فدوى البرغوثي قصة كفاح امرأة فلسطينية تسند ظهر مناضل

الأحد 2014/12/07
فدوى البرغوثي زوجة وأم برتبة مناضلة تختزل كل معاناة المرأة الفلسطينية

القاهرة - في قرية كوبر التي تبعد 14 كيلومترا عن رام الله، باتجاه بير زيت بفلسطين، كان ميلادها، وفي نفس القرية، يشترك معها في الجد الرابع، كان ميلاده هو، ولدت لأب متوسط الحال يملك قطعة أرض، غير أنه يملك من الوعي والإيمان بحق المرأة في التعليم الكثير، حرص على تعليمها وأخواتها، وأمّن لها سيارة تنقلها يوميا وعمرها 12 عاما للمدرسة.

لم تكن تدرك أنها، سوف تلتقيه في رحلة نضال، وأنها ستقترن به في رحلة كفاح، لتصبح هي الزوجة والمحامي، والمقاتلة من أجل القضية الفلسطينية، كانت البداية، منذ الطفولة، مشاركتهما، في مقاومة واشتباكات دائمة مع الاحتلال الصهيوني.

فدوى البرغوثي، قالت لـ”العرب” التي التقتها في رام الله مؤخرا: “كان عمري 14 عاما، عندما اشتبكنا مع الاحتلال، واعتقل عدد من شباب القرية، بينهم مروان كان عمره وقتها 19 عاما، وكانت بعض الفتيات تخشى الارتباط بشاب اعتقل ومهدد بتكرار الاعتقال، لكن كنت أفضّل الارتباط بشخص مناضل”.

وأضافت، “إذا كان المثل العربي الدارج يقول: وراء كل رجل عظيم امرأة، فإن الواقع الفلسطيني يجزم أن وراء كل أسير فلسطيني قصة كفاح لامرأة فلسطينية، وأمّ يعتصر قلبها الحزن، وزوجة تؤرقها الوحدة، والقلق على زوجها، وتحمّل مسؤولية الأبناء وأعباء الحياة، أو ابنة تتألم على فراق أبيها، وربما الثلاثة معا، فالاحتلال الإسرائيلي باعتقاله أي فلسطيني، لا يوقع الضرر به بمفرده، بل يسجن معه مشاعر السعادة لأسرة كاملة، يعاني جميع أفرادها عذابات الاعتقال التي تتجاوز القضبان، القابع خلفها إلى حياة كاملة، لأسرة كاملة، تسكن سجن الحزن على فراق عائلها أو احد أفرادها”.


مناضلة من رام الله


فدوى البرغوثي، المحامية والسياسية الفلسطينية البارزة، قرينة المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي، القيادي الفتحاوي والنائب البرلماني الأسير، نموذج لتك المرأة الفلسطينية، التي تعكس صورة المناضلة من أجل قضية وطنها وزوجها، تلك الزوجة التي كسرت قضبان الحزن، لتخرج لساحة النزال العالمي مع المحتل، لا في فلسطين وحدها، جابت دول العالم، ومؤتمراتها، للتعريف بقضية زوجها الأسير، وحقيقة جرائم الاحتلال بحق زوجها، وغيره من الفلسطينيين، قاومت ومازالت الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب والأرض والأسرى.

فدوى هي الوسطى بين سبعة أشقاء، بينهم أربع شقيقات، تمكنت وجميع أخواتها من إكمال تعليمهن، رغم كل المعوقات والصعوبات المترتبة عن الاحتلال، باستثناء شقيقة لها حالت ظروف مشاركة والدهن في حرب 1967، دون تمكن والدتها من إرسالها إلى رام الله لاستكمال تعليمها، وعن والدها قالت: “كان رحمه الله مؤمنا بالمرأة وبأن التعليم حق من حقوقها”.

“أريد الارتباط بك، الحكم بسجني خمس سنوات، لن يؤلمني، لن يمثل لي أيّ عقاب، فقط إذا وافقت على انتظاري للارتباط والزواج بي”... كانت تلك هي الرسالة الشفهية التي أرسلها الشاب مروان البرغوثي، عبر صديق من الأسرة إلى فدوى بنت قريته وعمومته، والتي تلتقي معه في الجد الرابع.

فدوى البرغوثي، حكت لـ”العرب” جانبا من حياتها الخاصة، فقالت: “لم تكن علاقة مروان تتجاوز مشاهدته لي في إطار مناسبات عائلية”، لكن على ما يبدو كان رسول الحب قد جمع بين قلبيهما عبر النظرات، وعن ذلك أكدت؛ “بعد تلك الرسالة كان يأتيني الكثير من الخطّاب فأرفضهم، وقبل الإفراج عن مروان بستة أشهر، جاءت أسرته تطلب يدي من والدي”- ضاحكة- “ولم تكن أسرته أو أسرتي يعلمان بأنه أرسل لي رسالة منذ فترة، ووافقت على الارتباط به رغم تحذير أسرتي ووالدي، لصعوبة الحياة مع سياسي معرض لتكرار أسره في أي وقت إلي جانب اهتمام والدي بالتعليم الجامعي، ومروان حينها لم يكن قد التحق بالجامعة، وليس لديه وظيفة أو منزل لكن صمّمت على الموافقة والارتباط به وهو في السجن”.

فدوى البرغوثي، المحامية والسياسية الفلسطينية البارزة، قرينة المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي، القيادي الفتحاوي والنائب البرلماني الأسير، نموذج لتك المرأة الفلسطينية، التي تعكس صورة المناضلة من أجل قضية وطنها وزوجها،


تحذير من الزواج


التقت فدوى بمروان، يوم خروجه من أسره الأول وهنأته وسط كثير من المهنئين، لتلتقي به للمرة الأولى في جلسة مطوّلة، في اليوم الثاني، لكن على عكس المتوقع، جلس (مروان) يحذّرها من الارتباط، وروى لها قصص مناضلين عظام تتلمذ على أيديهم، في سجن الاحتلال، مؤكدا لها أنه لن يتوقف عن مقاومة الاحتلال طالما أرض فلسطين بقيت محتلة، وقال لها يومها: “سأكمل في طريقي للنهاية، حتى تحرير القدس، ومهما تكرر اعتقالي، لا يمكنني أن أعدك بأن أسعى لجمع المال وتأسيس بيت كبير، طالما بقيت أرضنا محتلة، ولأني أحبك أخشى أن تعاني معي حياتي الصعبة”.

كان ردها يومئذ، حسب روايتها، بسؤال استنكاري: “هل فلسطين لحالك؟” أجابها: “لا لكل الفلسطينيين”، ثم قالت: “وأنا فلسطينية، سأناضل معك لتحرير فلسطين، وعلينا جميعا تحمل المسؤولية والمشاركة في دفع الثمن”، وطلب منها أن تمنح نفسها فرصة للتفكير والرد في وقت لاحق، لكنها حسمت قرارها بالموافقة في الجلسة ذاتها على الارتباط به ومواصلة الكفاح معا، حتى وإن كلفهما الأمر الشهادة.


اعتقال عريس


وأوضحت فدوى، أن مروان قال لها “موافقتك تجعلني أسعد الناس، وأعدك أني سأكون زوجا وفيا ومخلصا وسأحافظ عليك”، مضيفة أن يومها كانت قد أكملت عامها الثامن عشر.

لم يتوقف مروان بعد الخروج من الأسر، فسارع عقب لقاء خطيبته، إلى الالتحاق بجامعة بير زيت عام 1973، ومارس العمل العام بالجامعة، وفاز بمقعد المنسق العام لحركة الشبيبة الفلسطينية التي كان أحد مؤسسيها، ثم فاز بعد ذلك برئاسة اتحاد طلاب الجامعة لمدة 3 سنوات، وفي فترة كانت الحركة الطلابية تقود النضال المجتمعي، أصبح وزملاءه من المناضلين، وبدأوا مرحلة عنيفة لمواجهة المحتل.

استمرت فترة الخطوبة نحو عام وثلاثة أشهر، تعطل خلالها الزواج أكثر من مرة، لاضطرارهما للتأجيل لاعتقال مروان، على فترات من شهر إلى ثلاثة أشهر، وفي عام 1984 وعقب الإفراج عنه من الاعتقال على خلفية نشاط طلابي، سارعت أسرتاهما لتحديد موعد الزفاف، خشبة أن يعاد اعتقاله، وبعد 6 أيام من عقد القران، وضعه الاحتلال رهن الإقامة الجبرية، ورغم أن هذا ربما يكون القرار الوحيد للاحتلال الذي أسعد فدوى، لأنه ضمن لها أن يظل عريسها إلى جوارها، بلا اعتقال أو انشغال بهموم السياسة، إلا أن أزمة نشبت بين التنظيمات الشبابية الفلسطينية في جامعة بير زيت، في اليوم التالي لوضع مروان قيد الإقامة الجبرية، فكسر القرار وخرج إلى الجامعة للعمل على إنهاء الخلاف، فأعاد الاحتلال أسره، ليختصر بذلك شهر العسل في ستة أيام فقط، ويعود بعد أربعين يوما.

وما هي إلا بضعة أشهر قضاها معها زوجها، حتى عاود الاحتلال اعتقاله مجددا، لكنها كانت قد حملت بابنهما البكر القسام، فاعتقل وهي حامل ليخرج، وطفلها البكر عمره 5 أشهر، لكن لم يكن ذلك نصيب القسام أن يأتي إلى الدنيا فلا يجد والده في استقباله يكبّر في أذنيه، أو يحمله بين ذراعيه، أو يقبّل جبهته وجنبيه، بل كان نصيب أخوته الثلاثة الآخرين، كالابنة الثانية ربا، التي بعد أن حملت أمها بها، عام 1987، أبعد مروان عن البلاد، إلى الأردن، ورغم أن زوجته فدوى لحقت به بسرعة قبل منعها، إلا أنها اضطرت أن تعود دونه، إلى فلسطين لتضع طفلها على الأرض الفلسطينية، وحدث الأمر ذاته مع طفلهما الثالث أشرف والرابع عرب.

عن ذلك قالت فدوى: “كنت أتعمد أن أحضر إلى فلسطين قبل الولادة، لأضع طفلي على الأرض الفلسطينية، وأحرّر لهم شهادات ميلاد فلسطينية، ثم أعاود السفر لزوجي بعد شهر، فلم يشاهد مروان ميلاد أي من أبنائه، وكان ذلك يؤلمني، لكن ذلك كان فعل الاحتلال”.

مروان عرض عليها الارتباط من خلف القضبان وعند خروجه حذرها من المعاناة حال الارتباط.. فقالت: "فلسطين لنا جميعا وسأتحمل مسؤوليتي في النضال"


مع مروان الصورة تطلع حلوة


لم يقتصر ألم فدوى على لحظة ميلاد أبنائها، بل امتد الألم ليشاركها فيه الأبناء، ففي حفلات تخرجهم منع الإبعاد والأسر والدهم، من أن يكون معهم في لحظات حصولهم على الشهادات الجامعية، بل انتقص غيابه من فرحتهم في حفلات زفافهم، تلك المشاعر تصفها الزوجة الصابرة قائلة:

“كان الألم يعتصر قلوبنا، في لحظة تتجمع فيها العائلات تحتفي بأبنائها، في حفل تخرجهم، حيث يشعر الأب والأم بجني ثمار جهدهم في الحياة، لكن الاحتلال كان دائماً يجبر مروان على الغياب، كنا نتمنى، أن نلتقط صورة جماعية في تلك المناسبات تجمعنا، لكن لم يسمح لنا الاحتلال بذلك، فكنا نضطر في كل مرة، لأن “ندبلج” (يتم تركيب) الصورة، ونضيف لها صورته معنا إلكترونيا، ونقوم بذلك في حفلات الزفاف أيضا”.

تتذكر فدوى عبارات ابنتها “ربا” عندما شكت لها فقدانها لأبيها قائلة: “أقدّر نضال والدي وحبّ الناس له، لكن كنت أتمنى كأي بنت أن أجده إلى جواري في حفل تخرجي وزفافي وعند وضعي لطفلتي”، حاولت الأم والابنة إدخال السرور على قلب الجد الأسير، فاصطحبتا الطفلة معهما لزيارته، لكن الاحتلال منع الطفلة الرضيعة من الزيارة عند البوابة الأخيرة قبل اللقاء، بدعوى أنها ليست قريبة من الدرجة الأولى، يومها أخبراه بوجود الطفلة على بعد أمتار منه تحول دون رؤيته لها بوابة، فاعتصره الحزن قائلا: “ليتكما ما أخبرتماني بوجودها، فقد ازداد شوقي إليها دون أن أراها”.


ملاحقات الاحتلال لا تنتهي


كان مروان صادقا مع زوجته، حين أخبرها منذ البداية، بصعوبة الحياة معه وإصراره على مواصلة طريقه، وكانت هي صادقة حين وافقت وأصرت على تحمّل مسؤوليتها في النضال معه، وكان والدها نافذ البصيرة عندما حذّرها من الارتباط بمقاوم، سيحمّلها تكرار اعتقاله أعباء نفسية واجتماعية، لكنها ظلت وفية تقيم الدعاوى القضائية، في المحاكم الإسرائيلية والدولية دفاعا عن القضية وعن الأسرى، شخصيتها الوفية متأثرة بشخصية والدها، التي قالت عنه: “أثّر في شخصيتي كثيرا فكان صاحب قيم ومبادئ، وفيا لأبعد الحدود لوالدتي، عندما مرضت ولازمت الفراش لعامين، أصر أن يخدمها هو بنفسه، ورفض أن يساعده أي من أبنائها، وظل مرافقا لها، ليل نهار، يقوم ويسهر على راحتها”.

عاد مروان وزوجته وأبناؤهما إلى فلسطين، ونجح في انتخابات المجلس التشريعي، وصار نائبا، إلا أن ذلك لم يمنحه حصانة من ملاحقة الاحتلال له، وعدد من رفاقه النواب، في فبراير 2002، فبدأت فدوى مرحلة جديدة من الكفاح داخليا وعربيا ودوليا، للتعريف بالانتهاكات التي يمارسها الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، وضاعف من حزنها، فقدانها لأمها التي تضاعف مرضها، حزنا على زوج ابنتها مروان الذي أعاد الاحتلال أسره، فتوفيت بعد إصابتها بجلطة حزنا عليه بعد شهرين فقط من اعتقاله، لتفقد بذلك فدوى زوجها خلف القضبان، وأمها يواريها الثرى.

في سنوات الإبعاد خارج البلاد، أصرّ مروان أن تكمل زوجته تعليمها الجامعي، واختار لها دراسة الحقوق، لتتمكن من الدفاع عن قضيتها وأبناء شعبها، لكن كانت أعباء أربعة أطفال تعوقها، فأكبرهم عندما التحقت بالجامعة كان عمره خمس سنوات ونصف السنة، والأصغر 6 أشهر، سجلت منتسبة في جامعة بيروت، وأجرت امتحاناتها بالأردن حيث كانت تقيم، وعن ذلك قالت: “ساندني مروان وكان يحضر لي الكتب، ويسهم في رعاية الأبناء، وكلما ثقلت عليّ الأعباء أتوقف عن الدراسة وأقول لا أريد الدراسة، أتوقف يومين أو ثلاثة ثم يشجعني فأعود”.

كل أبنائي لم يرهم مروان عند ميلادهم ولم يحضر حفلات تخرجهم ولا زواجهم بسبب الأسر والإبعاد وكنا نضع صورته معنا بالمونتاج والألم يعتصر قلوبنا


مشروع للمستقبل


فدوى على ثقة أن أميركا منحازة بصورة كاملة للاحتلال، لكن أطرافا دولية بدأت تستجيب للحملات الفلسطينية وتتعاطف مع القضية، برفضها الاستيطان ودعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحظر استيراد منتجات من المستوطنات، بما يمثل حصارا اقتصاديا ورسالة رفض للاستيطان ونهب الأرض الفلسطينية.

قادت تلك المحامية أُسَرَ الأسرى وأمهاتهم وزوجاتهم، في حملة دولية، بالتزامن مع إضراب الأسرى عن الطعام داخل سجون الاحتلال فيما عرف بانتفاضة “الأمعاء الخاوية”، حيث سافرت مع وفود من نساء فلسطين لعدد من البلدان العربية والأوروبية، للتعريف بالقضية، والانتهاكات الإسرائيلية، وحقوق الأسير والمرأة والطفل الفلسطيني، الأمر الذي ساهم في خلق رأي عام دولي مساند للقضية الفلسطينية في مواجهة المحتل.

فدوى تبنت دعم وثيقة المصالحة الفلسطينية التي طرحها زوجها مروان البرغوثي من خلف القضبان، والتي ترتكز على توحيد الجهد والخيار والقرار بين كل الفصائل، ليكون الخيار عند اللجوء للحلول الدبلوماسية واحدا وملزما للجميع، وعند المقاومة المسلحة كذلك، وحتى لا يعوق فصيل معين جهود الآخرين، شريطة أن تصدر القرارات بإجماع فلسطيني وفق مقتضيات المصلحة الوطنية، فليس من حق أي فصيل أو تنظيم فرض خياراته أو رؤيته أو سياساته لإدارة الصراع الفلسطيني وخيارات المقاومة.

فدوى محامية فلسطينية، وزوجة أسير، قاومت بحق انتهاكات الاحتلال، ودعّمت أُسر الأسرى، ولم تتوان عن فضح محاولات إجبار أسر الأسرى من السيدات على التفتيش العاري، للسماح لهن في عدد من الحالات بزيارة ذويهنّ، غير أن الفلسطينيات كن يرفضن المثول لهذا النوع من التفتيش من قبل مجندات جيش الاحتلال.

منذ عامين أطلقت حملة دولية عربية من نقابة الصحفيين المصريين، لدعم الأسرى والطفل الفلسطيني، وتمكنت من جعل الغرب يرهن السلام بقضية الإفراج عن الأسرى، خاصة وأن بينهم 350 طفلا فلسطينيا.

منذ عام 2002 تناضل فدوى لإطلاق سراح مروان البرغوثي، وسط معلومات عن طرح اسمه بقوة في الأوساط الفلسطينية، كمرشح رئاسي محتمل، فهل يخبئ القدر لها ولزوجها، مفاجأة لتصبح زوجة الرئيس القادم ليخوضا معا معركة جديدة لإقامة الدولة الفلسطينية، أم ستظل سنوات أخرى تقاوم في انتظار زوجها الأسير؟

20