هذا الزواج حدثا والمبالغة في تداوله والتعليق عليه واعتباره استثناء يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع التونسي ما زال ينظر نظرة تمييزية إلى أطفال قرى الأيتام.
الأربعاء 2019/08/21
ليس استثناء

زفت الجمعية التونسية لقرى أطفال “أس.أو.أس” ممثلة في فرعها بمدينة المحرص في الجنوب التونسي إحدى بناتها عروسا لشاب من خارج القرية. وتداولت وسائل الإعلام المحلية وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة الخبر وصور حفل الزفاف.

بدا الأمر وكأنه فرح عمومي أي لكل مواطن تونسي الحق في المشاركة والتعليق.

معظم التعليقات هنأت العروسين وعبرت عن إعجابها بالصور وعلق الجميع أيضا عن جمال العروس السمراء وعن لباسها التقليدي كما أثنت عن العريس، بل ركز الكثير من رواد فيسبوك على التعبير عن شكرهم له.

هذا ما يثير الاستغراب وكأنه عمل معروفا على الجميع، لكن لماذا هذا الثناء؟ المسألة ببساطة شاب أحب شابة في عمره تقريبا انخرطا في علاقة عاطفية وتم تتويجها بالزواج. لم الشكر؟ لم يقم الشاب بمعروف أو إحسان على أحد لقد استجاب لعواطفه وحقق هدفه في الارتباط بالفتاة التي أحبها وعرفها.

هناك من ألح على أن يشكر العريس وأمه، لكن لم أمه؟ هل قدمت هي أيضا جميلا أو تضحية من أجل ابنها أو من أجل الفتاة أو من أجل المجتمع؟ هي أم محبة لولدها ربما آمنت أو اضطرت إلى الموافقة على اختيار ابنها لشريكة حياته كحق مكتسب وله فيه كل الحرية.

من يشكرون ويثنون على الزوج وأمه، لا يبطنون نوايا سيئة عموما، لكن من دون وعي ولا قصد يأتون سلوكا تمييزيا ضد العروس الجميلة، وكأنهم يسرّبون إليها الإحساس بأن الشاب الذي تزوجها تنازل عن شيء ما أو أن لديه فضلا هو وأسرته عليها فقط لأنها فتاة ترعرعت في قرية للأيتام!

وعلق أحد رواد فيسبوك على صفحة الجمعية التي نشرت صورة لاستدعاء حفل الزفاف بجانب صورة العروس التي لاقت الإعجاب قائلا “نلقي اللوم على من لا لوم عليه ونعتبر أنه مذنب.. لا أفهم لماذا كل هذا التفاعل مع الخبر وكثرة المشاركة والمبالغة في الاهتمام بهذا الخبر؟ لقد جعلتم هذا الحدث قضية.. الفتاة – ما شاء الله عليها – وإن لم تتزوج هي فمن يتزوج وإن تربت في قرية ‘أس.أو.أس’ فلا ذنب لها في ذلك. من حقها، مثلما هو حق جل النساء، أن تتزوج وتمنح الحنان الذي حرمت منه لزوجها وأبنائها في المستقبل”.

ودعا المدون إلى عدم جعل خبر هذا الزواج قضية من خلال تناول الموضوع ونشر الخبر بكثافة والتعليق عليه وكأنه أمر غريب جدا.. معتبرا أنه لا يمكن تغيير العقليات والعادات والنظرة إلى أطفال قرى الأيتام بمجرد نشر الخبر أو التعليق، مؤكدا أن هذا التغيير لا يمكن أن يحصل إلا عندما ننظر إلى بنات الجمعية كما بقية النساء تماما.

مجرد اعتبار هذا الزواج حدثا والمبالغة في تداوله والتعليق عليه واعتباره استثناء يكشف بما لا يدع مجالا للشك أن المجتمع التونسي بشبابه ونسائه وشيبه ما زال ينظر نظرة دونية وتمييزية إلى الأطفال الذين نشأوا في قرى الأيتام (بالرغم من أن كثيرين منهم ليسوا أيتاما)، وهو ما يفسر اعتبار زواج شاب من خارج الجمعية بفتاة من داخلها حدثا استثنائيا وعملا يستحق الثناء والشكر بالرغم من أن هذه الفتاة قد تكون من بين الأجمل والأفضل أخلاقا وخلقا من بين جيلها وأقرانها.

وإذا نظرنا من الزاوية الإيجابية أو مثلما يقال إلى النصف الممتلئ من الكأس يمكن قراءة الاحتفاء بهذا الزفاف على أنه رغبة في التعبير عن أن أطفال وفتيات قرى الأيتام مواطنون عاديون، يمكنهم الارتباط وتكوين أسرة ويمكنهم أن يعيشوا أنجح قصص الحب أيضا، مثلما يمكنهم أن يكونوا عناصر فاعلة وإيجابية بل لديها الإضافة في مجتمعها من خلال نجاحها في التعليم وحصولها على شهادات تعليم عال وكذلك الحصول على وظائف وأيضا من خلال تكوين أسر متوازنة مثل عامة الناس.

لعل الاحتفاء “العمومي” بهذا الزواج يحمل تعبيرا عن بدايات التغيير وعن توجه المجتمع، الذي عبر عنه السعداء بهذا الخبر، نحو إدماج ومصالحة هذه الفئة من الأطفال ومعاملتها على حد المساواة مع أقرانها، ولعله اعتراف بأنها يمكن أن تكون حتى أفضل من غيرها من أبناء جيلها، وقد عرض أحد أكثر برامج التلفزيون الاجتماعية شعبية في تونس منذ فترة حلقة عن أبناء قرى “أس.أو.أس”، وقد قدموا دروسا من خلال تجاربهم في النجاح في الحياة وفي الدراسة، وعبروا عن فخرهم بالانتماء إلى هذه القرى، وعن أنهم لا يرون فيها ما يجلب إليهم الشعور بالنقص أو العار.

21