فحوصات الزواج ضمانة لحياة أسرية خالية من المنغصات الوراثية

الإمارات تقر إلزامية الفحوصات الجينية على المقبلين على الزواج مع إضافتها للفحوصات المطبقة حاليا لتقليل نسبة حدوث وانتشار الأمراض الوراثية.
الجمعة 2021/02/19
فحوصات ماقبل الزواج حماية للأسرة والأبناء

عندما أقرت بعض الدول إلزامية فحوصات الزواج لم تتبع هذه الخطوة بإنشاء مراكز متخصصة في هذا الشأن، بل اقتصرتها على المستشفيات الحكومية العادية التي لا تتوافر فيها إمكانيات متطورة تتيح لها اكتشاف الأمراض وتشخيص المخاطر الجينية والوراثية، وأصبح الأمر برمته مجرد ورقة يتم شراؤها بأسهل الطرق.

قبل أربع سنوات استعان الشاب المصري محمد علي بأحد أقاربه من الأطباء لاستخراج وثيقة طبية تثبت خلوه وخطيبته من الأمراض الوراثية والجينية لتقديمها للمأذون الشرعي كشرط لإتمام عقد الزواج، وبالفعل صدرت الوثيقة الصحية دون إجراء الفحوصات وتم الزواج حتى جاءت الصدمة بأن المولود الأول جاء مشوها لصلة القرابة بين الشاب والفتاة.

وبعد رحلة علاج استمرت أشهرا طويلة، نصح بعض الأصدقاء الشاب بالذهاب إلى مركز البحوث الوراثية لمعرفة سبب التشوه الذي أصاب الطفل، وهناك فوجئ وزوجته بأنهما لم يكن لهما الزواج من بعضهما بسبب أمراض جينية متشاركة بينهما، وكان بإمكانهما عدم الوقوع في هذا المأزق إذا التزما بإجراء الفحوصات الطبية التي تشترطها الحكومة قبل إتمام العقود رسميا.

أسماء عبده: التوعية بالفحص يجب أن تعمم في المؤسسات التعليمية
أسماء عبده: التوعية بالفحص يجب أن تعمم في المؤسسات التعليمية

وأبلغ الأطباء الشاب بأن أيّ طفل سوف ينتج عن هذه الزيجة سيكون مصابا بنفس التشوهات، وعليه الاتفاق مع زوجته على عدم الإنجاب حتى لا يُظلم الأبناء ويصابون بأمراض لا ذنب لهم فيها ويعيش الزوجان حياة تعيسة ملغمة بالمشكلات والضغوط النفسية مع إرهاقهما اقتصاديا نتيجة الحاجة لتوفير مبالغ مالية لعلاج التشوهات.

ومحمد ليس مجرد حالة استثنائية رفضت الالتزام بإجراء فحوصات ما قبل الزواج، بل هو جزء من ظاهرة موجودة في أغلب البلدان العربية التي تجبر المقبلين على الزواج على تقديم شهادات طبية تثبت خلوهم من الأمراض الوراثية وسلامتهم من بعض الأمراض المعدية التي تنتقل بسهولة بين المتزوجين، لانعكاساتها الخطيرة على الأسرة والأبناء.

وأقر مجلس الوزراء الإماراتي، الأحد، أن تكون الفحوصات الجينية إلزامية على كل المقبلين على الزواج مع إضافتها للفحوصات المطبقة حاليا، لتقليل نسبة حدوث وانتشار الأمراض الوراثية ووقاية الأطفال من الإعاقات الذهنية والجسدية وخفض نسبة الوفيات بين الصغار نتيجة الإصابة بهذه الأمراض، كمدخل لتخفيف العبء النفسي والاجتماعي عن الأسرة.

والفارق بين الخطوة التي اتخذتها الإمارات وبعض الدول العربية، أن الأولى أقرت تطبيق الفحوصات بشكل إلكتروني يصعب التحايل عليه أو تجاوزه، من خلال برنامج متكامل يستهدف إنشاء سجل رقمي موحد للأمراض الجينية على مستوى الدولة، يشمل نتائج فحوص ما قبل الزواج حول الأمراض الوراثية المتنحية وتحديث وتقييم السياسات الصحية لتواكب متطلبات علوم الوراثة الحديثة عالميا، مع نشر ثقافة أهمية الفحوص الجينية بين أفراد المجتمع من خلال دعم الحملات التثقيفية والتوعوية.

هالة حماد: يصعب إقناع الأسر غير المتعلمة بأهمية فحوصات ما قبل الزواج
هالة حماد: يصعب إقناع الأسر غير المتعلمة بأهمية فحوصات ما قبل الزواج

وتتمثل أزمة فحوصات الزواج في الكثير من الدول العربية في أنها تأخذ منحى شكليا أكثر منه ضرورة حياتية لقوام أسري متماسك يخلو من المنغصات والأمراض التي يحملها الزوجان وتنتقل بالتبعية إلى الأطفال، بما يجعل حياتهم أقرب إلى جحيم، وهناك مؤسسات تشارك في الأزمة عبر بيع الشهادات الصحية نظير مبالغ مالية.

وقالت هالة حماد الباحثة في علم الاجتماع العائلي إن المشكلة الأكبر مازالت في عدم اقتناع الشريحة الأكبر من الأهالي بعدم جدوى فحوصات الزواج، والنظر إليها باعتبارها وسيلة لجمع مبالغ مالية من الباحثين عن تكوين أسرة، وهذا فهم خاطئ لطبيعة الأزمة ينم عن غياب وعي بمخاطر التحايل على وثيقة خلو الطرفين من الأمراض، كركيزة يمكن البناء عليها لقوام أسري متماسك والاطمئنان لإنجاب أطفال أصحاء، بدلا من تكدير حياتهم جراء إخفاء أحد الوالدين إصابته بمرض وراثي.

وأضافت لـ”العرب” أنه يصعب إقناع الأسر غير المتعلمة بأهمية الفحوصات الطبية للزواج دون إطلاق حملات تثقيفية تخاطبها بمستوى وعيها، مع حتمية التعامل الرسمي مع المسألة باعتبارها قضية قومية، لأنها تؤثر مستقبلا على العلاقات الأسرية والاجتماعية وتنتج عنها تشوهات خلقية للأبناء وترهق الميزانيات الشخصية والحكومية وتمثل عبئا على القطاع الصحي لأي دولة.

وتتمثل أزمة الكثير من الشباب والفتيات في أنهم يتعاملون مع فكرة الفحوصات باعتبارها خطرا يهدد إتمام العلاقة بالزواج بأن يتفرقوا عن بعضهم حال ثبتت إصابة أيّ منهم بأمراض وراثية أو جينية، لكنهم لا ينظرون إلى مخاطر التمرد على الفحص مستقبلا سواء على علاقتهم الشخصية أو على نسلهم.

وتكمن الخطورة في انتشار زواج الأقارب بين العائلات الريفية والشعبية والتي تعيش في مناطق يطغى عليها الطابع الطبقي، ومشكلة هذا الزواج أن نسب الأمراض الجينية والوراثية أعلى بحكم القرابة بين الشاب والفتاة، وهنا يتم الاحتكام للعرف لا العقل وتسيطر العاطفة على قرار العائلتين حتى لا يتم الزواج من غرباء.

ويعد زواج الأقارب في مصر من أخطر الأسباب التي تنتج عنها أمراض أنيميا البحر المتوسط، وهناك 700 إصابة لكل ثلاثة آلاف حالة، والخطر أن معدلات إصابة الأطفال بها مرتفعة والكثير منهم يصابون بانخفاض المناعة ما يجعلهم عرضة للفايروسات وتعجز أجسادهم عن مواجهة الأمراض المعدية.

زواج الأقارب في مصر يعد من أخطر الأسباب التي تنتج عنها أمراض أنيميا البحر المتوسط
زواج الأقارب في مصر يعد من أخطر الأسباب التي تنتج عنها أمراض أنيميا البحر المتوسط

وتتعامل المؤسسات الطبية مع عدد الشهادات الصحية الخاصة بالزواج باعتبارها انعكاسا على زيادة وعي الأسر بإجراء الفحوصات اللازمة، لكنها لا تعترف بأن أغلبها صدر بطريقة ودية دون خضوع الشباب والفتيات للكشف الطبي أو تم التحايل على القانون.

وقالت أسماء عبده، وهي استشارية في العلاقات الأسرية، إن جدية الشباب والفتيات في التعامل مع فحوصات الزواج تبدأ من تعاطي المؤسسات الطبية مع الأمر بشكل أكثر احترافية، وصار حتميا أمام انتشار الأمراض الوراثية والجينية أن تتمسك الأسر بهذه الخطوة باعتبارها ضمانة لحياة عائلية خالية من المشكلات التي قد تدفع بالزواج إلى الانهيار في أي لحظة.

وأوضحت لـ”العرب” أن التوعية بفحوصات الزواج يجب أن تعمم في المؤسسات التعليمية حتى لا تكون ثقافة الشباب والفتيات مصدرها الآباء والأجداد، ويجب تقديم نماذج حية وواقعية لأسر تهدمت وأطفال تشوهوا بسبب التحايل على الفحوصات ورفض التعامل معها باعتبارها حقا مكتسبا لكل طرف قبل إتمام الزيجة، بعيدا عن النظر إليها بشكل روتيني.

أزمة فحوصات الزواج في الكثير من الدول العربية تتمثل في أنها تأخذ منحى شكليا أكثر منه ضرورة حياتية لقوام أسري متماسك يخلو من المنغصات والأمراض

والمعيار الأهم أن تكون الحكومات جادة في التطبيق وتكون هناك عقوبات صارمة على المتحايلين على فحوصات الزواج، سواء المؤسسات الطبية أو المأذونين، حتى تشعر الأسر  بجدية الأمر، فمثلا لا توجد سياسة تتبع الإصابات الوراثية والجينية بعد إتمام الزيجات وإنجاب أطفال مشوهين، للوقوف على طريقة تزويج هؤلاء بأمراضهم ومعاقبة المقصرين وبائعي الشهادات.

وإذا كانت أغلب الأسر على قناعة بشكلية الفحوصات أكثر من كونها أداة لحفظ حقوق الرجل والمرأة والأبناء، فذلك نتاج استسهال حكومي مع القضية، ويكفي أن هناك الآلاف من قضايا الطلاق التي تنظرها محاكم الأسرة تتعلق بتداعيات إصابة أحد الطرفين بأمراض عضوية ونفسية ووراثية وجنسية كان يمكن تجنب حدوثها.

21