فجوة بين جمهور معرض القاهرة للكتاب والمؤسسات الدينية

مشاركة الأزهر في المعرض تتجاهل تجديد الخطاب الديني.
الأربعاء 2021/07/14
الكتب الدينية تحتاج التجديد

كان معرض القاهرة الدولي للكتاب الموسم الذي تجني فيه دور النشر المهتمة بنشر الكتب الدينية مكاسب كبيرة، غير أن الدورة الـ52 تكاد تخلو من ذلك، حيث غاب عدد كبير من الدور نتيجة التضييق عليها، والكساد الذي صاحب كتبها العتيقة، وحاولت مؤسسات رسمية سد الفراغ وتلبية الاحتياجات الثقافية في هذا المجال لكنها بقيت قاصرة عن ذلك.

القاهرة - روجت المؤسسات الدينية في مصر لحضورها الفاعل في معرض القاهرة الذي يختتم أعماله الخميس بشكل كبير تجاوز الكثير من دور النشر الأخرى التي برعت في نشر الكتاب الديني، وسلطت مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء الضوء على الإصدارات التي تقدمها في محاولة للتأكيد على قيامها بأدوار ثقافية طالما نادت بها الحكومة المصرية في مواجهة الأفكار المتطرفة.

وجاء هذا التركيز ليؤكد أن الحكومة عازمة على تجفيف منابع كل المؤسسات التي يمكن أن تكون خميرة للمتشددين، ويستمدون منها الأفكار التي تساعدهم على النمو والانتشار، والإيحاء بأن دور النشر التابعة للحكومة قادرة على ملء الفراغ.

ورغم الحملات التسويقية التي قامت بها هذه المؤسسات لجذب الجمهور إليها وتخصيص مساحات واسعة لها لعرض كتبها وجذب المواطنين والرد على أسئلتهم وتنظيم العديد من الندوات الافتراضية التي ناقشت قضايا معاصرة، إلا أنها تجاهلت تقديم إصدارات جديدة تستهدف تقديم خطاب ديني حضاري للمواطنين الذين دائما ما يحرصون على التفاعل مع إصداراتها وندواتها في هذا الفضاء.

إصدارات نوعية

أسامة إبراهيم: كتب التجديد الديني تتواجد في دور النشر العربية لا المصرية
أسامة إبراهيم: كتب التجديد الديني تتواجد في دور النشر العربية لا المصرية

تضمنت الكتب التي قدمها الأزهر لأول مرة هذا العام بعض الأعمال النادرة من القرن الأول والسابع والثامن الهجري مثل كتاب “أساس التقديس”، و”الأربعون فى أصول الدين” لفخرالدين الرازي، و”الكفاية في الهداية” للإمام نورالدين الصابوني.

وسلط الأزهر الضوء على 6 إصدارات قدمها هذا العام تسرد تاريخه وجهوده الدعوية والعالمية في أقطار العالم، أبرزها “قطوف من رسالة الأزهر”، بقلم الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف الراحل، و”كلمة تاريخية عن المكتبة الأزهرية”، و”وعاظ الأزهر والمواجهة الإلكترونية للفكر المتطرف”، و”فصول من كتاب الأزهر بين السياسة وحرية الفكر”، و”الأزهر في ألف عام”.

وتأثر الكتاب الديني مثل غيره من الكتب الأخرى بالقيود التي فرضتها جائحة كورونا، حيث تراجعت نسبة زوار معرض القاهرة الدولي للكتاب بصورة كبيرة.

وتصدرت الأكثر مبيعا بعض الكتب التي روجت لها مؤسسة الأزهر باعتبارها حققت نسبا مرتفعة وارتبط معظمها بالتراث مثل “هوامش على الاقتصاد في الاعتقاد لحجة الإسلام الغزالي”، و”الأربعون في أصول الدين الإمام الرازي” وكتاب “الأنوارُ القُدْسِيَّة في الفوائدِ الخَرْشِيَّة لحَلِّ ألفاظِ العقيدةِ السَّنُوسِيَّة” وهي بمثابة دراسة أجرتها لجنة إحياء التراث بمجمع البحوث الإسلامية.

واكتفى مجمع البحوث الإسلامية بتقديم كتاب “خطاب الاعتدال في مواجهة خطاب التطرف”، كأحد الإصدارات التي ترسخ للدور التوعوي الذي تقوم به مؤسسة الأزهر، لكن الكتاب يكتفي برصد واقع الخطاب الديني المعاصر ودحض الكثير من الأفكار المتطرفة التي تروج لها تنظيمات الإسلام السياسي، وفضح ممارسات التوظيف السياسي للدين من دون أن يقدم رؤية جديدة مبنية على أسس ودراسات حديثة من الممكن أن تساير الواقع.

وفي هذا الصدد يؤكد عبدالغني هندي عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية أن كتب التراث الوسطي التي يعتمد عليها الأزهر بشكل أساسي لا تكفي لتجديد الخطاب الديني، لأن هناك تراثا متشددا عملت التنظيمات المتطرفة على تقديمه خلال سنوات طويلة ماضية أثرت على أفكار المواطنين وأذواقهم تجاه الكتب التي ينجذبون إليها، وهو ما يتطلب اهتماما فاعلا بتقديم كتب الخطاب والتراث المعتدل معا.

ويضيف في تصريح لـ”العرب” أن المؤسسات الدينية قدمت بعض الكتب المصحوبة بشرح وتفسير جديد لبعض العلماء أو الأشخاص أو تحت إشراف عدد من اللجان الدينية، لكن المشكلة أنها لا تأخذ حقها من التسويق والترويج مثلما الحال للكتب التي تقف وراءها جماعات وتنظيمات سياسية تعمل على نشر محتوياتها على نطاق عربي واسع، في حين أن هناك انفصالا بين الأبحاث التي تقدمها المؤسسات الدينية المصرية وغيرها من المؤسسات في مختلف الدول العربية.

ويشير هندي إلى أن عدم وجود رؤى استراتيجية للتجديد داخل الأزهر يجعل الكتب القليلة التي تهتم بتلك القضية ضعيفة وتقوم على جهود أشخاص، ولا يمكن أن تمثل الرؤى العامة بالمؤسسة في ظل هيمنة شخصيات بعينها على التوجه نحو إصدار الكتب المرتبطة بالتجديد، وقد تكون هناك رؤى مستنيرة لا تأخذ حظها وقد لا تتمكن من طرح رؤيتها في إطار مؤسسة الأزهر.

غياب عربي

 لم تستغل المؤسسات الدينية غياب العديد من دور النشر العربية المتخصصة في كتب التجديد الديني عن معرض الكتاب هذا العام للإعلان عن نفسها بديلا، واستمرت الكتب القديمة مسيطرة على غالبية الإصدارات التي قدمتها، والتي بدت كأعمال مكررة تعرضها هذه المؤسسات كل عام وتحاول تسويقها عبر تقديمها بأسعار زهيدة.

وسيطر الأزهر ودار الإفتاء والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وهيئة كبار العلماء على القاعة رقم 4 داخل معرض الكتاب، ودشن الأزهر جناحه على مساحة تتجاوز ألف متر مربع، وهي مساحة كبيرة تشير إلى حرصه على الحضور.

واستطاعت دار الإفتاء جذب أكبر عدد من المواطنين بعد أن خصصت أماكن للرد على فتاوى المواطنين، وبالرغم من أنها كانت الأكثر تقديما للكتب الجديدة، إلا أنها اعتمدت في فتاواها على قواعد فقهية قديمة وسط عدم وضوح رؤية التجديد لدى الأزهر حتى الآن.

وكانت أبرز الكتب التي جذبت جمهور دار الإفتاء هذا العام ما يرتبط بالفتاوى الحياتية التي تشغل أذهان المواطنين في ظل الهيمنة الطاغية للدين في كافة المعاملات مثل “قضايا تشغل الأذهان”، و”فتاوى المرأة”، و”فتاوى الشباب”، و”فتاوى تنظيم النسل وتحديده”، و”فتاوى النوازل.. وباء كورونا”، و”العلاقة بين المسلمين والمسيحيين من واقع فتاوى دار الإفتاء”.

وعبرت اهتمامات الجمهور عن تجذر فتاوى الشيوخ لدى عقول المواطنين وتعاملهم مع كافة متطلبات الحياة من منظور ديني فقط، ما يؤكد أن هناك فجوة بين جمهور المعرض من المترددين على الكتب الدينية، وأغلبهم من الشباب، وبين المؤسسات الدينية التي حولت الفتاوى إلى قضية رئيسية تتصدر اهتمامات الناس دون أن يكون ذلك وفق أسس تجديد الخطاب الديني.

أحمد سالم: ضعف تجديد الأزهر يرجع لعدم انفتاحه على العلوم الإنسانية
أحمد سالم: ضعف تجديد الأزهر يرجع لعدم انفتاحه على العلوم الإنسانية

ولم يظهر الأزهر اهتماما لافتا بالمشاريع البحثية التي تقود لإنتاج فكري جديد من الممكن أن يشكل إضافة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لأنه لا توجد تصورات استراتيجية قائمة على كيفية توجيه هذه الدراسات، في حين كان هناك تقدم من جانب دار الإفتاء التي وسعت من دراساتها القائمة على تقديم فتاوى عصرية، لكن من المهم أن يقوم الأزهر بهذا الدور بفعل تأثيره المحلي والخارجي.

ورغم أن جناح الأزهر الشريف احتفى هذا العام بالدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، واختياره “شخصية الجناح”، باعتباره أبرز الشخصيات التي كانت لديها إسهامات في التجديد والتطوير، إلا أن كتبه قدمت بشكل لا يوحي بأهميتها.

ويؤكد أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا، أحمد سالم أن ضعف المنتج الفكري القائم على التجديد لدى مؤسسة الأزهر يرجع إلى عدم انفتاحه على متخصصي العلوم الإنسانية المهتمين بتجديد الخطاب، سواء أكان من خلال علماء الاجتماع الديني أو الفلسفة أو التاريخ، وبالتالي يظل المنتج المقدم يطغى عليه الجمود.

ويلفت في تصريح لـ”العرب” إلى أن شيوخ الأزهر يتعاملون مع قضايا التجديد باعتبارها حكرا عليهم، في حين أنه لا توجد قاعدة انطلاق للتجديد يمكن أن تساعد على تقديم كتب جديدة تشكل إضافة في هذا المجال، وبالتالي يكون التركيز على إعادة إنتاج الأصول القديمة بعيدا عن النظر في تجديدها.

وحجزت الكتب الصوفية لنفسها مكانا هذا العام لدى شريحة من القراء لتكون بديلا عن الكتب الدينية التاريخية، في ظل زيادة إقبال الفئات الشبابية على المعرض الذين لا ينجذبون إلى المجلدات القديمة ولا تجذبهم عناوينها أو محتواها أو حتى شكلها الخارجي ويكون تصميمها منذ سنوات طويلة.

ويوضح مدير دار النخبة العربية أسامة إبراهيم أن اهتمام مريدي الطرق الصوفية بزيارة معرض القاهرة للكتاب يسهم في مواجهة أزمات ضعف الإقبال على الكتب الدينية، لأن هناك قراء يبحثون عن اقتناء هذه الكتب ولديهم شغف اللاحتفاظ بأكثر من نسخة أو من أجل توزيعها في المناسبات الدينية، وأن توجه العديد من الكتاب نحو إصدار هذا النوع من الكتب يمكن أن يكون منافسا للكتب التراثية التي تتواجد بكثافة.

ويشير لـ”العرب” إلى أن كتب التجديد الديني تتواجد بشكل أكبر في دور النشر العربية وليس المصرية في ظل وجود إنتاج فكري غزير لدى العديد من المفكرين المنتشرين في دول عديدة، غير أن المشكلة أن أسعارها قد لا تناسب المواطن العادي الذي يبحث عن اقتناء الكتب الدينية زهيدة الثمن.

15