فراشات التمنـي

الأربعاء 2014/10/15

هل هو دفاع عن النفس؟ عن الفـُتاتِ من بقايانا؟.. أن نحسَّ ونحبَّ في خضمّ وطأةٍ لا يمكن أن يحتملَها حتى الجنون؟..

تتوالدُ اللحظاتُ.. تتسرّبُ من كوّةٍ لا تكادُ تلمحُها العينُ إلى فضاءاتٍ تتسعُ وتتسع.. برغم تناسلِ الفراغِ وتشظّي هذر الجوانح.. تنبجسُ فينا نوافيرُ أحلامٍ نسينا حتى كيف لها أن تبتدئ وكيف لنا أن نكونَ إزاءَها.. نلمحُ ضفائرَ طفوليّة تتجدّلُ.. تنضفرُ سلالاً.. لتمتلئ برتقالاً وأعناباً وكرزاً من حقولٍ مندثرة.. تتلوَّنُ السماءُ بألعابٍ ناريةٍ وكرنفالاتِ فرح.. ويصطفّ في الشوارعِ العازفونَ والمنشدونَ وترقصُ فينا الاُغنيات!..

أين كانَ كل هذا المهرجان؟.. من أيّ غابٍ سحيقٍ أطلـَّتْ هيبته شاهرة عجزَنا وبلادَتـَنا وسماجة َإذعاننا لوقتٍ جليد؟..

“سألوا أهل الخبرة فهم أعلم منكم”.. فسألتُ.. كان الرجلُ قد تجاوزَ السبعينَ ببضعةِ أمراضٍ في القلب والمعدة.. وتجاوزَ الحكمة َبخيوطٍ فضيّةٍ تزينُ رأسهُ المتلئَ بالكتبِ والمعزوفاتِ والفلسفة.. وتجاوزَ عمرَ الخطيئة بعشراتِ المعشوقات اللواتي أطلنَ ليلهُ وهو يجمع من أجلهنّ النجيماتِ “فيلضِمُها” عقوداً وقصائدَ يدندنـُها على أوتار عودهِ بأصابعهِ المرهفة.. ويغنـّيها بصوتهِ الدفيء شـَغفا..

– “سيدي.. إلى متى سنبقى نحب؟ أفلن يشيخَ الحبُّ فينا حين تنشفُ عذوقُ الحياة؟”..

– “بل نعشقُ سيدتي.. مادامَ في الروحِ رمقٌ وفي الرئاتِ نفـَسٌ وفي البالِ فراشاتُ التمنـّي.. لا تقلقي حبيبتي.. فمازالَ في العمر الكثير!”..

(لطالما ناداني حبيبتي.. فقد كنتُ حبيبتهُ الصغيرة َ أنا الاُخرى ذاتَ مفترق عجيب!)..

– “لكنني حيرى مطعونة القلب.. تكسرني خيبة ُالوطن وخيبة ُالحبيب!”..

– “الوطنُ فكرة.. والحبّ وهمٌ جميل.. لا تستسلمي ليأسِ وطن خذلكِ أو حبيبٍ هجر.. أوطاننا ستفيقُ من غيبوبتها بالحب.. فالأوطان عصية ٌعلى الموت!..

– “وماذا عن حبيبي؟”..

فيبتسمُ تلكَ الابتسامة َالتي أشـمُّها من نبرةِ صوتهِ وعلى بعد قارّةٍ وهو يقول:..

– “قالها نزار قبلنا: مثلما تطردُ الغيومُ الغيوما..الغرام الجديدُ يمحو القديما../.. لا تموتُ الخيولُ برداً وجوعاً.. إن للعاشـقينَ رباً رحيما”..

فأردّ ابتسامتهُ بابتسامةٍ من القلب.. واُحييه شاكرة.. كان هذا صباحهم.. وفرق التوقيت يضعني على المِحَك.. وقد تجعلني أسئلتي الوجودية أخسرُ موعدي المسائيّ بتوقيتنا!..

أهرعُ لاستبدال ملابسي.. أصعدُ قطاراً وأنزلُ من آخر وأنا أتطلـّع في الوجوه شاردة َالبال مستعيدة ًكلماتِ سيدي الحكيم.. وما إن أصلَ وتطأ قدمي أرضَ غايتي حتى أجد في انتظاري رجلاً وسيماً في منتصف العمر.. وإذا بنظرةٍ تخترقُ روحي ويدٍ يصافحُني دفؤها الذي أفتقد.. يقدّمُ نفسه بحميميةٍ تشعرني إنني أعرفه منذ طفولتي.. وبُعيدَ كُليماتٍ قلائلَ اُدركُ أن رأسه، الذي زيّنتْ فوديهِ خيوط الفضة، قد امتلأ كتباً ومعزوفاتٍ وفلسفات.. وإنه يملكُ من المشاعر ما سيجعله، ربما، يجمعُ من أجلي النجيمات “ليلضمَ” عِـقدَ فرحي شعراً وعشقاً وموسيقى!

يبتسمُ قلبي مرة اُخرى.. واُحس بأنّ الحبّ قد يطرقُ بابَ قلبي من جديد.. وألمحُ السماءَ وقد بدأتْ بشائرُ ألوانِها تشي بألعابٍ ناريةٍ وكرنفالاتِ فرحٍ محتملة.. وقد يصطفّ في الشوارعِ العازفونَ والمنشدونَ من أجلي فترقصُ فيَّ الاُغنيات!

نحب إذاً؟!.. الله يا أعذب الكلمات!.. يا أقلّ ما يقولُ بأننا مازلنا نعيش!.. “نعشقُ مادامَ في الروح رمقٌ وفي الرئاتِ نَفـَسٌ وفي البال فراشاتُ التمنيّ”..

أشكرك سيدي الحكيم.. أو دعني أقولها كما قالها نزار قبلنا: “شـكراً.. لأنك في حياتي!”

21