"فجأة وحيدان" الأدب الجيد لا تصنعه المشاعر الجميلة

نحن نتواجد في خضم مواجهة مع أنفسنا، أمام اختيارات يتوجب علينا الحسم فيها حتى لو لم تكن لدينا الرغبة في ذلك. هناك احتمال وارد أنه في مثل تلك اللحظات قد تقدم لنا الكتب مساعدة ثمينة، تخلصنا من الحيرة وتوضح لنا الوجهة. هكذا تقترح علينا المؤلفة إيزابيل أوتيسيي نسخة معاصرة من مغامرة روبينسون كروزوي.
الجمعة 2015/06/19
الاستشفاء عن طريق الأدب والقراءة

عبر رواية “فجأة وحيدان” التي صدرت مؤخرا، تصطحبنا إيزابيل أوتيسيي (Isabelle Autissier) إلى أقصى العالم، حيث الطبيعة، المغامرة، الفضاءات الشاسعة، إلى جزيرة نائية غير مأهولة. لنعترف أن مثل هذا الحلم راودنا جميعا وتمنى الكثير منا لو يحققه يوما.

صرح بيرنار لوهو مذيع برنامج “الكتب لها الكلمة” بإذاعة “ر. تي. ل”، أنه أحس بالرجفة عدة مرات وهو يقرأ “فجأة وحيدان”. يتميز الكتاب بانطلاقة قوية منذ البداية. زوجان شابان باريسيان، لويز ولودوفيك، يقرران خوض تجربة فريدة، ويحققان حلمهما برحلة حول العالم على ظهر باخرة، وفي إحدى المحطات يختلسان الفرصة بحثا عن متعة فريدة، فيتسللان إلى جزيرة غير مأهولة، محمية طبيعية محظورة، حيث يسود هناك فقط طيور البطاريق الطائرة وأسود البحر.

ستتحول المغامرة فجأة إلى كابوس حين تهب العاصفة، ويبقى الشابان محتجزان باليابسة، يهدأ الجو بعدها، لكن المركب الشراعي قد اختفى وعلى مدّ البصر لا وجود لأي منقذ في الأفق، وها هما أسيران بالجزيرة الخالية. يجد القارئ أيضا نفسه في قلب الفخ الذي نصبته إيزابيل أوتيسيي.

قد يكون المشهد غير مألوف لكن الكاتبة في تعليقها عن هذا الوضع الاستثنائي وصفته بالواقعي والوارد نسبيا، فكثيرا ما تحصل مواقف خطيرة شبيهة بذلك ونتساءل لماذا لم يلتزم المرء بالحذر ولم يحتط جيدا؟ لكن الأمر وارد ويمكن أن يقع لأي شخص. من جهة أخرى، فإن الناس والأزواج على الخصوص، أصبحوا يعيشون بعيدا عن واقع الطبيعة لأنهم اعتادوا على طبيعة مروضة ودائما تحت السيطرة، حيث تكون فرق الإنقاذ والإسعافات دائما قريبة عند حدوث طارئ ما.

هكذا كان يعيش الزوجان بطلا القصة، لا يأبهان بقساوة الحياة البدائية، لكنهما يجدان نفسيهما فجأة أمام متاعب الحياة في البرية حيث يستدعي ضمان العيش بدل مجهودات جسدية بدءا بتحمل العطش، فلكي تأكل يجب أن تصطاد، وكي تحتمي من قساوة الطقس يجب أن تبحث عن رداء، وكي تبيت يجب أن تبني منزلا، وكي تحتمي من الضواري يجب أن تتوفر على أسلحة… كل ذلك يجب أن توفره لنفسك بنفسك.

نعم، الأمر جدّ معقد، ثم إن هذا الشقاء وهذه المعاناة التي يجب المرور بها للبقاء على قيد الحياة، تُولد تشنجات باستمرار وتحول العلاقة بين الزوجين إلى جحيم وتهدد بنهايتها.

قد يتساءل القارئ عن طعم لحم البطريق والفقمة وكيف باستطاعة الإنسان أن ينهش هذه الحيوانات الجميلة ويتصرف كوحش. هذه الحيثيات تصفها الكاتبة بدقة متناهية وتقربنا من أدق التفاصيل، وقد صرحت في هذا الصدد أنها استلهمت ذلك مستعينة بكتب من القرن التاسع عشر لرحالة نجوا من حوادث غرق أو تحطم السفن وعاشوا محنة التجربة حقا.

الكاتبة تقترح إمكانية إدراج مراجع للقراءة ضمن مناهج الطب النفسي أو الطب بشكل عام، فعوض أن يتوجه المريض عند مغادرته للعيادة إلى الصيدلية سيتوجه أولا إلى المكتبة

يستعرض الكتاب أيضا المفارقة بين غريزة الحب التي تبيح تفضيل الآخر وبين غريزة البقاء التي تستدعي تفضيل النفس وتعود بنا إلى الطباع الحيوانية البدائية، وكيف ستؤول طبيعة هذا التعايش شبه المستحيل بين شخصين، هل سيصمدان معا أم سيصير الواحد منهما عدوا للآخر؟ هذا في حد ذاته قد يشكل موضوعا للتأمل لكل الأزواج.

تزداد الأمور سوءا عند قدوم فصل الشتاء على اعتبار موقع الجزيرة بخمسين درجة جنوبا، حيث تنخفض درجة الحرارة بشكل قياسي، تصبح الأرض جليدا، تتوالى العواصف الثلجية، يصير الليل القطبي طويلا، وتهاجر كل الأجناس الحيوانية التي كانت تشكل المصدر الوحيد للغذاء، مجرد تخيل هذه الفرضية تصيب القارئ بالقشعريرة.

تنفرد هذه الرواية بخاصية تميزها عن مثيلاتها من قصص الناجين الذين ترميهم مغامرات بحرية بجزيرة موحشة، حين تواصل الكاتبة الحكاية إلى ما سيحصل بعد المغامرة وكأنها تسلك جسرا آخر، فإن أحد بَطَلَي القصة الذي سينجو والذي ستنقلب حياته رأسا على عقب، لكنها ستستمر رغم كل شيء، سيجعل فضولنا يستمر لمعرفة كيف سيتمكن من الاندماج مجددا في المجتمع. وهنا، بنهاية الكتاب، تُقدم المؤلفة رسالة قصيرة لكنها حكيمة وهادفة تروم الاستشفاء عن طريق الأدب والقراءة.

في هذا الصدد صرحت إيزابيل أوتيسيي حين استضافها فرانسوا بوسنيل منشط برنامج “المكتبة الكبيرة” الذي تذيعه قناة “تي في 5” عما تسميه “بيبليوطيرابي” (بمعنى المراجع العلاجية أو القراءة كوسيلة للعلاج) أن جميع الذين يقرؤون رواية ما، يحسون في إحدى فقراتها أن جملة ما هي موجهة لهم بشكل خاص، بالإضافة إلى أن بعض التجارب تشكل دروسا جد مفيدة للقارئ، وهكذا تقترح الكاتبة إمكانية إدراج مراجع للقراءة ضمن مناهج الطب النفسي أو الطب بشكل عام، فعوض أن يتوجه المريض عند مغادرته للعيادة إلى الصيدلية سيتوجه أولا إلى المكتبة.

15