فجيعة وغرابة في معرض ثنائي لمحمد خياطة وغنى سباهي

الخميس 2013/12/05
الآثار الفنية المشتركة لخياطة وسباهي مختبر تشكيلي طويل من العمل والتجريب

بيروت ـ ما إن نقترب من عوالمها، التي أمعنت كائنات الفنان السوري محمد خياطة، في ترسيمها وتمثيلها على نحو فجائعي، حتى ندخل معها في معترك تراجيدي، له من العنف والفجيعة، بقدر ما له من التألق والانسياب.

كائنات مسخيّة ترمي بتعبيراتها وتحويراتها، في المعرض المتواصل مع المصممة اللبنانية غنى سباهي من 21 نوفمبر الماضي وإلى غاية الـ11 من ديسمبر الجاري في "غاليري Rmiel- بيروت"، على التخوم المتحركة بين كمائن الريبة ومصائد التوجّس، التي وشمت وجودها بالعزلة، وصبغت حضورها بالمرارة والعذاب. يتكون المعرض من (لوحات، رسوم دراسات، إكسسوارات، تكوينات Installation). فلم تقتصر أعمال خياطة على اللوحات، بل قام بتكوين أشكال لشخصيات مختلفة من قطع الزجاج لتمثل برأيه كل السوريين .إنها قنينة لشخص غير معروف قد رماها وتطايرت أجزاء وتناثرت كما تناثر السوريون جميعا.


كائنات مسخية


الزجاج قادر على أن يجرح ويؤذي، لكن مع الوقت وبعامل الحت يصبح مصقولا متأقلما مع ظروف المعيشة والحياة. ومع تفرّسها في ذاتها وفي محيطها تواصل كائنات الفنان المولود عام 1986، الذي ما برح يخمّر عجينته بالفزع والاغتراب، ليحيل القبح في عالم المسوخات والتشوهات إلى علاقات جمالية تنتظم بدورها في فضاءات حلميّة، تتناسخ على الدوام من آلامها وعذاباتها. وتنقل العوالم الداخلية للسوري المعاصر باحتداماته وهذياناته الكابوسية، التي تطالعنا على ملامح وجوه كائناته، وعلى حركة أجسادها المسكونة برغبة التحرر والانعتاق. مما يجبرنا على التعاطف مع موضوعاتها ومضامينها التي تعيد تصوير استحواذ الفزع على وجود الإنسان، ونفاذه إلى تغضّنات جسده وروحه. وسرد ما يعتمل في ذاته، أو وصف عذابات وجودنا (السوريين) والتباس المصير، قدر سعيه إلى الكشف عن مناخات معقولة للاستمرار في ترسيمات الحياة، والحفاظ على ذاتية الإنسان وهويته من الاضمحلال والتلاشي.

وتؤكد أعماله، التي تشع بتلقائيتها التعبيرية من سيطرة اللاوعي باتزانه مع الجسد والروح، على تفرد خصوصيته الفنية خارج كل التأثيرات الثقافية، تتجسّد في خليط من الفوضى يتصادم مع النظام، ويكشف عن المخفي ويفرض النسيان على الواضح.

استحضار الذاكرة السورية المفقودة في زجاج مصقول

وما إن نقترب من رعشة اغتراب كائناته التي تسرد وجودها بمعالم الريبة والتوجس والاحتدام، حتى تسري تلك الرعشة وتمتدّ خلف إشعاعات الحضور والتعبير التي تمر بها الكائنات المسخيّة على سطح لوحته.

لا تكتفي كائنات محمد بدور المراقب للاضمحلال وهو يتهدد وجودها، وإنما تحاول أن تتفرس بصمت، وتتبنى كل ما من شأنه أن يحول بينها وبين فنائها. إنها تبدو وكأنها الشاهد الوحيد على ضراوة عالم ما فتئ يتواطأ على إنسانية الإنسان، وعلى جوهر شرطه في الحياة.

لوحة "جدي لعب بعقل تيس" ومع تقصّي المكامن السريّة في منعرجات الخط وتواريات اللون في اللوحة، لتواصل إعادة إنتاج ملامح كائناته المتفلّتة باستمرار من إغراءات التعيين والتأطير. وإعادة إنتاج ملامحها، سرعان ما تتفلّت الكائنات المقيمة في لوحته، من كونها مجرد مساحة للمعاينة البصرية فقط، إلى كونها مساحة خاضعة للمسح والمراقبة والتمشيط، وإقامة حوار جمالي متصل مع المتلقي من دون أن يقوم بتفكيك لوحته وإعادة تركيبها، وذلك بفعل المستويات الحركيّة للألوان "الداكنة والزاهية" التي تنفحها الحياة، وتجعلها تمر بالحيوية والحركة الداخليّة المباغتة، لتكشف عن المجال الحيوي الذي يدمغ وجود الإنسان بوشم العزلة والاغتراب. وهو مجال حيوي برموزه وعلاماته التي تغطي مساحة الاشتباك بين ما هو معطى بصريا على سطح اللوحة، وما هو متخيّل ذهنيا في فضاءاتها.


تعاطف تلقائي


نمو الأشكال بتساوق تام مع مضامينها، وهو ما يدعو متلقي أعماله إلى التعاطف معها بفعل تلقائية التعبير، واختزال الملامح التشخيصيّة عبر اللون والخط بالدرجة الأولى. فحركة الألوان في لوحته، عبر ترددها وتقاطعها، وعبر انحنائها وامتدادها، تكتسب طاقة حركيّة تتجاوز معها باستمرار مجالها التعبيري، لتعيد تأسيسه من جديد. فالمستويات اللونية لديه، وعبر مساراتها الحركية، تولّد مسارات جديدة يكتسب العمل معها صيرورة التعبير التي تمليها في جلّ لوحاته "مقتضيات الحس الداخلي للفنان"، بحسب كاندنسكي.

فيما الفنان يرى أن تكويناته البشرية السابحة في فضاء معتم لها علاقة مباشرة بالاختناق والضجيج اللذين يغلفان روحه أينما التفت، يعتمد في بناء أعماله التي تمتاز بتلقائيتها وعنفوان تعبيراتها، على التدمير المنهجي للشكل، الذي يمثل محورا رئيسيا في مجمل أعماله.

بدأت فكرة المعرض من استعادة خياطة لذكرياته ابتداء بأمه التي كانت تقوم بجمع القطع القماشية لتخيطها جميعا فتصبح ما يسمى "المدة"، هذا العمل المضني والذي أدّى إلى عمل فني متقن وعفوي، وهنا كان التعاون بين خياطة وسباعي في جمع وتحويل قطع متناثرة ومنسية من أماكن مختلفة إلى أشكال فنية ذات ألوان وذكريات مرسومة.

وليجمع ما لا يجمع يقول الفنان: "نجمع الأشياء العادية والبسيطة لنحولها إلى قطع فنية مميزة تعبر عن تفاصيل حياتنا، كالأقمشة والقطع الخشبية القديمة والزجاج. وعملتُ على تكوين أشكال لشخصيات مختلفة من قطع زجاجية تمثل السوريين، هي شظايا رماها شخص ما وتناثرت كما تناثر السوريون جميعا. في البداية يكون الزجاج قادرا على إحداث جرح، لكن مع الوقت يصبح مصقولا. خلال إقامتي في لبنان وبعد تسعة أشهر على خروجي من سوريا، كنت أرسم سكتشات عن الأشياء التي أحسها وأعيشها كل يوم من حزن وحرمان. كنت أظن أنني سأشعر بالراحة عندما أخرج من سوريا، لكن الذكريات تصبح مع الأيام عبئا، والأخبار التي نسمعها عن الدمار والقتل توجعنا أكثر. قطع بلور مصقولة، مرسومة عليها ذكرياتي هي أقرب ما تكون لذكريات كل سوري مهجر".

فخلخلة النسب والقوانين المألوفة للشكل الإنساني؛ مثل استطالات الأطراف، تضخّم الرأس وتحويره؛ والخروج عن قوانين الجاذبية ومجمل التحويرات والامتدادات والتداخلات وفق إيقاعها التعبيري، جعلتها تخفي حسا مأساويا كامنا تجاه الوجود الإنساني.

16