فذلكات جوني عبدو السحرية

الأحد 2014/11/02

ينتظر الجمهور الآذاري جوني عبدو كما ينتظر العامة ظهورات المنجمة ليلى عبداللطيف. يتوقعون أن يخرج من جعبته العامرة بالخبرات المخابراتية والأمنية مفاجآت سحرية ومعلومات وإشارات من شأنها تحوير مسار الوقائع وتعديل خرائط الأوضاع.

مارس السفير في مقابلته الأخيرة مع الإعلامية بولا يعقوبيان في برنامج “أنتر فيوز″ بعض السحر. قال إن الجيش اللبناني قد اتخذ إجراءات في اليومين السابقين ضد أشخاص يرفعون أعلاما حزبية داخل الجيش، وإن قيادة الجيش الواعية للأمر تماماً أخذت القرار وطردت هذه العناصر التي رفعت هذه الأعلام.

السفير أعلن أن هذا الخبر سيتم تداوله قريبا عبر الإعلام وذكر أن الأعلام التي رفعت عائدة لحزب الله. اعتبر عبدو كذلك أن الوقت ليس مناسبا للبحث في أخطاء الجيش، وأن مهمة الجميع في هذه الآونة هي دعم الجيش وتأييده كونه المؤسسة الأقل تأثرا بالطائفية.

أشار إلى رفضه عودة سعد الحريري إلى لبنان حاليا واعتبر أنه لو كانت لديه قدرة لمنعه من العودة . عبدو عرض كذلك لأوضاع الطائفة السنية فاعتبر أن “الطائفة السنية مقسومة إلى عدة أقسام: هناك عدد ضئيل لا يتجاوز الـ2 إلى 3 بالمئة يؤيد داعش، ولكن هناك نسبة تصل إلى 40 بالمئة ضد حزب الله ويريدون أن يأتي أي كان لتربية هذا الحزب. هذا شعور طفيلي لا قيمة له إلا غرائزيا ولا قيمة وطنية له.”

كشف عبدو عن وجود نية لدى بعض قيادات تيار المستقبل في الموافقة على اعتماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، وأشار إلى أنه كان مؤيدا لهذا الطرح لأن من شأنه تأمين استقرار لمدة سنة ونصف أو سنتين. بعد هذه الفترة لا بد أن يصطدم الجنرال عون بحزب الله.

حذّر عبدو من الكلام الذي يعتبر أن هناك مظلة دولية تحمي لبنان. رأى أن لبنان متروك ولا أحد سيهتم به أو يدافع عنه في حال عمدت الجماعات الإرهابية إلى تدمير أمنه، لذا لا بد من دعم الجيش لأن “سقوط الجيش لا سمح الله بوجه الإرهابيين يجعل الاستعانة بحزب الله وسلاحه أمرا مهما”.لا تمكن الموافقة على ما أدلى به عبدو كونه يعتمد في معظمه على أمنيات وتفسيرات كلية لوقائع جزئية.

خبر طرد الجيش لعناصر عسكرية ترفع أعلاما حزبية عائدة لحزب الله إن ثبتت صحته فهل يعني ذلك أن الحزب لا يتحكم بجزء كبير من قرار الجيش وأن الجيش نجح فجأة ودون سابق إنذار في أن يصبح مؤسسة خالصة النقاء ومتخلصة من كل شوائب الوضع اللبناني؟

عبدو نفسه كان قد أعلن أن المؤسسة العسكرية لا يمكن لها إلا أن تكون انعكاسا للمجتمع والبيئة الأمنية والسياسية اللبنانية. هذه البيئة الأمنية والسياسية شهدت وبالتزامن مع مقابلته التلفزيونية ظهور استعراضات عسكرية مسلحة لعناصر من حزب الله وحركة أمل في شوارع العاصمة بدعوى حماية المجالس العاشورائية. بعضها كان على بعد أمتار قليلة من السراي الحكومي.

الانعكاس الذي من الممكن أن نشهده في قلب المؤسسة العسكرية هل سيعيد إنتاج هذه الصورة وهذا المشهد أم سيستعير بعض المشاهد من وطن الرحابنة ويعكسها. أيّ من المشهدين هو الأكثر دلالة وخطورة؟ ظهور أعلام حزبية داخل مؤسسة الجيش أم ظهور سلاح يرتدي صيغة علم واحد ووحيد تقدسه فئة طائفية حزبية وترفعه في شوارع العاصمة وفي وجه الجميع؟

مشهد الحزبي المسلح في شوارع المدينة ومصادرته مهمات رجال الأمن وقيامه بطلب هويات المواطنين وتفتيش سياراتهم، هل سيبقي للجيش صورة يمكنه بيعها وتسويقها؟

الميليشياوية المستترة والخائفة تصيب الجيش في مقتل فكيف بها حين تكون مستشرسة عارية ووقحة؟ عن أي جيش يتحدث سعادة السفير في اللحظة التي أطلق فيها حاجز لحزب الله النار على سيارة لم تمتثل لأوامره في صيدا وفي اللحظة التي بدأ فيها الحديث عن سيناريو “عبرا 2″ في صيدا.

جميل جدا كذلك هذا التوصيف الحسابي لميول الطائفة السنية الذي يرى أن غواية داعش لم تستطع أن تصيب سوى نسبة لا تتعدى الـ3 بالمئة وأن هناك نسبة 40 بالمئة يهمها وجود من يربي حزب الله وهم من أطلق سعادة السفير عليهم صفة الطفيليين. يبقى إذن نسبة 57 بالمئة، ما يعني أن الوضع لا زال ممسوكا ومستتبا.

ربما أهمل المخابراتي العتيد قراءة ما أسفرت عنه موقعة الشمال الأخيرة التي قدر عدد المشاركين فيها بما لا يتجاوز الـ550 مقاتلا. مقارنة عدد المقاتلين بحصيلة الخراب والتهجير الهائلة تقول إن هذه النسبة الضئيلة المؤيدة لداعش والتي يمكن أن تنضم إليها في أي لحظة كتلة الأربعين في المئة المستعدة للتحالف مع الشيطان إن كان قادرا على تربية حزب الله كافية لخلق كارثة.

الجيش كان جزءا من المشكلة التي تسببت بوصول الأمور إلى هذه الدرجة من التأزم. هذا ما قيل سرا وعلنا في الفترة التي سبقت انفجار موقعة طرابلس وبعدها، فكيف صار الجيش فجأة عنوانا لحل شامل ونهائي في بلد لم يشهد خلال تاريخه الحديث سوى تسويات عرجاء؟

كيف يتحدث السفير عن ضرورة الدعم غير المشروط للجيش وتقوية الاعتدال في اللحظة التي يعلن فيها إن عودة سعد الحريري إلى البلاد غير ممكنة لوجود تهديد فعلي وجديّ له. الجيش لا يستطيع حماية زعيم الاعتدال إذن فكيف سيحمي البلد؟

كيف يؤمن بأن وصول الجنرال عون إلى سدة الرئاسة من شأنه تأمين استقرار لفترة سنة ونصف أو سنتين على أبعد تقدير؟ هذه الفترة هي عمر شهر عسل الجنرال مع الحزب وبعدها لا بد أن يحصل اصطدام بينهما وحينها سيكون “الجو بديع والطقس ربيع″.

هل يمكن وصف هذا الكلام بشيء أقل من كونه سذاجة خالصة، فهل يعني وصول الجنرال إلى الرئاسة تأجيلا للمشاكل كلها أو نفيا مؤقتا لها، وهل يمكن أن يصبح الجنرال رئيسا دون أن يتفكك تحالف 14 آذار ويفقد بنيته المسيحية؟ ماذا سيمرر الجنرال لحزب الله في هاتين السنتين من مشاريع، وماذا سيغطي له من تجاوزات عبر تخريجات قانونية وشرعية حيث تصبح صاحبة بنية صلبة يحتاج تفكيكها إلى عشرات السنين.

بعد حديث سعادة السفير يمكننا الخروج بنتيجة ساخرة ومأساوية تقول إن الحماقة هي روح الاعتدال.

6