فرادة الطائفية المشرقية

السبت 2013/12/21

من البقاع السورية، إلى بغداد وصيدا اللبنانية، ليس سوى لغة الدم والكراهية في حرب الطوائف، حرب الجميع ضد الجميع. ولعّل هذا النهوض الطائفي يستحث سؤلا بديهيا طالما كان يتسكع بين مفاصل علاقات الاجتماع المشرقي وفي نسيج تفاعلاته، كيف استطاعت تلك الجموع التساكن والتعايش، وهي تنطوي على كل ذلك التنافر الذي فاض دفعة واحدة وينذر بإغراق الجميع؟

بعد سنوات من التشكل الافتراضي الكياني، يتكشف المشرق على مجموعة من الجزر الثقافية والديمغرافية التي لا تربط بينها سوى جسور واهية يسهل تفكيكها والعودة إلى الواقع الجزري في أي لحظة، في حين تبقى استراتيجيات العزلة والتأهب للصراع بمثابة خلايا قابلة للتفعيل في أي لحظة.

وإذ تبدو الأقليات أكثر انسجاما وتماسكا بحكم إحساسها بالخطر متعدد المصادر الكامن دائما بالوجود الأكثري (الاضمحلال والذوبان أو خطر الهيمنة والتهميش) ونتيجة وعيها بنفسها وبالمحيط حولها، في حين أن الأكثرية المفترضة تبدو بعيدة عن هذا الوضع إذ غالبا وفي ظل الأزمات يستطيع الفرد الأكثري تطوير أطر حماية واندماج تبدأ من الحل الفردي الذي تتيحه نواته الصغرى، إلى الإطار العائلي القبلي الأوسع نسبياً إلى الإطارين الطائفي والقومي، ويستطيع التنقل ضمن هذا الطيف الواسع من الأطر الانتمائية دون أن يشكل ذلك خطرا على وجود المكون برمته.

وفي إطار الانسجام ذاته والذي يشكل العنصر الأهم في الحقل التفاعلي بين المكونات الوطنية، كثيرا ما أفرز الدهاء الاجتماعي المشرقي نوعا من التورية، كانت نتيجتها سيادة حالة مضللة عن واقع هذا المجال، ذلك أن الانسجام كان يبدو متحققا في نقاط كثيرة بل ويشكل حالة متماسكة وصلبة، ولكن لدى حدوث أية هزّة يتراجع إلى الحد النسبي، ومع اشتداد الأزمات يتضح أنه لم يكن سوى نوع من التذاكي والأدب الاجتماعي، حيث لم يصل بعد إلى حدود القواسم المشتركة في الوطن والاجتماع. كشفت الأزمة السورية زيف ذلك الوهم وحررته من كل المحسنات التي طالما تعوّد المشرقيون التواري خلفها والاكتفاء بالتأكيد على صلابة انسجامهم ورقي وعيهم، فلم يكن صدفة عدم انخراط الأقليات في الثورة ولم يحصل حتى نوع من التوازن بين تأييدها للنظام وتأييدها للثورة. في المقابل لا تزال الأكثرية تحت وطأة اختراق الكثير من تياراتها المتطرفة وهي بحكم حالة اللاوعي الهوياتي وفي ظل عدم تبلور هويتها المكوناتية من غير المتوقع أن تفرز بنى سياسية ذات طابع حداثي من شأنها تدعيم الاندماج وضمان العيش المشترك، فلا إمكانية لقيام إطار سياسي سني من قبل قوى مدنية وليبرالية، هذه ستجد نفسها خارج هذا النمط من الأطر، وما يعيق إمكانية حصول مثل هذا التطور حقيقة سيادة الانتماءات الضيقة في الوسط الأكثري وهي انتماءات في أغلبها تبدو مكتفية بذلتها ومنغلقة على نفسها وغير معنية تاليا بالانتماءات الأخرى ما لم تكن لها وظيفة مصلحية آنية ومباشرة.

كثيراً ما يجري الحديث عن إعادة صياغة العقود الاجتماعية وإعادة تشكيل الدولة الوطنية على أسس جديدة بحيث تصير هذه الأخيرة الضامن الأساسي لمواطنيها، لكن يبدو أن هذا النمط من الحلول غير مؤهل للإقامة في المشرق، في الأصل فإن الدولة بمختلف مستوياتها لم تكن موجودة في التعاطي السياسي الداخلي، ما كان موجوداً هو إدارات للنهب والإخضاع ليس أكثر، وهو في أحسن الحالات شكل من أشكال إدارة المحاصصة والنهب الطائفي، تماماً كما هو حاصل في العراق ولبنان.

تكمن فرادة الطائفية المشرقية بسمتها اللا وطنية، فهي بحكم وقوعها تحت تأثير الثقافة الإسلامية، ذات الميل العام للأمة وليس للوطن، ظلت الوطنية في ربوع المشرق مجرد شعارات لا تأثير واقعيا لها، ففي حين ظل الحس الأكثري، الفاعل، منجذباً إلى وحدة الأمة الإسلامية، في ظل فشل وتهافت الأنظمة القومية واستعلائها، ما أوجد حالة من النفور العام تجاهها، وخاصة وأنها ارتبطت في الغالب بالنخبة الأقلوية المشرقية، لم تطور الطوائف الأخرى مسارب توصلها إلى الوطنية الحقيقية، وربما ساهم سيف الذميّة المشهور عبر التاريخ والخوف الدائم من الانصهار في بوتقة التجمع الأكثري في سيادة هذا النمط من العلاقات مع المكون الأكثري.


كاتب سوري

9