فخامة الرئيس وياه

الأحد 2017/10/15

لو كان هناك مجلد فخري يجسم الإنجازات الرائعة والخالدة لبعض نجوم كرة القدم الأفارقة لتمّ وضع كل من المالي فريديريك كانوتي والليبيري جورج وياه في مقدمته، وهنا لن نتحدث عن الإنجازات داخل المستطيل الأخضر وفي ملاعب أوروبا فحسب، بل لما قدمه هذا الثنائي من خدمات اجتماعية رائدة وهادفة.

فالمالي كانوتي بقي إلى اليوم، رغم اعتزاله اللعب منذ سنوات، ملهما وقائدا ليس في بلاده فقط، بل في عدة أماكن في المعمورة بفضل أعماله الخيرية ومساهماته الفعّالة في مكافحة الفقر والجوع والمرض والأميّة ومساعدة المعوزين.

لكن رغم هذه المكانة العالية التي احتلها كانوتي أفريقيا وعالميا إلاّ أن “مستر” جورج تفوّق عليه وعلى الجميع في مجال الأنشطة الاجتماعية والخيرية وحتى السياسية بأشواط، وربما بـ”سنوات ضوئية”، إن صحت العبارة، فـ”المستر” لم يعد أستاذا وقائدا عاديا وملهما فقط، بل يوشك أن يتولى رئاسة بلاده في مهمته الأكثر خطورة وحساسية في حياته.

وياه بات على بعد خطوات بسيطة وعلى مسافة وشيكة من الزمن كي يتم تقديمه رئيسا جديدا في بلاده بعد أن بيّنت النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية في ليبيريا تقدمه بفارق كبير عن أقرب ملاحقيه، وسيكون قريبا جدا “فخامة الرئيس” الذي دعّمه كل الفقراء والمستضعفين في البلاد ومنحوه كل أصواتهم وثقتهم من أجل انتشال هذا البلد من شبح الحروب الأهلية التي كادت تدمر كل شيء هناك.

هذا هو وياه الذي لم يتغيّر رغم تعاقب السنوات وتغيّر الوضعيات، وربما نحتاج فعلا إلى مجلد فخري لاستعراض كل إنجازات ومبادرات هذا اللاعب الوحيد الذي منح أفريقيا شرف الحصول على جائزة أفضل لاعب في العالم.

وياه البالغ حاليا 51 سنة والذي عانى طويلا في سنوات طفولته من الفقر والخصاصة وكذلك من بطش بعض الحكام الظالمين في بلاده، شقّ طريق المجد والنجاح والعالمية في عالم الساحرة المستديرة، خطوة ثابتة تليها خطوة ثانية أكثر ثباتا، لقد كان لاعبا ألمعيا وموهوبا في بلاده عندما كان في مقتبل العمر، فتألق وقدّم عروضا رائعة للغاية فتحت أمامه كل حصون أوروبا من بوابة فرنسا، وتحديدا مع نادي موناكو الذي عرف معه تألقا لافتا.

هذا التألق تواصل لسنوات عديدة وعبر تجارب مختلفة، فلعب وأبدع مع باريس سان جيرمان وميلان وتشيلسي ومانشستر سيتي ومرسيليا، وقدّم خلال كل هذه المراحل عصارة موهبة كروية فذة ونادرة قلّ ما يجود بها الزمن، فحقّ له أن يلقب بـ”مستر جورج” الرائع.

لكن الأكثر من كل هذا أن الخيط الرفيع الذي ربط بين مختلف هذه التجارب والمراحل في مسيرة اللاعب الأفضل أفريقيا خلال حقبة التسعينات من القرن الماضي، أنه كان لاعبا يحمل أفكارا ثورية، فهو صاحب قضية إنسانية راقية تهدف للنهوض ببلاده التي رزحت طويلا تحت وطأة الحروب الأهلية المدمرة.

ربما قد يتذكر البعض كيف كان لمنتخب ليبيريا تأثير ووزن في الخارطة الكروية الأفريقية، ففي تصفيات مونديال 1998 كان هذا المنتخب قريبا من التأهل بعد أن قدّم عروضا جيدة بقيادة نجم النجوم وياه، لكن سحر هذا الرجل لم يكن فقط بسبب تألقه اللافت على الملاعب، بل لأنه تحمّل عبء توفير كل الإمكانيات أمام منتخب بلاده وتولى دفع كل المصاريف طيلة سنوات عديدة، لم يكن همّه فقط النجاح الرياضي، بل يكمن جوهر قيادته لمنتخب بلاده في إسعاد شعب ليبريا ولو ببعض النجاح الرياضي. مرّت السنوات وتقدّم وياه في العمر، مرّت كلّ اللحظات التاريخية الرائعة التي عاشها “المستر” عندما كان لاعبا لا يشقّ له غبار، لكن لم تمرّ أبدا تلك الرغبة الجامحة في تغيير المشهد الحزين الذي عاشته ليبريا، فحتى بعد الاعتزال ظلّ وفيا مثل عادته لمنتخب بلده فوفّر له الدعم على مدى عقود.

والأهم من ذلك أن مشاريعه وأعماله الخيرية لم تنته، بل العكس حصل، إذ بات لديه كل الوقت لإنجاز حلم حقبة الطفولة التي حلم خلالها بأن يصبح يوما ما بطلا قوميا يخرج بلاده من مستنقع الحروب والمشاكل الاجتماعية والسياسية خاصة.

دخل “المستر” منذ سنوات معترك الساحة السياسية، ورأى في نفسه مثلما رأى أغلب مكونات الشعب الليبيري أنه ربما يكون المخلّص والمنقذ من المشاكل والأزمات، وبعد أن خبر المعترك السياسي لعدة سنوات عقد العزم على أن يكون “فخامة الرئيس”.

كاد ينال مراده في الانتخابات الرئاسية السابقة، لكن بعض الأصوات القليلة جعلت الحلم يتأجل بعد أن حلّ ثانيا في الانتخابات السابقة، غير أنه لم يرم المنديل وبقي الحلم قائما.

لم يدم انتظاره طويلا، بل استغلّ السنوات الأخيرة للقيام بالمزيد من الأعمال الخيرية والمشاركة في صناعة القرار السياسي في بلاده، قبل أن يفتح الباب أمام انتخابات رئاسية جديدة أكدت نتائجها الأولية أن “المستر وياه” قد يكون في طريق مفتوح نحو تحقيق المبتغى والوصول إلى كرسي الرئاسة الذي قد يمكنه من تجسيد أفكاره الثورية والمساهمة في إعادة ليبيريا إلى المسار الصحيح.

في الماضي كان وياه “المستر” أستاذا موهوبا أبهر كل العالم بمهاراته العالية، أما اليوم فقد يغدو “فخامة الرئيس” الذي سيغيّر ملامح ووجه بلاده مثلما فعل سابقا مع منتخب بلاده عندما تقدم من أسفل الترتيب العالمي إلى مكانة عالية ضمن منتخبات القارة السمراء.

كاتب صحافي تونسي

23