فخار عالي.. حافظ لهوية البحرين التاريخية والتراثية

قبل أن تطأ قدماك قرية عالي في البحرين يواجهك نصب كبير في مدخلها يجسد الصناعة التقليدية لحرفة الفخار التي اشتهرت بها هذه القرية خاصة والبحرين عموما، قام بتصميمه عضو اللجنة الأهلية الفنان محسن التيتون ضمن مشروع تطوير منطقة صناعة الفخار الذي تبنته اللجنة الأهلية بدعم من وجهاء القرية وشخصياتها.
الجمعة 2016/10/14
مهنة الأجداد في عهدة الأحفاد

المنامة - إذا كانت مدن الدنيا قد أدارت ظهورها لصناعة الفخار بعد التطورات التكنولوجية الهائلة التي اجتاحت العالم، فإن قرية عالي البحرينية ظلت متمسكة بهذه الصناعة التي يعود تاريخها إلى الآلاف من السنين.

وصحيح أن عدد العاملين في هذه الصناعة تراجع كثيرا كما تراجع عدد المصانع في هذه القرية بالذات، ففي الخمسينات من القرن الماضي كان عدد المصانع يقترب من الخمسين مصنعا ولكنه تراجع إلى ما بين 20 و30 في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وهو الآن يبلغ قرابة 7 مصانع فقط، ولكن هذه الصناعة مازالت تثبت وجودها ساعية إلى مقاومة أصعب الظروف.

المقبرة الأكبر في العالم

يرجع علماء الآثار والتنقيب تاريخ صناعة الفخار في البحرين إلى أيام حضارة دلمون العريقة التي كانت قائمة قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة، نظرا لما وجدوه من جرار أو بقايا جرار فخارية في المدافن الدلمونية، إذ كانت الأواني الفخارية ضرورية في حياة الإنسان ولا يمكن الاستغناء عنها لاستعمالها في الطبخ وحفظ الألبان والماء، وظلت ضرورتها قائمة إلى وقت قريب عندما غزت الأواني المعدنية والخزفية حياة البشر فأسقطت الفخار من عرشه وطردته من حياة الناس، لكن البعض من الناس لا يزالون يفضلون أواني الطين لاعتقادهم بأنها صحيّة أكثر من سواها.

لا يزال البعض يفضل أواني الطين لاعتقاده بأنها صحية أكثر من غيرها

عبدالنبي عبدالرحيم، وهو مدرس فنون سرقته مهنة آبائه وأجداده من مهنته الجديدة وورث عن أبيه مهنة صناعة الفخار، يقول لـ"العرب" إن قرية عالي اكتسبت اسمها من كثرة المرتفعات وعلو الهضاب فيها كحال جارتها الرفاع، إلا أن عالي تتميز بوجود مقبرة تاريخية كبيرة فيها وهي الأكبر والأقدم في العالم، إذْ كان أهل الجزيرة العربية والسومريون حكام العراق يدفنون موتاهم فيها لاعتقادهم بأن من دخل جزيرة أرادوس (الاسم القديم للبحرين) سوف يخلد حتى أقيمت مقبرة شاسعة. قرية عالي تشتهر بصناعة الفخار ممّا جعلها إحدى أهم المناطق السياحية والتاريخية في المملكة.

والواقع أن مصانع الفخار السبعة الحالية تقوم على مقابر تلك المقبرة الشاسعة، فكل تل من التلال المنتشرة في القرية تحته قبور يبلغ عمرها الآلاف من السنين.

وعندما أراد عبدالنبي توسيع مقبرة عائلته طلب من وزارة الثقافة السماح له بإزالة تل كبير كان يعترض التوسيع قيل له إن بإمكانه أن يزيل تراب التل ويخبرها بما يجد تحته، فوجد بناء عظيما تبيّن بعد التنقيب أنها مقبرة ملكية عظيمة بنيت بما يشبه أهرام مصر وبقطع حجارة كبيرة لا يستطيع 40 رجلا زحزحة الواحدة منها.

وقامت الوزارة بتسييج الموقع بعد أن قامت بإظهار البناء الذي كان يقبع تحت التل وأخذت ما كان يحتويه من آثار فخارية وغيرها لتعرضها في المتحف الوطني للبحرين، وضاعت على عبدالنبي بالتالي فرصة توسيع مقبرته العائلية، حيث يتناوب الحراس اليوم على هذا البناء لحراسته، وذلك على الرغم من أن محاولات حماية المدافن كانت قد واجهت معارضة من الأصوليين الدينيين الذين يعدّون المدافن غير إسلامية ودعوا إلى بناء بيوت إسكانية عليها.

فخار عالي يصارع من أجل البقاء

وتشير تقارير إلى أنه من ضمن 172 ألف تل أثري كانت تزخر بها البحرين لم يبق سوى ألف تل فقط.

ويصف عبدالنبي عبدالرحيم المنطقة التي كان خزافو عالي يأخذون منها الطين، بأنها كان لها شأن كبير في ما مضى، إذ كانت الأرض منخفضة بسبب أخذ الطين منها، فتتجمع فيها مياه الأمطار وتنبت على ضفافها شتى أنواع الزهور والأعشاب، فتصير في فصل الشتاء والربيع جنة غناء تحط فيها الطيور ويتجمع فيها عشاق الرحلات، وتقام حولها المخيمات وتصبح قبلة للسياح، وكثيرا ما كان الأهالي يصطادون الطيور في هذه المنطقة مثل الهدهد ودجاج عدي والبلابل والمداقية والسمن وغيرها.

ويؤكد كبار السن من أهالي قرية عالي، أن قريتهم كانت مليئة بأشجار النخيل والطماطم والبصل والباذنجان والقرع والباميا والباباي، والخضار الأخرى كالخس والرويد (اللفت) والبربير والبقل والطروح والجزر واللوز والبطيخ والمانغو وغيرها من المحاصيل الزراعية.

وإذا كان قسم من أهالي عالي يعملون في فلاحة الأرض وزراعتها لكثرة عيون الماء فيها والتي اندثرت الآن، فقد عمل بعضهم على الغوص وصيد اللؤلؤ، وآخرون يعملون أيضا في صناعة الفخار من مادة الطين التي كانوا يجلبونها من منطقة الرفاع المجاورة، وهو طين جيد، أما طين عالي فهو أقل جودة لكثرة الشوائب فيه وقلة نقاوته.

ملك الفخار

يعتقد عبدالنبي أن صناعة الفخار في البحرين بدأت في الاضمحلال والتدهور شيئا فشيئا، خصوصا بعد ظهور البترول الذي اجتذبت صناعته الأيدي العاملة وخصوصا من العاملين في صناعة الفخار وغيرها من الصناعات اليدوية الأخرى، وبذلك أصبحت صناعة الفخار لا شأن لها من حيث الأهمية الاقتصادية.

المنتوجات الفخارية تسوق إلى جميع دول الخليج العربي ويشتريها سياح أوروبا والغرب الذين يزورون عالي

ويقول إن والده الراحل عبدالرحيم عبدالعزيز ظل الوحيد المتمسك بهذه الصناعة في وقت من الأوقات ثم عاد ستة من الصناع الآخرين ليفتحوا مصانعهم ويستأنفوا العمل فيها، وعندما توفي في العام 1977 منحته الدولة لقب “ملك الفخار” لما بذله من جهود في تطوير هذه الحرفة الفنية اليدوية واستحداثه لأساليب تشكيل وإنتاج وزخرفة استفاد منها الحرفيون والفنانون العاملون في هذه الحرفة.

وفتح عبدالنبي في مصنعه معهدا تدريبيا للحرفيين والأطفال للحفاظ على هذه الحرفة العريقة لكي لا تندثر، ويقول إنه وجد في تركيا وبلدان أخرى معاهد تدريبية كبيرة لتعليم الراغبين وإن اهتمام تلك الدول بصناعاتها الشعبية ومنها الفخار درّ عليها دخلا قوميا كبيرا. وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم في البحرين اتجهت إلى تدريس فن الخزف في معظم مدارسها، إلا أن عبدالنبي يرى أن ذلك غير كاف للحفاظ على هذه الصناعة.

عوائق تمنع التطوير

صاحب مصنع آخر هو زكريا جعفر محمد تحدث عن العوائق التي تواجه صناعة الفخار محذرا من اندثارها إذا لم تمد الدولة يدها وتذلّل تلك العوائق ومنها الطين والكيروسين والأرض والكهرباء.

فالكيروسين المستخدم في أفران الخزف والذي يستهلك كل مصنع منه 20 برميلا شهريا كان سعر البرميل الواحد منه خمسة دنانير (13 دولارا) وارتفع فجأة إلى 24 دينارا (63.6 دولارا).

نصب من الفخار صممه الفنان محسن التيتون يستقبل زوار عالي

وعلى الرغم من أن الشيخة مي بنت محمد آل خليفة وزيرة الثقافة كانت قد طالبت وزارة النفط منذ ستة أشهر بضرورة أن تتمتع مصانع الفخار بالدعم الذي تتمتع به أفران الخبز، إلا أنه لا رد على مطلبها إلى الآن، أما الكهرباء فهو يحسب لمصانع الفخار كما يحسب للمصانع الكبرى، وهو ما يحد من تطوير هذه الصناعة وإدامتها، كما أن الأرض التي أقيمت عليها مصانعهم هي في الأساس أرضهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم إلا أن الدولة وضعت يدها عليها، ثم وعدت بأن تزودهم بسندات تمليك، وهم ينتظرون هذه السندات منذ مدة.

أما بخصوص مشكلة الطين، فيقول زكريا، إن أصحاب المصانع لا يستطيعون تأمينه بسهولة بسبب القيود التي تضعها البعض من المجالس البلدية، واصفا الطين المستخدم في صناعة الفخار بأنه طين خاص، هو تراب أحمر مشبّع بماء المطر لا الماء العادي، يؤخذ من منطقة خاصة بعيدة عن النخيل أو المساكن، وبعيدة أيضا عن وطء الأرجل أو وصول الناس أو الحيوانات أو السيارات، ويجب أن تكون الأرض قد تشبّعت بماء المطر بصفة كافية، بحيث أن المطر بقي فيها مدة من الزمن حتى تتحوّل إلى “كتل” طينية صغيرة، ثم تكون قد جفّت من المطر في ما بعد.

ويؤكد أن أجود أنواع الطين هو الأسمر والأحمر والأبيض الذي يجلب من التلال المحيطة بالرفاع، إذ يقوم الحمّال بضربه وطحنه ووضعه في الماء لتصفيته لمدة ساعات، ثم بعد ذلك يمر بعملية التشكيل بوساطة الحرفيين لإعطائه الشكل المرغوب فيه.

ولا ينكر زكريا جعفر محمد أن منتوجاتهم الفخارية تسوق إلى جميع دول الخليج العربي ويشتريها سياح أوروبا والغرب الذين يزورون عالي، ولكنه يشكو من أن الشركات السياحية ليست كلها تضع زيارة قرية عالي ضمن برامجها.

متحف الطين

ويطالب عبدالنبي بجعل قرية عالي محمية أثرية وتراثية كما يدعو لتحويلها إلى قرية سياحية وتصميم مصانعها تصميما جديدا وبناء معهد كبير لتدريب الحرفيين والأطفال على هذه الصناعة لتجنيبها من الاندثار والزوال بصفتها استثمارا يستفيد البلد منه ولكنه في حالة إهمال الآن.

وكانت وزارة الإعلام البحرينية قد اعتمدت فكرة مشروع "متحف الطين" الذي تقدم به المواطن محمد عاشور قبل مدة قصيرة، حيث تقوم فكرة هذا المشروع على عملية تطوير مصنع نداء للفخار وتحويله إلى متحف ومصنع تحت اسم "متحف الطين" ضمن خطة مبرمجة يتم إعدادها بالتعاون والتنسيق مع إدارة الآثار والتراث الوطني وإدارة السياحة في وزارة الإعلام، ليحتوي المتحف على أربع صالات إحداها للعرض السينمائي، إلا أن المشروع صرف عنه النظر بعد الأزمة الاقتصادية التي سببها انخفاض أسعار النفط.

20