فخرالدين المعني الثاني ومغامرة السياسة وبناء الدولة

السبت 2014/08/09
اللبنانيون رأوا في المعني رجل الدولة العربي الموحد

يقول الشيخ أحمد الخالدي الصفدي كاتب سيرة فخر الدين المعني الثاني: “كان سليم الصدر، صافي السريرة، متواضعا، بشوشا، مهابا، جليلا، ذا عطاء جليل، قوي العزيمة، شديد الحزم، حسن التدبير، يعطف على الغني ويحنو على الفقير. في حلبة الطعان عبوسا، هيوشا، حليما عند الغضب، ما سُمعَت عنه ومنه كلمة فاحشة قط. يصغي إلى المظلوم فينصفه من ظالمه ويرثي لحاله، فيكون له خير راحم.” إنه فخرالدين المعني الثاني، الذي امتدت إمارته من العريش المصرية جنوبا إلى كيليكيا السورية شمالا، وفي عصر ذروة قوة امبراطورية آل عثمان.

عاش ثلاثة وستين عاما، كل دقيقة فيها تُحسَب. كان ذلك بين 1572 و 1635، وما أدراك ما هذه الأعوام! إنها سنوات شكسبير والنهضة الأوربية.

كان فخر الدين سياسيّا داهية، فقد استطاع أن يمد إمارته لتشمل معظم سوريا الكبرى، ويحصل على اعتراف الدولة العثمانية بسيادته على كل هذه الأراضي، على الرغم من أن الدولة في ذلك الوقت كانت لا تزال في ذروة مجدها وقوتها ولم تكن لترضى بأي والٍ أو أمير ليُظهر أي محاولة توسع أو استقلال أو ما يُشابه ذلك. تحالف فخر الدين خلال عهده مع دوقية توسكانا ومع أسبانيا، وازدهرت البلاد طيلة أيامه وكثرت فيها أعمال التجارة مع أوروبا والدول المجاورة، وعاش الناس في رخاء وراحة، إلى أن عادالسلطان العثماني مراد الرابع ليرى بأن فخر الدين يُشكل خطرا على السلطنة بعد أن ازدادت سلطته وذاع صيته في أرجاء الدولة وتحالف مع أوروبا، فأرسل حملة عسكرية تمكنت من القبض على الأمير وإرساله إلى إسطنبول حيث أعدم.


قطب الرحى


في وقت تسعى بعض الفئات أو المجموعات أو الديانات النأي بنفسها أو التبرؤ من شخوص أو قادة بسبب سيرهم وأفعالهم الشائنة، يختلف المؤرخون في دين الأمير واصله، ولم يكن سبب ذلك الإختلاف إلا سعي مختلف الفئات والديانات إلى جذبه صوبها وادعائها وافتخارها إنه أحد أبنائها.

الكاتب عزيز الأحدب يقول إن السنّة يرون فخرالدين واحدا منهم لالتزامه بشعائرهم وبنائه جوامعهم، والموارنة يتحدثون عن رفعه الحيف عنهم، فهم كانوا حوله وفي جيشه مقاتلين ينصرونه، حيث أحسن مثوى المسيحيين المظلومين فاعتزوا في أيامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة والزنانير المزركشة، وسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس … وكان كل ذلك محرما عليهم من قبل. أما الدروز فلم يجدوا عناء في إثبات درزية الأمير المعني، فالأمير ولد من أبوين درزيين وعاش بين قومه الدروز وبقي درزيا حتى وفاته. باختصار، رأى فيه لبنانيو اليوم درزياً بالولادة ومسيحيا بالحماية ومسلما في بناء الجوامع، إنه رجل الدولة العربي الموحد.

تحالف فخر الدين خلال عهده مع دوقية توسكانا ومع أسبانيا، وازدهرت البلاد طيلة أيامه وكثرت فيها أعمال التجارة مع أوروبا والدول المجاورة


إنشاء الإمارة


منذ أن تولى فخر الدين الحكم شعر أن لبنانه أي الشوف ليس كل وطنه، وأنه لن يتمكن أبدا من بناء وطن كبير ما لم ينهج نهجا معاكسا لنهج السلطنة التي حكمت بسياسة “فرق تسد”. ولكي يتمكن من إعادة الوحدة للمقاطعات العثمانية وولاتها، فما يجمع أهل تلك المناطق أكبر بكثير مما يفرقهم. لقد أراد أن يكون بسمارك وغاريبالدي قبل أن يأتي أي منهما إلى الحياة، ففي عام 1623 وبعد ضم طرابلس استطاع لبنان -فخر الدين أن يمتد شمالا حتى طوروس- أمانوس على حدود تركيا حاليا، وجنوبا حتى العقبة والعريش في مصر حاليا، وإلى مناطق على تخوم دمشق، ومنطقة تدمر حيث بنى قلعتها وصولا إلى مناطق في حلب وحمص وحماة ومعان في الأردن اليوم.


من الإمارة إلى الدولة


نظّم فخر الدين جيشه على أحدث الأساليب التي عرفها القرن السابع عشر، مستعينا بخبراء استدعاهم من فرنسا وتوسكانا، وزوّده بأسلحة جلبها من أسبانيا. كان جيش فخر الدين نوعين: وطني، ومرتزقة. وهذان النوعان هما عماد الجيش النظامي. كان في وسع فخر الدين، زمن الحرب، أن يجهّز أكثر من سبعين ألفا. وإلى جانب هذا الاستعداد العسكري في عدد الجنود الوافر، وإلى الشجاعة التي اتصفوا بها في القتال، فقد كان لبسالة الأمير وعنفه في المعارك، أثر كبير في انتصاراته التي حققها.

وكي يضبط سجلات الإدارة، أمر بوضع سجلات تضم أسماء المواطنين الذكور القادرين على حمل السلاح، وسجلات بعدد البساتين وأشجارها المثمرة، وسجلات بعدد الحيوانات والمواشي الموجودة في كل قرية. وعلى أساس هذه السجلات تُفرض الرسوم والضرائب. واختار للمناصب السياسية والإدارية والعسكرية رجالا أذكياء مخلصين من غير أن يلتفت إلى طوائفهم. في التعليم، شعر الأمير، بعد عودته من إيطاليا، بضعف التعليم وقلة المتعلمين في بلاده، فشجع على إيفاد عدد من التلاميذ الموارنة إلى روما، ليتعلموا اللغات الأجنبية والعلوم العالية، ويعودوا إلى لبنان، فينشروا ما تعلموه بين الناشئين. وقد توالت بعثات الطلاب في عهده إلى إيطاليا، وكثر أفرادها، وبلغوا مراتب عالية في العلوم التي تخصصوا فيها. وعاد عدد كبير من بعثات الطلاب إلى لبنان، وأنشأ العائدون مدارس للأحداث، وأسس بعضهم مطبعة في دير قزحيا، قرب طرابلس سنة 1610 وهي أول مطبعة في لبنان، بل في الشرق العربي كله.

السنّة اللبنانيون يرون في فخرالدين واحدا منهم لالتزامه بشعائرهم وبنائه جوامعهم، والموارنة يتحدثون عن رفعه الحيف عنهم أما الدروز فلم يجدوا عناء في إثبات درزية الأمير

كان فخر الدين محبّا للبناء والعمران، كما كانت ظروف حياته العسكرية تفرض عليه الاهتمام بإقامة الحصون والأبراج، وتحسينها وتطوير هندستها، فلمّا سافر إلى إيطاليا ورأى القصور الجميلة والقلاع المنيعة والحدائق المنسقة، ازداد اهتمامه بالناحية العمرانية، ورغب في تطويرها في بلاده لتخدم مصلحته العسكرية زمن الحرب، وليُمتع نفسه بجمال القصور والحدائق زمن السلم والاستقرار. وقد عهد فخر الدين إلى الخبراء والمهندسين الإيطاليين الذين جاء بهم من توسكانا بمهمة تصميم مشاريعه العمرانية وتنفيذها. من أهم المشروعات التي نفذها المهندسون الطليان، عدد من الجسور كانت ضرورية لتنقل الناس والجيوش بين المناطق، وقد كثر حديث الرحالين عنه لما فيه من فن وجمال. وكان لإقامة سُبل المياه أهمية خاصة في المدن، لأن مياه الشرب لم تكن تصل إلى البيوت.


اقتصاد الدولة


كانت الحياة الاقتصادية مزدهرة خلال عهد فخر الدين الثاني، وقد ساعده هذا على تحقيق أهدافه السياسية، فقد استطاع أن يستغل ثروة بلاده الزراعية والصناعية لتسديدالضرائب المفروضة عليه للدولة العثمانية، ولإرضاء رجال الدولة العثمانية وولاتها بالهدايا الثمينة، ولإقناع دولة توسكانا بمحالفته ومعاونته، ولكي يتمكن أخيرا من الإنفاق على جيشه وموظفيه وتوطيد أركان إمارته، وشجّع فخر الدين الزراعة ودعا إلى تحسينها، واستقدم الفلاحين من إيطاليا لتدريب الفلاحين اللبنانيين على أساليب زراعية جديدة من شأنها أن تزيد في الإنتاج وأن تسرع في إنمائه، فازدهرت التجارة في عهد فخر الدين الثاني، بسبب انتشار الأمن ونمو القطاع الزراعي ونشاط الصناعة.


في وجه العثمانيين لا بد من أوروبا


خرج الصليبيون من الشرق ولكنه بقي معششا في نفوس الأوروبيين. فرديناندو الأول دي ميديشي، دوق توسكانا كان في مقدمة الأمراء الأوروبيين الذين كانوا يتابعون أحوال الدولة العثمانية وولاياتها، أراد أن يوثق روابط تجارته بالشرق ويوطد فيه نفوذه. وكان التجار التوسكانيون منذ سنة1602 يحاولون الإقامة في طرابلس، ولكن سوء سياسة ابن سيفا ومزاحمة تجار البندقية للتوسكانيين أرغماهم على الانسحاب منها. وكان فرديناندو الأول قد اتصل بوالي حلب علي جانبولاد وعقد معه معاهدة تجارية حربية، ولكن انهزام جانبولاد أمام الجيش العثماني لم يتح لهذه المعاهدة أن تُنفذ . كان عقل الداهية فخرالدين يراقب كل ذلك ويحوّله إلى خطط مستقبلية تقوي وتثبت ركائز دولته ضمن التجاذبات والاهتزازات.

توالت بعثات الطلاب في عهده إلى إيطاليا، وكثر أفرادها، وبلغوا مراتب عالية في العلوم التي تخصصوا فيها. وعاد عدد كبير من بعثات الطلاب إلى لبنان


أول معاهدة مع أوروبا


أوفد فرديناندو الأول، سنة 1608 بعثة إلى الأمير فخر الدين برئاسة سفيره “هيبوليت ليونشيتي” تحمل إليه ألف بندقية وبعد أن استقبل فخر الدين البعثة في قصره في صيدا، بحضور القنصل الفرنسي بصيدا، الذي كان يتولى الترجمة تمّ الاتفاق بين الفريقين على التعاون ضد الدولة العثمانية بحيث يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين خبراء في صب المدافع وبحيث يستحصل فرديناندو الأول من البابا على براءة يأمر فيها مسيحيي لبنان أن يقفوا مع فخر الدين في الحروب القادمة ضد العثمانيين. وبحيث يتم تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي والسياسي بين الفريقين.


تآمر الوكلاء


ما لبثت الدولة العثمانية أن اطلعت على تفاصيل المعاهدة، من جواسيسها ومن بعض التجار الأوروبيين، ثم تأكدت منها بعد تكاثر المراكب التوسكانية في ميناءيّ صيدا وصور. قلقت الدولة العثمانية من نشاط الأمير فخر الدين، وقررت أن تضع حدا لمطامحه. وكان آل سيفا من ناحيتهم، لا يستقرون على حال وهم يرون نفوذ الأمير المعني يتسع وعلاقاته تمتد إلى الخارج، فاتصلوا بالوالي العثماني الجديد في دمشق وأوغروا صدره عليه، بسبب سياسته المعادية للسلطان ولاتصاله بالدول الأوروبية، التي ترسو سفنها في صيدا وصور من غير استئذان الباب العالي.

حذّر الوالي فخر الدين من استمراره في التعاون مع الدول الأوروبية، فنشأت بينهما خصومة عنيفة فعزل الوالي شيخيّ سنجقيّ حوران وعجلون وهما من أنصار فخر الدين. ولكن فخر الدين أعادهما إلى منصبهما عنوة، فغضب الوالي لهذا التحدي، وعزم على البطش بفخر الدين، ووافق نصوح باشا الصدر الأعظم على خطة والي دمشق، وأمده بجيش برّي، يدعمه الأسطول العثماني من البحر.


نهاية رجل شجاع


زحفت جيوش الوالي من دمشق ومعها رجال حسين سيفا، ابن يوسف سيفا، نحو أراضي الأمير المعني. واستطاعوا أن يسيطروا على الموقف، وبدأ الجنود الإنكشاريون يعتدون على القرى والحقول. وكان الأمير خلال ذلك، ينتقل مع جنوده من حصن إلى حصن، من غير أن تتمكن القوات الغازية من التغلب عليه. فرض الأسطول العثماني حصارا على المرافئ اللبنانية، ليمنع الإمدادات من الوصول إلى الأمير. وبدأ البحارة العثمانيون ينزلون إلى البر ويعتدون على أراضي الإمارة.

عندئذ دعا الأمير فخر الدين أنصاره إلى اجتماع يُعقد في الدامور، فلبّى دعوته الأمراء المعنيون، والتنوخيون، ومشايخ المقاطعات، والمقدمون، وآل الخازن، وطلب إليهم أن يجددوا قواهم لقتال حملات الوالي ولكن ما وصفوه من الأهوال التي نزلت بأتباعهم وممتلكاتهم، دفعه أن يقرر مغادرة البلاد، ويترك لابنه عليّ زمام الحكم، على أن يُعاونه عمه الأمير يونس، شقيق فخر الدين الأصغر.


دولة عربية لا يسمح لها بالحياة


وحدة بلاد الشام ليست طارئة، وشعوبها واحدة وخطوط سايكس بيكو المستقيمة وغير الطبيعية لم تقم كيانات قابلة للعيش، فالتقسيم على خطوط إثنية أو عرقية متوهمة حمل بذرة فشله بداخله، وما كان إلا قنابل موقوتة تنفجر عند اللزوم، ومن أوكلت إليه قيادة هذه الجغرافيا لم يكن إلا منفذا لسيادة “فرق تسد” التي قاتلها فخرالدين العربي الصميم الموحد إيمانا وسياسة ونهجا.

13