فخري صالح: المقدمات الفكرية للثورات العربية وضعها الأدباء والشعراء

الأحد 2013/11/17
فخري صالح: "هاجس المسجد" أعمى العيون عن مفاسد النظام

عمان – يعتبر فخري صالح من النقاد الادبيين العرب المعروفين، ولد في اليامون/ جنين عام 1957، حصل على بكالوريوس أدب إنجليزي وفلسفة من الجامعة الأردنية عام 1989، وكان قد درس أربع سنوات في كلية الطلب في الجامعة نفسها ولم يكمل لكونه رأى أن مشروعه النقدي لا يحتمل رفيقاً آخر كالطب، وهو رئيس جمعية النقاد الأردنيين الحاصل على جائزة فلسطين للنقد الأدبي عام 1997، كان قد عمل مراسلاً في الصحافة الثقافية العربية، وسكرتيراً للتحرير ومديراً للتحرير ومحرراً في عدد من المجلات والصحف.

التقته "العرب" في حديث عن حال الثقافة العربية الراهن وعن موقف المثقف العربي من الحراك الشعبي في العديد من دول المنطقة.

يظن فخري صالح أن المشكلة الأساسية التي عانت منها الانتفاضات والثورات العربية التي حدثت خلال السنوات الثلاث الماضية هو عدم وجود رؤية ثقافية فكرية تسندها، رغم أنه لا يصف هذه الحركات الجماهيرية بالعفوية التامة لأن من قام بها شباب بدؤوا يحسون بأن المستقبل لا يجيء وأنهم مهمشون في حسابات السلطات العربية الفاسدة المستبدة، وهو يعتبر أن سبباً من أسباب تعثر هذه الانفجارات الثورية في العالم العربي يكمن في غياب تصور للمستقبل، وغياب أسس تصورية للكيفية التي سيصبح عليها العالم العربي بعد إسقاط الأنظمة التي تهتكت واهترأت إلى الحدّ الذي جعلها حجر عثرة في طريق المستقبل، ويمكن القول أن الجيل الشاب الذي تدفق إلى شوارع العالم العربي بدءاً من تونس ومصر وسوريا ليبيا واليمن وحتى بعض عواصم الخليج العربي /البحرين/ كان يعيش الآن، ولم يكن لديه فكرة واضحة عما يمكن أن يحصل بعد أن تسقط الأنظمة.

حنا مينه ينتمي إلى الطبقات الأفقر لكنه يملك تصورا مثاليا حول دور المثقف الرسوليّ في المجتمع


المثقف والسلطة


وعن فعل هذه الأنظمة المستبدة تجاه المثقف العربي فهو يؤكد أن المثقف المدني الحداثي لم يكن بمعزل عن عمليات التهميش التي قامت بها السلطات العربية على اختلاف أشكالها وانتماءاتها، حيث قامت السلطة إما بإسكاته أو باستتباعه أي جعله جزءاً من آلة النظام والسلطة يدافع عن سوءاتها وعارها في تكسير المجتمع والحد من اندفاعه نحو المستقبل، ويبدو له أنه في هذا المفصل بالذات من علاقة المثقف العربي بالسلطة يقيم فشل المثقف في التأثير على أحداث العالم العربي خلال ما أطلق عليه الربيع العربي،وهذا المثقف برأيه تنكر لدوره التنويري الاجتماعي السياسي أو أنه أرغم بالقوة والبطش على الانسحاب إلى شرنقته الداخلية لهذا وجد الشباب أنفسهم مندفعين في الشوارع والميادين حاملين شعارات الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية من دون أن يكون هناك تصور يتمتع بالوضوح إلى حدّ ما لمحتوى هذه الشعارات.

وعلى الرغم من الرأي السابق فان صالح يرى أن المثقف العربي دون أي شكّ قام بالتأسيس الفكري والثقافي لهذه الثورات والانتفاضات التي اجتاحت شوارع العالم العربي وميادينه ويضيف: من الصعب أن نحرم المثقف العربي من دوره الفعلي في تهيئة المجتمعات العربية للتقدم والالتفات إلى المستقبل فهو من خلال كتاباته وصف الأوضاع التي أدّت الى الأحداث التي حصلت خلال السنوات الثلاث الماضية فنحن في عدد كبير من الأعمال الروائية والقصصية والشعرية وحتى الكتب الفكرية نعثر على وصف لما آل إليه العالم العربي خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية وقد شخّص الأدباء والمفكرون منذ سنوات آليات عمل الاستبداد والاستحواذ على السلطة في العالم العربي وما لا يستطيع ان يعبر عنها المثقف بوضوح يعبر عنه على نحو رمزي، لكن ما يحجب ثمرات هذا التأسيس عن الفئات الشابة الطالعة في العالم العربي هو تقليدية المؤسسة التعليمية وانهيارها بل العمل على تخليدها، وبتناقص عدد القراء وانحسار الثقافة في مجتمعات بالكاد تحصل الأغلبية فيها على لقمة العيش، هنا نجد أن هناك انفصالاً بين المثقف والجماهير الواسعة العريضة ومن ضمنها الشباب فقد ازداد المثقف نخبويةً وتقوقعاً وانفصالاً عن المحيط السياسي والاجتماعي حوله بسبب تهميشه أو يأسه وعدم قدرته على التغيير. المثقف الذي كان في زمن الثورة على الاستعمار وفي حقبة ما بعد الاستقلال جزءاً لا يتجزأ من الكتلة السياسية التاريخية التي لها مصلحة في التغيير، لكن تغير طبيعة مصالح السلطة وتركيبة هذه السلطة في العالم العربي وتحول هذه السلطة إلى تحالف بين الحكم والعسكر وطبقة التجار الذين هم مجرّد فئة ميركانتيلية مستوردة لا تسهم في إنتاج حقيقي، طرد المثقف خارج الحلبة ما أفقده دوره السياسي الاجتماعي الوطني الذي حمله على عاتقه في مرحلة النهضة والاستقلال وكذلك في فترة صعود الحسَ القومي العربي.

من الصعب أن نحرم المثقف العربي من دوره الفعلي في تهيئة المجتمعات العربية للتقدم والالتفات إلى المستقبل


المثقف الرسولي


وحول علاقة المثقف السوري بالحراك الاستثنائي الحاصل في سوريا على مدى ما يقارب الثلاث سنوات نستذكر على سبيل المثال لا الحصر كل من الروائي حنا مينه الذي قال فيما مضى "أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين، فالكفاح له لذّته القصوى، …..وتجربتي منذورة كلها لمنح الرؤية للناس، ……، هذه التي هي الخطوة الأولى في المسيرة الكبرى نحو الغد الأفضل" والشاعر ادونيس الذي يعتبره فخري صالح رائدا في تيار التجديد الشعري، ونحاول تبين رأيه بمواقف كل منهما ازاء ما يجري في بلدهما سوريا وفيما اذا كان احدهما ربط شيئا من شعاراته في الثقافة والأدب والحداثة والتجديد بواقع الموت والدمار السوري الذي أكل الحاضر ويهدد بحرق المستقبل فيجيب: كلاهما مثالي في رؤيته وتصوراته فـحنا مينه كاتب طالع من قلب الطبقات الأشد فقراً في المجتمع السوري وانحيازه شديد الوضوح إلى هذه الفئات المسحوقة ورغم ذلك فإن لديه تصوراً مثالياً حول دور المثقف الرسوليّ في المجتمع وضرورة أن ينتمي إلى الفئات الممنوعة من الكلام والباحثة عن لقمة العيش الكريمة.


هاجس المسجد


ويتابع: أدونيس يأتي من عالم الأفكار التي يرى أنها قادرة على تغيير المجتمعات ويسقط تصوراته على الواقع المتحرك الذي لا يصمد كثيراً للتصورات النظرية،انه يحمل تصوراً علمانياً ديموقراطياً رؤيوياً وقد أضيف مثالياً للوجود العربي ولديه مشكلة وسواسية مع التركيبة المحافظة الدينية التقليدية بالمجتمعات العربية، ومشكلته الأساسية فيما يتصل برؤيته للثورة السورية هو أن هاجس الجماعات الدينية "هاجس المسجد يعمي عينيه عن مفاسد النظام السوري، لقد تخوّف منذ بداية الثورة السورية من خروج المظاهرات من المساجد، ونسي أو تناسى أن النظام أغلق المجتمع، والرئة الوحيدة التي تنفس منها الشعب السوري كانت المسجد،صحيح أن هذا لوّن الثورة السورية ظاهرياً بلون ديني إلا أن المكان الوحيد الذي كان في مقدور الناس أن يخرجوا منه هو الجامع أو المسجد، فالسلطة السورية والعربية عموماً كسرت المجتمع وهشمت عظامه بحيث لم يبقى أمام الناس سوى الله ليقيمهم من عثرتهم وينقذهم من التسلط والفساد واحتلال الروح من قبل سلطات عربية ازداد صلفها ووقاحتها إلى درجة التأله فأي مخرج بقي أمام الناس ليقولوا لهذا النوع من السلطات كفى ما عدنا نحتمل.

وفخري صالح متعاطف مع مخاوف أدونيس من الأخطار التي تمثلها التنظيمات الدينية الارهابية كالقاعدة والنصرة ودولة العراق والشام الإسلامية على مستقبل سوريا والمنطقة العربية عامّة ومتشائم من المستقبل الذي يرى أنه لن يكون وردياً إذا استطاعت هذه الجماعات أن تصل إلى السلطة أو أن تقيم دويلات على ما تستولي عليه من أرض سورية لكنه لا يظن أن أصابع النظام السوري الحالي بعيدة عن دفع هذه الجماعات إلى مقدمة المشهد،النظام الذي فصل فيه ادونيس بين حزب البعث ورأس السلطة.

ثم هاجم حزب البعث السوري بوصفه مؤسسة سياسية متكلسة متحجرة معادية للديمقراطية معتبراً (أي ادونيس) أن بشار الأسد قادر على التغيير إذا تخلص من هذا الحزب الذي يحكم سوريا لكنه نسي أن حزب البعث لا يحكم سوريا، ومن يحكم سوريا هم قلّة من أصحاب المصالح الذين يتغطون بشعارات قومية أصمّت آذاننا بحديث المقاومة والممانعة، يعشقون الرأسمالية فيما هم يسبحون بحمد الاشتراكية.

وفي النهاية يضيف فخري صالح "لا أريد أن أتهم أدونيس كمان فعل آخرون بأنه يضمر حساً طائفياً مذهبياً في تحليله للصراع، وأفضل أن أحسن الظن به، وأقول إنه خائف على سوريا وعلى مستقبلها، ولكن يبدو لي تصوّر أدونيس بعيداً عن التشخيص الحقيقي للصراع في سوريا وعليها.

16