فداء الحوراني رئيسة إعلان دمشق والانحياز إلى الفقراء

السبت 2014/06/07
فداء الحوراني تحمل نبالة الطب وحنكة السياسة

كانت الساعة الحادية عشرة ظهراً، ذلك الأحد الشتائي سنة 2007 لم تعرف فداء الحوراني الطبيبة الأربعينية أنها ستعتقل ذلك اليوم، فقد تلقت استدعاء أمنيا كسواها من المعارضين السوريين في عهد “الإصلاح والتحديث”، تلك الاستدعاءات الشهيرة التي صارت أكثر شهرة في عهد الديكتاتور الشاب والتي ارتبطت غالباً بدعوة لاحتساء فنجان قهوة في فرع المخابرات.


حماة تاريخ الثورة والمجزرة


اعتقلت فداء في مدينتها حماة، تلك التي عمرها خمسة آلاف عام لها ذاكرة حزينة كصوت نواعيرها الشهيرة، النواعير التي تبكي منذ مئات السنين الضحايا الذين سيقتلون في مجزرة أوائل الثمانينات من القرن الماضي .

وبعيداً عن التراجيديا فحماة مدينة يخترقها العاصي، تتوسط جبال مصياف الخضراء وبادية الشام، جارة حمص وإدلب واللاذقية، غنية بآثارها وبـ13 طبقة من العصور المتراكمة فوق بعضها كما تقول عنها بعثة أثرية أميركية. عدد سكانها مليون نسمة قبل الثورة، زاد عددهم بعد ثلاث سنوات بفعل هجرة عشرات الألوف من الجوار هربا من المجازر التي ترتكبها القوات الحكومية وميليشيات المرتزقة من لبنان والعراق.

الحمويون محافظون ذوو حميّة وصلابة، ومازالت علاقاتهم الاجتماعية قوية. وعلى الرغم من بساطتهم ونخوتهم الشهيرة ورفضهم الظلم – بل بسببهما على الأرجح – لم تتوقف الثورة منذ عقود في هذه الأرض، فمنذ أن انطلق البعث من حواريها وأريافها شهدت حماة مختلف أنواع التيارات السياسية التي تصارعت فيها، قبل البعث كان الشيوعيون والقوميون السوريون وبعده كان الناصريون، منها خرج الشيشكلي وسياسيون كثيرون، ولذلك غضب عليها النظام الأسدي فارتكب فيها مجزرة مروعة سنة 1982 راح ضحيتها ما يقارب الأربعين ألفا، بعد ذلك صمتت حماة ما يقرب من عقدين فذكرى المجزرة ترسخت في نفوس أهلها، تقول عنها فداء “لعبت دوراً في القضايا العربية، من خلال الرموز أو الأشخاص، أما كمدينةٍ أو كشعب فقد لعبت أدواراً مهمة في السياسة السورية. الحمويون أناس سياسيون بالفطرة ولهم موقف”، ويبدو أن ذلك كان محظوراً، فكان أن “ربّى” النظام سوريا بحماة".


البداية مع إعلان دمشق


قبل اعتقالها بأسابيع قليلة كانت فداء الحوراني العضو في إعلان دمشق قد انتخبت رئيسة للمجلس الوطني للإعلان، وكان الإعلان يومها شاغل الناس والحدث السياسي الأبرز في سماء سوريا، حتى أنه كاد يغطّي على تصرفات النظام، فقد كان لحظة تاريخية وحدثاً سياسياً فريداً من نوعه في تاريخ سوريا لأنه جمع أقصى اليسار بأقصى اليمين على ميثاق واحد يدعو لتغيير سورية قلباً وقالباً.

كان السوريون يعيشون جواً جديداً على سوريا، وكان واضحاً الحماس والإقبال على النشاط السياسي من خلال بقايا المنتديات وعشرات الجمعيات شبه العلنية التي بدأت بالنشاط، لقد تجدد الأمل في أرواح السوريين بعد ظلمة امتدت لعقود، هكذا كسر المناضلون السوريون الشجعان تاريخ الصمت والرعب فأقدموا بعد اتفاق بين رياض الترك وميشيل كيلو والبيانوني سنة 2005 على إعلان اتفاق مبادئ وقعه اثنا عشر حزباً سورياً من أحزاب المعارضة اليسارية مع حركة الإخوان المسلمين وأطلقوا عليه “إعلان دمشق” يطالب بـ”تغيير ديمقراطي جذري” في سوريا.

قبل اعتقالها بأسابيع قليلة كانت فداء الحوراني العضو في إعلان دمشق قد انتخبت رئيسة للمجلس الوطني للإعلان، وكان الإعلان يومها شاغل الناس والحدث السياسي الأبرز في سماء سوريا، حتى أنه كاد يغطي على تصرفات النظام، لأنه جمع أقصى اليسار بأقصى اليمين على ميثاق واحد يدعو لتغيير سوريا قلبا وقالبا

تشكّل المجلس الوطني لإعلان دمشق بداية كانون الأول، وانتخبت فداء الحوراني رئيسة له وذلك في مؤتمر رسمي حضره 163 ممثلاً عن أطياف المعارضة السورية. انتخبت السيدة فداء بالتوافق كـ”حل وسط بين التيارين القومي والليبرالي”، وكما يقول حسن عبدالعظيم “هي وطنية قومية من جهة وكذلك تأخذ بالمنطق الليبرالي ومقتنعة به. فكانت حلا وسطاً وتم التوافق عليها”.


اعتقال فداء اعتقال الحراك السياسي


لكن عقل النظام الأمني لم يستوعب هذه الخطوة التاريخية للمعارضة، فاعتقلت أجهزته إثنتي عشرة شخصية من الموقعين على إعلان دمشق هم إضافة للطبيبة الحوارني، الكاتب علي العبدالله والطبيب وليد البني والكاتب والأمين العام للمجلس الوطني أكرم البني والنائب السابق رياض سيف إضافة إلى أحمد طعمة وجبر الشوفي وياسر العيطي ومحمد حاجي درويش ومروان العش وفايز سارة وطلال أبو دان.

استدعيت الدكتورة الحوراني إلى فرع أمن الدولة في مدينة حماة حيث اعتقلت هناك أواخر العام 2007 وتمّ تحويلها إلى دمشق وفي تشرين الأول 2008 حكمت عليها محكمة الجنايات الأولى في دمشق بالسجن لسنتين ونصف السنة بتهمة “إضعاف الشعور القومي” و”نقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمّة”، وهما التهمتان اللتان درجتا في سوريا فأصبحتا أشهر من فنجان القهوة سيئ الذكر.

وفي مشهد يظهر معاناة الأمّ المعتقلة ومعاناة ابنها محمد، الشاب العشريني، نقلت فداء الحوراني من المحكمة إلى سجن دوما، تكتب رزان زيتونة المحامية السورية الأشهر – والتي ماتزال معتقلة منذ ما يقرب العام -: “يأتي دور سيارة سجن النساء.

تصعد السيدة الجميلة إلى الباص مع زميلات السجن! يندفع ابنها الشاب باتجاهها فتعترضه عناصر الشرطة. نزق الشباب يدفعهم للاندفاع نحو أمهاتهم، السيدات العنيدات المعتقلات، لخطف نظرة، دون أية مراعاة للقانون!”.

قضت فداء ثلاث سنوات ونصف في الاعتقال منها أربعون يوما في المنفردة رغم أنها كانت تعاني من أورام في البطن أبقتها فاقدة الوعي أسبوعين سنة 1996. وتمّ الإفراج عنها أخيراً في حزيران 2011.


"سيدة التآلف"


سيسميها المثنى شيخ عطية “سيدة التآلف” لإيجابيتها الإنسانية المشعة التي تتدفق كموجات أمومية حافلة بالاهتمام الصادق بالناس ولما تحمله هذه المرأة الوطنية البسيطة من رمز لجميع معاني تجاوز الخلافات والمصالح الضيقة والقلق والخوف داخل المعارضة السورية الوطنية الديمقراطية، نحو تغليب قضايا الوطن العليا على المصالح الحزبية الضيقة، والطائفية المدمّرة، والعشائرية المتخلفة، التي تفرضها سياسات الاستبداد بالفساد والإفساد لتفتيت المجتمع والسيطرة عليه قبائل وطوائف وشيعاً ومذاهب".

تحولت فداء الحوراني بعد اعتقالها إلى أيقونة سوريا، هي التي مارست مهنة الطب، وعملت في مشفى الحوراني فكان يطبّب القادمين من أحياء حماة الفقيرة ومن ريفها الأفقر، فكانت بحق أمّ الفقراء، هي القديسة –كما يصفها الدكتور عبدالرزاق عيد بعد اعتقالها- التي يقصدها الجميع لاسيما المرضى والفقراء.. تكتب صديقتها منهل السراج عنها قبل اعتقالها وقد زارتها مساء لتستحثها على المشاركة في الحراك العام: “تحدثت عن هلعها من جوع الناس، قالت: إن هناك من يأتي ليلاً إلى حاويات القمامة ويسرق حتى الحقن المستعملة التي ترمى من المشفى.. في الصباح، أخذت فداء مقشّة كبيرة وذهبت مع بعض الأصدقاء تكنس حديقة مهملة، وراح الناس يراقبونها من نوافذهم، مندهشين، وظلّوا فترة طويلة يتحدثون عن ابنة الحسب والنسب وهي تعلمهم أن الحلول بسيطة ويسيرة وبإمكان الجميع المساهمة فيها”. لهذا “فأكثر أمهات حماة اللواتي يتمنيْن لو أن الدكتورة فداء كانت كنَّة لهن..."

ولدت فداء الحوراني في دمشق ثم سافرت إلى العراق ودرست الطب البشري ونالت البكالوريوس من جامعة بغداد ثم عادت بعد سنوات إلى حماة لتؤسس مشفى الحوراني، وتفتحه لفقراء المدينة


نهج أكرم الحوراني


ولدت فداء الحوراني في دمشق عام 1956 ثم سافرت إلى العراق لدراسة الطب البشري ونالت البكالوريوس من جامعة بغداد ثم حصلت على اختصاص نسائية وتوليد عام 1982 وعادت بعد سنوات إلى حماة لتؤسس مشفى الحوراني، زوجها غازي عليّان الفلسطيني الذي بسبب انتمائه الفلسطيني طالبته السلطات الأمنية لاحقاً بمغادرة الأراضي السورية بما يشبه النفي.. علاقة فداء بحماة غير عادية فرغم أنها لم تولد فيها وبقيت بعيداً عنها حتى تخرجها من كلية الطب إلاّ أنها تنتمي إلى حماة من باب الشعور بالظلم “فحماة مدينة ظُلمت، وأنا مصممة “إنسانياً” أن أبقى متعاطفة معها، (حماة) مدينة حملت آلامها “ع الساكت” منذ 1982.” تقول فداء.

نشطت فداء في الحقل السياسي القومي فانتخبت عضو الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي. سارت على نهج والدها أكرم الحوراني، مؤسس الحزب العربي الاشتراكي، والسياسي الأشهر في سوريا والعالم العربي صانع الإصلاح الزراعي في الخمسينات وأبو الفقراء الذي كان يهزج له فلاّحو الجبل فيجعلونه بمصاف الأولياء والقديسين.

لفداء العديد من الكتابات والمقالات في الشأن العام بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية وقد أصدرت دراسة مقارنة تتعلق بالنظم الدستورية في سوريا منذ بداية الخمسينات و لغاية السبعينات.

فداء محبوبة كوالدها ومازالت تطرح أفكارا خلاّقة وتبتكر على خلاف الكثيرين، على سبيل المثال تدعو الدكتورة فداء السوريين لبناء تحالف عريض يضمُّهم جميعاً بدءًا من اليمين المتديّن حتى اليسار العلماني تحالف يؤمن بالديمقراطية والاختيار كطريقة حكم وتدعو لمنح السوريين سنوات خمس كمرحلة انتقالية قبل كتابة دستورهم الدائم كي يتعرفوا على بعضهم البعض، ولذلك يجب تهيئة القوى التي تؤمن بالديمقراطية مهما كان برنامجها، وتعتقد أن الاعتماد على دستور 1950 خلال هذه المرحلة أمر ممكن.

وهي كسياسية محنكة تدرك أبعاد الأمور وتلتفت إلى التفاصيل فلا تطلق أحكاما نهائية ومطلقة كما يفعل سياسيون سوريون كثر، يبدو ذلك في موقفها من مؤتمر جنيف 2 فهي تفرّق بين كون جنيف 2 لا يستوفي شروط نجاحه وبين الانسحاب من المفاوضات، وبين كل ذلك وبين انسحاب إعلان دمشق من الائتلاف، حيث تجب مراعاة خيار الائتلاف الذي يرغب بالتفاوض، لأن الانسحاب وفق الحوراني يضعف الائتلاف، وهو موقف السياسي الوفي الذي لا ينفرد بالقرار على حساب رفاقه أو حلفائه في المفاصل الهامة..

دعت الدكتورة فداء الحوراني السوريين لبناء تحالف عريض يضمهم جميعا بدءا من اليمين المتدين حتى اليسار العلماني، تحالف يؤمن بالديمقراطية والاختيار كطريقة حكم، كما طالبت بمنح السوريين سنوات خمس كمرحلة انتقالية قبل كتابة دستورهم الدائم كي يتعرفوا على بعضهم البعض، ولذلك يجب تهيئة القوى التي تؤمن بالديمقراطية مهما كان برنامجها


فداء والمشفى والثورة


بسبب وعي الحمويين المتراكم من المذبحة الأولى 1982، فقد كانوا خلال الثورة أكثر حذراً في التعامل مع العسكرة ولم ينجرّوا إليها كما حصل في غير مدينة سورية، تقول فداء إن “العسكرة” في 82 كانت غطاءً للنظام في المرحلة الأولى".

مع ذلك أصرّ النظام على اقتحام حماة رغم تظاهراتها السلمية ورغم تحذيرات أردوغان وغيره من تكرار المذبحة وزيارة سفيري الولايات المتحدة وفرنسا لها ربما كمحاولة لمنع وقوع مجزرة في حماة، وحين علم الحمويون أن قوات الأمن الأسدي تتجه إلى مشفى الحوراني لخطف المصابين والمرضى طوقوا المشفى لحماية المصابين ومنع خطفهم، كان ذلك أواخر أيار 2011 يومها تحدت الدكتورة فداء والمتظاهرون الأمن السوري وقالوا لهم “تريدون الجرحى.. تفضلوا وخذوهم إن استطعتم”، كانت حماة كلها مستنفرةً على أبنائها وأولادها، تقول فداء “أذكر في جمعة “أطفال الحرية” مشهداً لن أنساه في حياتي، حيث كان هناك ستة وثلاثون شهيداً وكانت الدماء في كل مكان ووصلت إلى أبواب المشفى”.. لكن مع بداية الحملة العسكرية في رمضان من ذلك العام 2011 تم استهداف المشفى بعمليات المداهمة وخطف الجرحى أحيانا، وقطع الوقود عنه بعد قطع الكهرباء مما أدّى إلى مجزرة بحق الأطفال حديثي الولادة (الخدّج) ووفاة جرحى كان من الممكن شفاؤهم، وانتهت العملية بقصف المشفى…

كان على فداء الحوراني أن تغادر سوريا بعد تدمير مشفى الحوراني وتنامي الخطر على حياتها فتستقر بعيداً عن حماة لكن ليس بعيداً عن الحدود، في عمان حيث تنتظر من هناك ما ينتظره ملايين السوريين في كل مكان.. انتهاء الحرب وسقوط الطاغية.

13