فخار بحريني من طين دلمون

للفخار حكاية موغلة في القدم في مملكة البحرين فهو يحمل تاريخا مديدا لآلاف السنين، إذ تعتبر صناعته إحدى بصمات التاريخ التي لا تزال ماثلة أمامنا على الرغم من أنها أصبحت مهددة بالاندثار نتيجة عزوف الشباب البحريني على تعلمها والحفاظ عليها إلى أجيال المستقبل.
السبت 2015/11/21
أنامل الحرفيين تبدع فخارا وخزفا يشهدان على البحرين

المنامة - تعتبر الصناعات الفخارية من أكثر أنواع الأعمال التي اشتغل فيها أبناء البحرين قديما، كما تدل على ذلك حفريات المواقع الأثرية التي تم الكشف عنها.

وكان الحرفيون المهرة يتركزون في منطقة عالي بالأساس، وغيرها من المناطق، حيث يمكن أن نجد لهم بقايا أطلال معامل وورش حتى الآن.

يجلب الصناعُ الطينَ والرملَ الخاص بهذه الصناعة من منطقة الرفاع، ومن ثم يتم وضعهما في أحواض مخصصة لهذا الغرض، ويصبون الماء عليهما، ويبدأون في العجن بأرجلهم، حيث كانت عملية العجن تستغرق منهم ساعات، ويتركون هذا العجين ليالي حتى يستوي ويصبح هذا الخليط سهل التطويع بالصورة الفنية المطلوبة.

ويقول أحد صانعي الحرفيين “لا علم لدي عن عمر هذه الصناعة ولكنني توارثتها أبا عن جد وهي إحدى الوسائل التي أكسب بها رزقي”.

ويوضح أن “للفخار بصمات واضحة فكلما اشتد بياضه كانت درجة حرقه أعلى وهي تدل على جودته” وكذلك تلعب التربة التي يستخرج منها الفخار دورا في جودة ومدى تماسكه بالإضافة إلى أيدي الفخارين الذين يعملون على صقله وتشكيله ومن ثم تلوينه أو ترك لونه الأصلي الأبيض المائل إلى الصفرة.

ويضيف “أن كل ذلك مواصفات تشي بالفخار ومكان صنعه والجهة التي تصنعه… وبعيدا عن التحيز فإن الفخار البحريني يعتبر الأجود بين الجميع نظرا للخبرة والمهارة وجودة التربة التي نمتلكها”.

صناعة الفخار تواجه خطر الاندثار بسبب ظهور البدائل الأخرى والمصانع الضخمة وكذلك استغناء الناس عن الفخار في الكثير من نواحي الحياة

وتكمن مهارة الحرفي البحريني في معرفة نوعية الرمال والطين المستخدمين، وأكثرهما صلاحية من ناحية الجودة وسهولة التشكيل.

ويقوم صانع الفخار باختيار القطعة التي يريد تشكيلها ويحدد كمية الرمال التي سيستخدمها ثم يضعها على آلة “الجلخ” وهي دولاب مستطبل دائري يحرك بواسطة الرجل بشكل دائري.

والدواليب هي عجلة بدائية قديمة، وإن كانت مستمرة حتى الآن، حيث لم تقع عليها تعديلات ميكانيكية جوهرية، وتعد في الحقيقة آلة صانع الفخار البحريني الرئيسية، وبها يتم تشكيل مادته، إضافة إلى معدات صغيرة أخرى لا تخرج عن الخيوط وقطع من القماش والخشب أو الصفيح تتخذ أشكالا عدة، وبها يستطيع صانع الفخار أن يشكل منتجه، أو يزيل الزوائد منه، أو يزينه ويزخرفه بأشكال هندسية معينة.

أما الأمر الآخر الذي ميز صانع الفخار البحريني فيتعلق بتلك الأنامل الماهرة التي يمتلكها، والتي تمكنه من أن يحول قطعة من الطين الخالص ويشكلها من الخارج ويصبغها من الداخل لتصبح آنية أو عملا حرفيا محدد الملامح ذا جدران مزخرفة، والتي ينقلها بعد ذلك إلى ساحات تُصفف فيها تلك المنحوتات حتى تقوم أشعة الشمس بدورها في عملية التجفيف، وعلى إثرها تنقل للأفران البدائية ذات الدرجات الحرارية العالية، والتي تكسب المصنوعات الفخارية قوتها وصلابتها وربما جمالها وإبداعها الذي يدوم لسنوات وعقود.

للفخار بصمات واضحة تدل على جودته

وتنتج معامل صناعة الفخار العديد من الأشكال والمنتوجات، منها الأعمال الحرفية والزخرفية، والمباخر بأشكالها وأنواعها ومسمياتها، ولعب الأطفال التي اتخذت بعض الأشكال الحيوانية والخطوط الدائرية، فضلا عن أدوات وأواني حفظ الطعام والطبخ بأشكالها وطرائق استخدامها العديدة كتلك التي تدخل الأفران ويطبخ فيها مثل الجرة والبرمة والبستوكة والطنجرة والدلة وغيرها، وتلك التي تحمل الشمع وأخرى تُحفظ فيها الأموال، والأواني لحفظ الماء.

وأبدع البحريني القديم في صناعة الأواني الفخارية، ونظم أسواقا خاصة لبيع إنتاجه من المنحوتات الخزفية التي لم تزل تحمل رونقها وسرها إلى الآن، لا سيما من ناحية الألوان.

وتزداد مخاوف الحرفيين في هذه الصنعة التي تميز البحرينيين من اندثارها خاصة بعد أن بدأ الشباب البحريني يعزف عن تعلمها والحفاظ عليها.

ويقول الحرفي جعفر، “لقد كان للفخار حضور قوي في السابق إذ أنه كان يستخدم ضمن الأواني المنزلية والزينة والمعدات ويصقل كرموز تدل على الأشياء والأماكن”.

ويشير إلى أن هذه الصناعة تواجه خطر الاندثار بسبب ظهور البدائل الأخرى والمصانع الضخمة وكذلك استغناء الناس عن الفخار في الكثير من نواحي الحياة التي كان يستخدم فيها”.

ويضيف أن “الشباب بدأ يهجر هذه الصنعة إذ مع تقلص العائد من هذه الصناعة من الصعب إقناع الشباب بالعمل فيها لا سيما أنها من الحرف المتعبة والمضنية والتي تتطلب مهارة”.

ويوضح “إننا نعتمد حاليا على السياح وبعض الطلبات التي تأتي بها جهات معينة كالمتاحف والمعارض، ولكنها لا تكفي لتشجيع الشباب على البقاء”.

ويقول “كنا في السابق نعمل جميعا كأسرة في صناعة الفخار إلا أنني الآن بالكاد أقنع أحد أولادي بالبقاء في المصنع والإشراف على العمل”.

وتحاول الجهات المعنية بحفظ التراث والفنون في البحرين إلى العمل من أجل الحفاظ على ما تبقى من آثار لهذه الصناعة التقليدية أملا في منع اندثارها.

20