فخاخ الدبلوماسية الروحية

لقاء البابا بزعماء جنوب السودان يثير سؤالا ليس عن مدى نجاح الدبلوماسية الروحية وإنما عمّا بعد هذا النجاح، وهو إنعاش الدور السياسي لمؤسسات دينية.
الأربعاء 2019/04/17
مسارات تحيي غطرسة الكهنوت

أثارت صورة البابا فرنسيس، في اجتماعه مع زعماء جنوب السودان، غضب غيورين على مكانته الروحية، كتجسيد رمزي للسيد المسيح، واستنكروا أن يقبّل أقدام فرقاء، ولو لمساعدتهم على تعزيز اتفاق ينهي حربا أهلية في دولة تحت التمرين، ليس لها اسم مستقل يدل عليها بعيدا عن إضافتها إلى حاضنتها السابقة.

تثير صورة الإجتماع، سؤالا ليس عن مدى نجاح الدبلوماسية الروحية في حل أزمة تستعصي على الدبلوماسية التقليدية، وإنما عمّا بعد هذا النجاح، وهو إنعاش الدور السياسي لمؤسسات دينية، وخلط السياسي النسبي بالديني اليقيني الذي سيخلق مهامّ لبشر ينطقون باسمه ويحتكرون تأويله، “وما يعلم تأويله إلا الله”. ويذكّرنا هذا الخلط بقول ابن المقفع “الدين تسليم بالإيمان، والرأي تسليم بالاختلاف، فمن جعل الدين رأيا فقد جعله خِلافا، ومن جعل الرأي دينا فقد جعله شريعة”. ويضاف إلى هذا الدور السياسي سؤال عن تنافس مؤسسات دينية مثل الأزهر، والحوزات بالضرورة، إلى القيام بمثل هذه الأدوار.

على الرغم من دماء أراقتها الثورة الفرنسية؛ لأن “الآلهة عطشى” وفقا لعنوان رواية أناتول فرانس، فإنها نجحت في القطيعة التاريخية مع ما سبقها، ولخص ذلك شعار “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”.

 فالحداثة الأوروبية، وقد حققت قفزات نحو العقلانية والتسامح الإنساني، لا يخيفها أيّ دور يبدو سياسيا للفاتيكان، لأنه يظل روحيا لا حركيا أو تعبويا لحشد الجماهير لتأييد سياسة أو معارضة أخرى. ولا يسمح الوعي الأوروبي بإعادة الحياة إلى البابا أوربان الثاني الذي أشعل شرارة الحروب الصليبية في نوفمبر 1095. ويستطيع سياسي أحمق القيام بهذا الدور، إذ أعلن جورج بوش عشية الغزو الأميركي للعراق، عام 2003، أنه بصدد خوض “حرب صليبية”.

لا أعوّل على نجاح الدبلوماسية البابوية في جنوب السودان، وأتمنى نجاح أي جهد لحقن الدماء. وفتور التفاؤل مصدره عدم جدوى قبلات البابا مع من لا يردعه مشهد الدماء. وبعد عامين على الاستقلال، بدأ جنوب السودان في ديسمبر 2013 الحرب الأهلية بين الرئيس ونائبه، انطلاقا من بواعث عرقية، وقُتل في هذا الجنون نحو 400 ألف، ونزح نحو أربعة ملايين في بلد يبلغ سكانه 12 مليونا.

 تدخّل الفاتيكان رمزي؛ وتخلو الدساتير الأوروبية من مادة شبيهة بمادة الأزهر في دستور 2014، فهو “المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم”. مادة تمنحه مرجعية وحصانة دستورية.

وعبر تاريخه، قاوم الأزهر تمرّدات واجتهادات مثّلها الإمام محمد عبده، وكان الدكتور أحمد صبحي منصور إحدى الضحايا، وبينهما جرى ما جرى للشيخ علي عبدالرازق، ومن الشيخ عمر عبدالرحمن بتحريضه على القتل، ومن الشيخ محمد الغزالي بتسويغه شروع إرهابيين في قتل نجيب محفوظ، ومن الشيخ يوسف القرضاوي بدعوته مسلمي العالم “في كل مكان” إلى الجهاد في مصر.

الأزهر محظوظ بشيخه الدكتور أحمد الطيب، ولكنه شأن أي مؤسسة يديرها البشر ليس فوق النقد. وفي مجلد “الإصلاح الفكري، والتربوي، والإلهيات” في الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده يقول “إن بقاء الأزهر متداعيا على حاله في هذا العصر محال. فهو إما أن يعمر، وإما أن يتم خرابه”، ويخشى على جهود الإصلاح من “العمائم”، ويضيف في صفحة 192 “إذا كان لي حظ من العلم الصحيح.. فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريد له من النظافة!!”. يقصد دماغه.

 أعلن مصطفى مشهور مرشد الإخوان، عام 1997، عدم جواز إلحاق المسيحيين بالجيش المصري؛ لشكوكه «في ولائهم… يجب أن نلزمهم بسداد الجزية”. وبعد الفوز بأغلبية في برلمان 2011 أفتى عبدالرحمن البر مفتي الإخوان بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم.

 يستبعد الأزهر مفهوم دولة القانون، ويفضّل مفاهيم قبلية، بفتح حرف الباء وتسكينه. وفي 27 يوليو2016 كتبت في صحيفة “العرب” مقالا عنوانه «بيت العيلة.. رجعية وتراجع عشائري يؤجل “مشروع” الدولة»، واستمرت الجرائم الطائفية. وحين يشاع ما يمس شيخ الأزهر تتظاهر الجماهير في مدينته (الأقصر) وغيرها محذرة أنه “خط أحمر”. فماذا لو حكم مصرَ متشددون، وعينوا أحدهم شيخا للأزهر، ومارس دبلوماسية لا يتبين فيها الديني من السياسي؟ عود إلى نقطة الصفر، وانتكاسة مريض يحلم بالشفاء.

13