فدريكا موغيريني مفوضة أوروبية شابة لقارة أوروبية عجوز

السبت 2015/01/03
موغيريني تحمل لواء الصداقة مع الروس

إيطالية مسحورة بالشرق، كان لصورتها مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، دورٌ في تحويلها من باحثة إلى سياسية، بعد أن تعمّقت في دراسة علاقة الدين بالدولة والحكم في الإسلام، ليكون هذا العنوان الخط الرئيسي لأطروحتها في الدكتوراه.

ولدت فدريكا موغيرني في روما في العام 1973، وسط الطبقة الرفيعة في المجتمع الإيطالي، ودرست العلوم السياسية في لاسابيينزا روما، تعلمت الفرنسية والإنكليزية والأسبانية والعربية، لتصبح في سن الواحدة والأربعين وزيرة لخارجية بلادها، ولتنتقل بسرعة في خريف العام 2014 إلى منصب مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، مواجهة تعقيدات العالم القديم، وعلاقاته وحربه على الإرهاب، واستقباله لموجات المهاجرين السوريين وغيرهم من العرب ومناطق النزاع في نصف الكرة الجنوبي، وصراع النفوذ الروسي ونووي إيران دفعة واحدة.


أوروبا والعالم


ليست أوروبا التي وصفها جورج بوش ساخراً بالعالم القديم، ببعيدةٍ عن مشاريع الولايات المتحدة الاستراتيجية، فما يحصل من تغيّرات في مراكز القوى وتوازع النفوذ في العالم، يشمل أوروبا أيضاً، والضغط الأميركي المتزايد على خصومها هنا أو هناك، لا تمانع واشنطن من أن يؤثر سلباً على الأوربيين، وكلما رفع الأميركيون عيار العقوبات ضد بوتين، واجه الاتحاد الأوروبي مخاوفه من شح الغاز وبرد الشتاء وتحكّم الروس في مفاصل لم تكن في الحسبان خلال فترة صعود الدولة الروسية المتحالفة مع المال الأسود.

روسيا التي لم تعد اشتراكية، ولكنها واصلت عداءها للرأسمالية والناتو، تدرس تأثيرها اليوم الاشتراكية السابقة فدريكا موغيريني، التي تولت منصب نائب رئيس تجمع الشباب الاشتراكي الأوروبي في سنوات سابقة، بعد أن كانت عضواً ناشطاً في منظمة الشبيبة الشيوعية، لتكون قيادية بارزة في مجلس حزب اليسار الديمقراطي، وتدخل لأول مرة حقل العلاقات الخارجية من خلال بوابة الحزب، متمرّسة في الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي، ومصالح أوروبا بينهما.


الديمقراطية وما بعدها


لكن الأوربيين، الذين بقوا متقدمين على الأميركيين، في الفكر والفلسفة والآداب، رغم تفوق الأخيرين عليهم في التسلّح والتكنولوجيا، قفزوا قفزات كبرى، من الديمقراطية إلى ما بعدها، وبينما تحاول الولايات المتحدة فرض الديمقراطية عبر الحروب والقوة، هجر مفكرو وسياسيو أوروبــا، مــع قــواعدهم الشعبية، فكرة الديمقراطية من أساسها، وهذا الانتقال رافق التحوّل المـجتمعي الذي جرى عند تخوم الألفية الثانية، ومن شباب ذلك الزمن كانت فدريكا موغيريني، التي أسست مع رفاقها اليساريين الحزب الديمقراطي الإيطالي ودخلت البرلمان ممثلة عنه في العام 2008، وفيه أيضاً واصلت تكليفها بمهمة العلاقات الخارجية وبالأخص مع الأوربيين.

الديمقراطية المفكّرة والمنقلبة على الديمقراطية في إيطاليا أوصلت بيرلوسكوني المافيوي، لمنصب رئيس الوزراء، ولكنها أوصلت باحثة مهتمة بالأديان وفن الحكم أيضاً إلى منصب وزيرة الخارجية، فتم تكليف موغيريني بحقيبة الخارجية في شباط ـ فبراير من العام 2014.

موغيريني تواجه تقديرات نشرت مؤخراً تؤكد أن القارة الأوروبية ستصبح بعد سنوات قليلة، قارة إسلامية، في حال استمر تدفق المهاجرين، واستمر معه تناقص معدل الولادات في دول الاتحاد، في الوقت الذي تتلقف فيه أوروبا، عبر قوانينها الملزمة، عشرات الآلاف من المهاجرين سنوياً

وفي تقديرات نشرت مؤخراً، تؤكد البيانات أن القارة الأوروبية ستصبح بعد سنوات قليلة، قارة إسلامية، في حال استمرّ تدفق المهاجرين، واستمرّ معه تناقص معدّل الولادات في دول الاتحاد، في الوقت ذاته تتلقف أوروبا، عبر قوانينها الملزمة، عبر الديمقراطية، ومبادئ حقوق الإنسان، عشرات الآلاف من المهاجرين سنوياً، في كل بلد من بلدانها، لتكون الجهة التي تدفع الضريبة دوماً كلما أشعلت الولايات المتحدة حرباً أو سمحت لدكتاتور بشن حرب ضد شعبه، مثلما يحدث في سوريا طيلة أربع سنوات ماضية، ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتواصل نشاط القاعدة في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حتى بعد مقتل زعيمها أسامة بن لادن، وبعد صعود الإسلاميين وهبوطهم في زمن الربيع العربي، فإن على الاتحاد الأوروبي التعامل مع هذا الواقع بصورة أكثر احترافية، لذلك كان على البارونة كاثرين آشتون أن تنتهي مهمتها، لتبدأ مهمة فدريكا موغيريني العارفة بالإسلام والمسلمين، وصديقة العرب كما تسمى في الإعلام العربي. وكان قد تزامن قدوم المهاجرين الجدد، مع ارتفاع أصوات أوروبية معادية للإسلام وللمهاجرين، بذريعة حفظ الهوية المحلية لبلدان الاتحاد، الأمر الذي أثار هلع الحكومات، خشية عودة النازية والفاشية والمشاعر العنصرية من جديد.


خبيرة مكافحة العنصرية


الملتفت لسيرة موغيريني، يلاحظ مراحل زمنية ظهرت فيها الإيطالية الشابة، وهي تبدو كمقاتل عالمي ضد العنصرية والتعصب وكراهية الأجانب في أنحاء العالم، فهي التي ناصرت القضية الفلسطينية، وشاركت في حملات ضد التمييز من خلال المجلس الأوروبي في العام 2006، وارتدت قميصاً طبعت عليه صورة أوباما حين دعمته في حملته الانتخابية، وكان أول أعمالها كوزيرة للخارجية الإيطالية زيارة أوكرانيا وروسيا وبلدان في الشرق الأوسط لتقديم ترجمة فعلية لتوجهها السياسي المتواصل، لكن صورتها مع ياسر عرفات، لم تمنع الوزيرة موغيريني من الدفاع عن حق إسرائيل في الحفاظ على أمنها “ضد صواريخ غزة”، وفي الوقت ذاته أدانت قصف إسرائيل لمدرسة “الأونروا” في غزة ذاتها واعتبرته انتهاكاً للقوانين الدولية، ولكن حتى وصلت موغيريني إلى منصبها الرفيع الجديد، كانت قد تعلّمت أن تطلق تصريحين متناقضين في الوقت ذاته، بحكم الخبرة الدبلوماسية، كما حين اعتبرت المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية عقبة في وجه السلام، ولكنها لم تصنّفها مخالفة للقوانين الدولية، وحين أصبحت موغيريني مـفوضة سامية لدى الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، قالت في مؤتمرها الصحفي الأول إن: “العالم لن يتحمّل حرباً جديدة على غزة” فتهكمت عليها الصحافة بالقول: “في أي عالمٍ تعيش موغيريني؟”.

وكان لفدريكا موغيريني الدور الأبرز في عملية إطلاق سراح المعارضة السودانية مريم إبراهيم التي حكم عليها بالإعدام بسبب تغيير دينها، حيث أعلنت موغيريني حينها أن بلادها تعمل على “إنقاذ حياة امرأة سودانية حبلى”، حُكم عليها بالإعدام، لاتهامها بالردة بعد اعتناقها الديانة المسيحية، واستمرّ موظفو السفارة الإيطالية في الخرطوم بالتواصل مع محامي مريم إبراهيم، والتوسط لدى السلطات السودانية التي صعّدت موغيريني من ضغطها عليها، عبر إثارة الملف مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ودفعته إلى إدانة الحكم، وكانت موغيريني تعمل على أن يصدر قرار من الجمعية العمومية بالأمم المتحدة يطالب بوقف تنفيذ حكم الإعدام، غير أن السلطات السودانية أطلقت سراح المرأة، وسمحت لها بالمغادرة إلى إيطاليا.

موغيريني تبدو كمقاتل عالمي ضد العنصرية والتعصب وكراهية الأجانب في أنحاء العالم، فهي التي ناصرت القضية الفلسطينية، وشاركت في حملات ضد التمييز من خلال المجلس الأوروبي في العام 2006، وارتدت قميصاً طبعت عليه صورة أوباما حين دعمته في حملته الانتخابية


صديقة الروس


تُنتقد موغيريني بأنها صديقة للروس، بسبب ميولها اليسارية السابقة، وقربها الشديد من الكرملين، وكذلك لعدم أخذها للتهديد الروسي العسكري ضد أوكرانيا على محمل الجد، لكن كثيرين لا يرون اختلافاً كبيراً بينها وبين أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، الشيوعية السابقة، والقريبة أيضاً من الكرملين، ولا يعتبرون هذا القرب سوى نوعٍ من الدبلوماسية والأداء السياسي الرفيع، ولكن هناك من يلمّح إلى مصالح خفيّة سببها علاقات موغيريني بأعضاء جماعات الضغط البارزين في شركة غاز بروم الروسية، وما زاد الطين بلة منحها صليب الصداقة الروسية، الأمر الذي جعل من ترشيحها لتولي منصبها الحالي أمراً معقداً قبل أن تنجح في اجتياز عقباته.

موغيريني العضو في معهد الشؤون الدولية، ومجلس العلاقات بين إيطاليا والولايات المتحدة، والشبكة الأوروبية لنزع السلاح، ولجنة منع انتشار الأسلحة النووية، وصندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة، تعلم أن الاتحاد الأوروبي تمكّن من صنع وحدة اقتصادية وسكانية متفوقة، ولكن أوروبا لم تفلح في الوصول إلى سياسة خارجية موحّدة، لذلك فقد حرصت كل دولة على حفظ حقها في التفرّد بمصالحها السياسية واتجاهاتها الخارجية، دون الالتزام الفعلي بمسيرة الاتحاد، هذا ما ستحاول موغيريني موازنته، بعد مرحلة كاثرين آشتون التي وصفت بأنها ضعيفة الفعالية ولم تترك آثاراً تُذكر، بينما يعوّل الإيطاليون على الدور الذي ستلعبه موغيريني ابنة بلادهم في مهمتها الجديدة، حيث وصفت صحيفة “السياسة” الإيطالية فوز موغيريني بأنه “انتصار رياضي، يشبه تسجيل هدف في مباراة كرة القدم تقريباً، حيث تتصدّر الصورة الصفحات الأولى من الصحف الإيطالية”.


الملاكمة الشقراء


تلقت موغيريني الكثير من اللكمات في الطريق إلى منصبها كمفوضة سامية للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، ولكنها كالت لكمات أيضاً للعقل القديم الذي ما زال يحكم السياسات الأوروبية، حيث سيطرت القطبية على خيارات الدول المركزية، بينما لم يسمح للمناورة الأوروبية بأخذ فرصتها، سيما بعد الانجراف الكبير لبريطانيا توني بلير خلف القرار الأميركي، وجرّها أوروبا معها في الحرب على العراق وحروب واشنطن العديدة الباردة والساخنة، لولا تفرّد دول مثل فرنسا وألمانيا، واليوم إيطاليا تتقدم عبر وزيرة خارجيتها السابقة، لتحاول رسم سياسات الاتحاد، وأقلمة خيارات بلدانه في سياق منسجم، لكن هذا سيتطلب الكثير من العمل على فصل خطوط التوتر على الحلبة، كلما تصاعد الحماس، وهو الأمر الذي ستلعبه فدريكا موغيريني، اليسارية المستغرقة في تجربة العرب في الفصل بين الدين والدولة.

12