فدوى سليمان و"العبور" نحو التغريبة الشامية

الأحد 2014/07/20
فدوى سليمان: لماذا يلزم السياسيون الأوروبيون الصمت حيال التراجيديا السورية

باريس - الفنانة المسرحية فدوى سليمان وجه من وجوه الثورة السورية اللاجئة بفرنسا، وهي هنا ممثلة ومؤلفة لنص “العبور” وهو تشخيص (بورتريه) مسرحي ذاتي تم عرضه مؤخرا في معهد ثقافات الإسلام بباريس في إطار الليلة الأوروبية للمتاحف.

“أريد أن أقول ما نقوله كل يوم، لابني، لجميع أبناء سوريا، ولجميع أبناء العالم، إننا أردنا عالما لا يقتل فيه أحد الآخر ولا حتى بالكلمات. نقسم أننا أردنا محو قانون الحرب وزرع الحب”. قالت ذلك وهي تتأمل مشاهد عودة اللاجئين إلى حمص المدمرة بعد سنتين من الحرب على إثر خروج الثوار منها بعد اتفاق مع النظام. أضافت ونظراتها تكاد تخترق الشاشة: “تلك هي حمص، قلب سوريا”.


ناس مسالمون


كان ذلك حين استضافها محمد قاسي المذيع بقناة “تي.في.5”، ضمن برنامج “مغرب أوريون إكسبرس”، حيث سألها عما إذا كانت هناك مبادرات سلمية بالساحة السورية، فردت على الفور، إن صوت السلام كان دائما حاضرا كل يوم بسوريا “المشكلة أن الإعلام العالمي يحاول الإنكار، ويتعمد إغفال الوجه المسالم للشعب السوري، ويقدم دائما تحقيقات حول مواضيع تُرَوِّج لتلك الصورة السلبية عنه. لقد صرّحتُ منذ البداية أن الشعب السوري شعب مسالم، لكن الناس يريدون تجاهل قدرة هذا الشعب على الابتكار وبناء الحضارة. الشعب لا زال يواصل نضاله”.


حرب مفتعلة


تحكي فدوى سليمان أنها أحست في مرحلة من المراحل، بأن القضية السورية كانت عرضة للإهمال حتى من طرف حركات تقدمية بفرنسا وأوروبا على الأخص، الكل لا يرى إلا الجهاديين، ولا ينظر إلا إلى الخطر المحدق بسوريا، لكونها فاعلا إقليميا شديد الأهمية، إلى درجة التغاضي عن مصير الإنسانية في وطني. وتضيف قائلة: “يتعلق الأمر بلعبة يتم توجيهها من الخارج، فما نشاهده الآن هو تفاصيل جريمة. فقد تخلى العالم عن الشعب السوري، بل وشارك في الجريمة، ويبدو لي أنها حرب عالمية ثالثة في سوريا. العالم يصنع حربا بعيدا عنه كما كان الشأن بالصومال، نيجيريا أو الشيلي.. وفي كل مرة يصنع الساسة الحرب في مكان ما، دون التفكير إلى أين سيؤول العالم.

يتكلم الجميع عن عالم متحضر والدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية. الشعب السوري اليوم، أسقط كل هذه الأكاذيب. أسأل السياسيين لماذا يلزمون الصمت؟ والأخطر من ذلك هو تخلي المثقفين عن دورهم الأساسي، وانسياقهم بعيدا عن أكبر حراك شهده التاريخ الحديث، وتشبثهم بأفكار بالية. لقد أصبحوا أحيانا يتفقون مع الساسة بل ويوجّهونهم. ما يقع الآن في سوريا ليس بجديد، لقد مرت به شعوب كثيرة. إنها حرب مفتعلة يؤدي ثمنها مواطنون أبرياء مسالمون، وفي النهاية، كلهم يدّعون أنهم متحضرون وأنهم يتبعون نهج العدالة”.
تخلى العالم عن الشعب السوري، وصنع السياسيون الحرب فيما تنازل المثقفون عن دورهم إزاء شعبهم


نص العبور


عبر نص “العبور” الذي تتخلله تقاسيم على العود يعزفها عمر سليمان، تعرض فدوى سليمان معاناة ملايين السوريين ونضالهم: “نظام مجرم متوحش/ أنا الشاهد على أنه اقترف مجازر لا توصف ولا يحتملها العقل البشري/ الذين ارتكبوها كيف احتملوها/ ليس مهما من أين وكيف عملوها/ من أعطاهم الفرصة ليقتلوا، ومن يعذبنا كل هذا العذاب؟/ من يجعلهم يَقتلون ويُقتَلون، يَقتلون ويُقتَلون؟…/ من يريد أن تبقى هذه العجلة دائرة؟…”.

كان هذا بأفينيون الفرنسية، وتمت ترجمة قراءته من طرف كاثرين بوسكوفيتس.

عن ردود فعل الجمهور الفرنسي، صرحت فدوى سليمان أن الجمهور الفرنسي أحب النص بشكل كبير، فهم معاناة الشعب السوري وأحس بها، والواقع أن الشعب الفرنسي يتلقى الأخبار عبر وسائل الإعلام، وهو لا يعي أن الشعب السوري قام بثورة تحولت إلى تمرد بفضل السياسيين على المستوى العالمي، أما نحن، تقول فدوى سليمان: “فقد قمنا بعمل مهم جدا، لقد قاومنا التسلط وقاومنا النظام، وإذا بهم يتحدثون عن صراع مسلح، وبدأ الرأي العام يظن أن النظام لم يحكم يوما بالحديد والنار، وأن هناك فقط عصابات مسلحة، وبالتالي ستعرف هذه الجريمة تشجيعا لها. هكذا سيتم إقحام جهاديين إسلاميين، وسيتم صنع هذه الحرب وتغذيتها حتى إعلاميا. فقيل اليوم إن هناك جبهة نصرة، وإن حزب الله يوجد في سوريا، اليوم فشل النظام، اليوم اقترف الجيش الحر جرائم. فصار الناس يناقشون هذه التفاصيل وينسون أصلا لماذا خرج الشعب السوري، لماذا تمرد. التمرد مختلف تماما عن الصراع المسلح على السلطة. قُتل الشعب السوري في دياره وأُجهضت الثورة”.

الوطن هو الحرية في نهار العالم


محنة اللجوء


شأنها شأن مليونَي لاجئ سوري هجروا وطنهم مُكرهين، تعيش فدوى سليمان بفرنسا. عن معاناة اللاجئين تقول: إنه من الصعب جدا الحديث عن ذلك الواقع، فكل لاجئ سواء كان سوريا، فلسطينيا، لبنانيا، أميركيا، أو من أي بلد آخر، فإنه يعيش المحنة نفسها وذلك صعب جدا، “فعليك أن تواجه وضعية الانقطاع عن جذورك والانصياع لذلك الواقع يجعلك تفقد هويتك شيئا فشيئا”. هناك أيضا، إشكالية اللغة وصعوبة استصدار الوثائق من البلد الأم، وهذه الأشياء لا يأبه بها البلد المضيف وفي هذا استهانة بحقوق اللاجئين وحقوق الإنسان.


استمرار التظاهرات


للإشارة، فإن فدوى سليمان تنتمي إلى الطائفة العلوية، ولدت في حلب وشقت مسارها كممثلة في دمشق. لعبت عدة أدوار مسرحية نذكر منها مسرحية “صوت ماري وميديا”، وكذا عدة مسلسلات تلفزية مثل “مذكرات أبو عنتر” و”سيدات صغيرات”.

منذ بداية الثورة السورية، في 15 مارس 2011، كانت من الممثلات القلائل اللائي احتججن ضد نظام الأسد. ورغم خطر الموت أو السجن، أبت إلا أن تشارك في المظاهرات لتفنيد الصورة النمطية التي تفيد أن كل العلويين (الذين يشكلون 10 بالمئة من الشعب السوري) يساندون حكومة الأسد، وأيضا لتفنيد أطروحة الأسد بأن من ينظمون المظاهرات هم إسلاميون أو إرهابيون مسلحون.

لقد ألقت خطابا تطلب فيه أن تستمر التظاهرات السلمية في كل البلاد حتى سقوط نظام الأسد. وقد قال بيتر هارلين وهو خبير في الشؤون السورية بـ”إنترناشيونال كريسيس غروب” (International Crisis Group) و”تينك تانك” (think tank): “العنف والتشنجات الطائفية كانت ستكون أفظع لولا وجود فدوى سليمان”. قصت فدوى شعرها على شاكلة الذكور وتسللت من منزل إلى منزل حتى أفلتت من قبضة النظام.
14