فجوات خطيرة في حكم تونس

الثلاثاء 2015/05/19

تتكون حكومة الحبيب الصيد من تحالف يقوده حزب نداء تونس وتشارك فيه ثلاثة أحزاب أخرى هي حركة النهضة التي كانت تقود تحالف الترويكا طيلة أكثر من سنتين، وحزب آفاق تونس، وحزب الاتحاد الوطني الحر. حكومة ليبرالية التوجه كانت قد أعلنت أنها ستعمل على تحقيق أهداف الثورة التونسية التي اندلعت في وجه نظام زين العابدين بن علي يوم 17 ديسمبر 2010.

بعد انقضاء المئة يوم، عاين التونسيون بتوجّس كبير ما يظهره التحالف الحاكم من فجوات يتنامى توسّعها يوما بعد آخر. ولهذه الفجوات علامات بعضها يثير الخوف بين التونسيين. وسنتولى في هذا المقال رصد أربع فجوات كبرى متصلة بقيمة الانسجام الضرورية لنجاح تجربة الحكم في تونس.

تتعلق الفجوة الأولى بغياب الانسجام اللازم بين رئيس الحكومة وبين وزرائه. من ذلك أنّ وزير الماليّة التونسي، سليم شاكر المنتمي إلى حزب نداء تونس، فاجأ التونسيين بإعلانه عن نيّة وزارته اقتراض قيمة الزيادة الأخيرة في أجور موظفي الوظيفة العمومية البالغ عددهم حوالي 600 مائة ألف موظف والمتفق عليها مؤخرا بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل والمقدرة بحوالي 300 مليون دولار بعنوان سنة 2014، بينما كان رئيس الحكومة حبيب الصيد قد أعلن أن هذه الاعتمادات المالية متوفرة في ميزانية 2015 التي كانت قد أعدتها حكومة مهدي جمعة ولن يتم اقتراضها.

الفجوة الثانية تتصل بالتنسيق بين أحزاب التحالف الرباعي الحاكم، فإنه لم يكن من اللائق أن يرى التونسيون تلك الفوضى التي صاحبت إنشاء قانون المجلس الأعلى للقضاء وهو مجلس دستوري أقره دستور يناير 2014 لاسيما أن التحالف الحكومي أنشأ وزارة مكلفة بالتنسيق بين الحكومة والبرلمان يقودها الندائي محمد لزهر العكرمي.

هذه الفوضى ذات وجهين؛ الوجه الأول يتمثل في التناقض بين مشروع القانون الذي قدمته وزارة العدل إلى مجلس الوزراء ووافق عليه ومرره إلى مجلس نوّاب الشعب لمناقشته والتصويت عليه، وبين المشروع الذي عرضته لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب للتصويت. فقانون لجنة التشريع العام مناقض لقانون الحكومة. وقد أعرب وزير العدل الذي تواجد في البرلمان أثناء مناقشة القانون عن لا دستورية هذا القانون في نسخته البرلمانية التي وقع التصويت عليها بالأغلبية البرلمانية للحزبين المتضافريْن النداء والنهضة. والوجه الثاني مضمونه رفض حزب آفاق تونس أحد أضلع التحالف الحاكم الأربعة التصويت على القانون، بل التشهير به واعتباره خطرا على تونس.

الفجوة الثانية تحيلنا على الثالثة المتصلة بالتنسيق بين الحكومة والبرلمان عبر وزارة كاملة، فما جدوى هذه الوزارة التي يتولاّها محمد لزهر العكرمي من نداء تونس إذا لم تتمكن من تنسيق المواقف بين الحكومة والأحزاب المشكلة لها والكتل النيابية التي تمثلها؟ أليس هذا إهدارا للمال العام لاسيما إذا علمنا أن الرأي العام في تونس لا يعرف شيئا عن وزارة لزهر العكرمي؟ ثم هل يوجد تنسيق بين الحكومة وبين البرلمان، بل هل وجدت مشاورات معمقة بين الحكومة وبين الأحزاب المشكلة لها وبين أغلبيتها البرلمانية، حول قانون مصيري للشعب التونسي بحجم قانون المجلس الأعلى للقضاء؟

فيما يتصل بالفجوة الرابعة المتعلقة بالتنسيق بين الكتل البرلمانية للأحزاب المشكلة للحكومة، فإنها تعدّ الفجوة الأظهر للعيان بحكم تسليط الأضواء الإعلامية عليها ونقل مداولات مجلس نواب الشعب على التلفزيون التونسي. ومن الطريف أن نسجل أن الكتلة الديمقراطية الاجتماعية البرلمانية غير المشاركة في الحكم، والقريبة في المقابل من موقع الموالاة ساندت مشروع لجنة التشريع العام المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء وصوتت لفائدته، بينما كتلة آفاق تونس المشاركة في الحكومة رفضته والتحقت بكتلة الجبهة الشعبية التي تقود المعارضة، وهو ما أثار حفيظة كتلة حزب نداء تونس الحاكم ودفع إلى مناوشات بين الكتلتين.

في الوقت نفسه كان موقف النائب عن حزب نداء تونس الحاكم عبدالعزيز القطي خارجا عن إجماع حزبه، وقريبا من موقف الجبهة الشعبية وحركة آفاق تونس في اعتبار مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء مشروعا يمهد للاستبداد ولاستعادة السلطة التنفيذية السيطرة على القضاء وتوظيفه.

قانون المجلس الأعلى للقضاء الذي أعدته لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب يتضمن ثلاث ملاحظات خطيرة؛ الأولى أنّه يعدّ الاختبار الأوّل الذي فشلت فيه الأغلبية النيابية الحاكمة في احترام الدستور التونسي، والثانية تتعلق بالخوف من استقلال القضاء من قبل حزبين جربا الحكم ولهما فيه سوابق ربما يخشيان من أن يكشفها قضاء مستقل فيعارضانه بشدة، والثالثة أن معركة الشعب التونسي وقواه التقدمية من أجل الكرامة والعدالة مستمرّة.

لم ينته الجدل حول قانون المجلس الأعلى للقضاء، بل إنه خلق تضامنا بين كل الهيئات والنقابات القضائية لأول مرة في تاريخ تونس لاسيما جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة. وتبدو هذه الهياكل متضامنة في الدفاع عن استقلال القضاء التونسي، وفي اتخاذ كل الإجراءات الممكنة في المستقبل مع ما تجده من دعم من قبل الجبهة الشعبية وحزب آفاق تونس وأغلب المنظمات الوطنية.

كاتب وباحث سياسي من تونس

9