فجنون.. تجربة مصرية عنوانها تحرير الخيال

في فجنون، قد يصادفك طفل بصحبة أحد أبويه، وكان من رواد المكان، وأسهم في صنع تمثال، أو يذكّر فجنون بأنه أهداه فكرة ذات يوم، وله في هذا المكان ذكرى.
الثلاثاء 2019/07/16
الإبداع يخلق من النفايات لوحات

حين يتحرر الخيال يتحرر معه العقل وتصبح الأفكار -وخاصة الفنية منها- طيّعة التحقيق والتشكيل، هذا ما عمل عليه الفنان التشكيلي المصري محمد علام في مشروعه فجنون منذ ثمانينات القرن الماضي ليكون عالما يهدف إلى استيعاب طاقات الخيال لدى الأطفال، وتطوير سلوكهم وتنمية مواهبهم تحت شعار “تسقط المذاكرة ويحيا الفكر”، من خلال تعليمهم مختلف الحرف الفنية بعيدا عن الدروس والنظريات. التجربة فشلت ماديا في التسعينات من القرن الماضي لكن المشروع لم يمت، بل عاد مجددا ليجمع الصغار بالكبار الذين خبروا الفن والحياة في فجنون.

  بالقرب من منطقة سقارة الأثرية جنوبي القاهرة، توجد على الطريق لافتة “سبيل أم هاشم”. والسبيل في مصر لا يعني الطريق، ولكنه وقفٌ خيري أقرب إلى مؤسسة صغيرة كانت تشمل، في الأساس، صهريجا لتوزيع المياه مجانا على أهل الحي وأبناء السبيل، ثم ألحق به كتّاب لتحفيظ القرآن وتعليم قواعد الكتابة.

وكانت الأسبلة بطرزها المعمارية، الباذخة أحيانا، عنوانا على المكانة الاجتماعية أو السياسية لأصحابها. وحين غزا نابليون مصر عام 1798 أحصت البعثة المرافقة لجيشه أكثر من 300 سبيل في القاهرة. وكل سبيل يحمل اسم صاحبه: سبيل عبدالرحمن كتخدا وكان من قادة المماليك البارزين، سبيل محمد علي باشا، سبيل أم عباس الذي أنشأته “بنبا قادن” أمّ الوالي عباس حلمي الأول. ولا يوجد في القاهرة سبيل لأم هاشم، ولقب “أم هاشم” في الوعي الشعبي المصري يخص السيدة زينب بنت الإمام عليّ بن أبي طالب، وهي أيضا رئيسة الديوان، ديوان المظلومين الباحثين عن العدل. وأفضل أنواع العدل هو الحق في الخيال، ولعل هذا كان في لاوعي التشكيلي المصري محمد علام، الذي لا يعنى الكثيرون بمعرفة اسمه فهو “فجنون”، حين اختار “سبيل أم هاشم” عنوانا لمشروعه الهادف إلى منح الحق في الخيال.

تجربة فجنون بدلالاتها الفنية الثقافية البيئية تكتسب كل يوم محبين من مختلف الأجيال الذين يعشقون الخيال
في "سبيل أم هاشم" يعمل نحو خمسين فردا بشكل دائم، كبار وصغار من أحفاد الفنان علام في مصر القديمة

في بدايات التسعينات، ذهبت إلى فجنون مع ابنتي سلمى، باقتراح من صديق وعد بأن تستمتع سلمى بقضاء يوم طيب. وحين نقول فجنون نقصد المكان، الحالة لا الشخص الذي يمكن ألا يراه بعض الزائرين، فهو مشغول إلى درجة ألا يكون مرئيا، ويمكن أن تتوقع وجوده في عدد من المواقع في الوقت نفسه. والمواقع في المكان متعددة: للألعاب، وممارسة الرسم والنحت، وصناعة الفخار، وركوب الخيل، واستخدام خامات فنية وبيئية ومعدنية متنوعة في صناعة لوحات وتماثيل أو أي أشكال فطرية تخطر ببال الطفل. هنا لا حدود للخيال، لا قواعد أو روادع، وإنما استرشاد إذا طلب الأطفال نصيحة لإتمام ما يحاولون إنجازه.

عدت من فجنون أكثر اندهشا من ابنتي، ومضت شهور أو سنة والأمر كله يشغلني، إلى أن استلهمت تلك الروح، وكتبت في يوليو 1993 قصة قصيرة عنوانها “الداخل”، وأهديتها إلى فجنون، وفيها أتخيل شابا يجد نفسه بالمصادفة قد دخل مكانا يبدو من الخارج كأنه غيط مهمل. تخيلت المكان جنة رعوية تتداخل فيها فروع الشجر، بما يوحي بعدم العناية. وحول بوابة واطئة، لا يعرف الداخل أنها مفتوحة أو مغلقة، تتجمع أوراق الخريف. وإلى يمين الداخل، خُصٌ معتم، تثقبه شرائح الضوء. أما البواب الكهل فغير منتبه، ربما ثقة منه بأن الداخل يعرف طريقه.

الخيال يترجم الأفكار
الخيال يترجم الأفكار

في فصل عنوانه “زوربا”، كتب نيكوس كازانتزاكيس في سيرته “تقرير إلى جريكو” أنه “حتى لو كان الموت يجب أن نحوّله إلى رقصة”. وفي شخصية فجنون شيء من زوربا، إيمان بالتجربة، ورغبة في اختبار تحويل أي شيء إلى عمل فني، من بقايا القماش والحبال والخردة وهي قطع الحديد تنهض تماثيل لعازف على العود أو طائر أو حيوان. ومن بقايا الأخشاب تماثيل أخرى ومقاعد لا يتشابه منها اثنان، وبعضها ثمرة حوار بين بقايا القماش والحديد المجدول الخالي من المسامير؛ إذ تعتمد على فكرة التدوير والاستفادة بأي شيء في صنع عمل فني أو استعمالي.

زوربا ربما يكون قد ألهم فجنون ما يمكن للخيال أن يصل إليه، بعيدا عن نظريات وقواعد جاءت تالية لتجليات الخيال الإنساني. في الفترة الأخيرة أقام مبنى خشبيا كبيرا متعدد الطوابق والمستويات، وبعض أقسامه يصلح أن يكون مسرحا، ولا تستطيع أن تتذكر الطريق الذي صعدت منه أو مشيت فيه قبل قليل؛ فالطرق أشبه بالمتاهة. الغريب في هذا المبنى أنه أقيم فوق سطح الأرض مباشرة دون قواعد، وتنطلق فكرته من “نظرية الأكتاف”، أو قدرة الأشياء المتلاصقة على الطفو، فالشيء الواحد يغوص في الماء، ولا يصمد لزلزال أو ريح، وأما التجاور والتساند فيصنعان مسطحا من البنايات المتجاورة الشبيهة بأرض فضاء. ولا خوف على مسطح أرضي من التصدّع.

فجنون، الذي هو محمد علام، درس الفنون الجميلة، وتخرج عام 1974 في كلية التربية الفنية بجامعة حلوان في القاهرة، وبدأ عام 1986 في قرية “كفر حكيم” بالجيزة مشروعا يهدف إلى استيعاب طاقات الخيال لدى الأطفال، وتطوير سلوكهم وتنمية مواهبهم، بتعليمهم الحرف الفنية (صناعة السجاد والخزف والنجارة والمعادن والطباعة وسبك المعادن)، بعيدا عن ثقل المواد التعليمية، تحت شعار “تسقط المذاكرة ويحيا الفكر”.

والمذاكرة تعتمد على ما تختزنه الذاكرة حتى موعد الامتحان، فتستذكره ليفرغه التلميذ من ذاكرته، ويتخلص من هذا العبء، استعدادا لعبء جديد في السنة التالية، على عكس ممارسة المهارات الفنية بروح الهواية، وشغف الاكتشاف والخلق الجميل. وهذا ما يغيب عن بيروقراطية التربويين منذ زمن، ففي “أصداء السيرة الذاتية” كتب نجيب محفوظ بعنوان “دعاء” واقعة تعود إلى ثورة 1919، “دعوت للثورة وأنا دون السابعة. ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة، سرت كمن يساق إلى سجن، بيدي كراسة وفي عيني كآبة، وفي قلبي حنين للفوضى، والهواء البارد يلسع ساقيّ شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير، وجدنا المدرسة مغلقة، والفرّاش يقول بصوت جهير: بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.                                                                      غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة. ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد!”.

علاقة الخيال بالواقع
علاقة الخيال بالواقع

استمرت تجربة فجنون الأولى حتى عام 1990، وفاز منها بسبعين طفلا فنانا، ولكنها فشلت ماديا. وجاءت التجربة الجديدة في الموقع الحالي المطل على أهرام الجيزة الثلاثة الشهيرة، وأهرام أبوصير، وهرم سقارة المدرج الذي يضم ست مصاطب، وهو أول بناء حجري في التاريخ وشيده الملك زوسر ثاني حكام الأسرة الثالثة (2686 ـ 2613 قبل الميلاد).

في الموقع الحالي، “سبيل أم هاشم”، يعمل نحو خمسين فردا بشكل دائم، كبار وصغار من أحفاد الفنان الفطري في مصر القديمة، ذلك الذي حيّره الموت، وأراد الانتصار عليه، فاهتدى إلى الحجارة القاسية من الديوريت والبازلت والغرانيت، وتمكن من ترويضها، وطوّعها في صنع تماثيل صرحية ومسلات تقاوم الفناء.

في فجنون، قد يصادفك طفل بصحبة أحد أبويه، وكان من رواد المكان، وأسهم في صنع تمثال، أو يذكّر فجنون بأنه أهداه فكرة ذات يوم، وله في هذا المكان ذكرى. وتبقى التجربة بدلالاتها الفنية الثقافية البيئية تكتسب كل يوم محبين من عشاق الخيال، وهم أكثر من 250 ألف زائر سنويا، من أعمار وثقافات وجنسيات مختلفة، وبعضهم يغادر ولا يعرف أن فجنون اسمه محمد علام.

في "سبيل أم هاشم"  يعمل نحو خمسين فردا بشكل دائم، كبار وصغار من أحفاد الفنان علام في مصر القديمة
تجربة فجنون بدلالاتها الفنية الثقافية البيئية تكتسب كل يوم محبين من مختلف الأجيال الذين يعشقون الخيال

 

20