فراشات سعد يكن تلون فضاء بيروت

قدم الفنان التشكيلي السوري سعد يكن معرضه الجديد في صالة “آس في” في العاصمة اللبنانية بيروت تحت عنوان “الفراشة”، وتضمن المعرض أعمالا لم تبتعد عن ثيمة الإنسان التي لم تفارق أعماله السابقة، غير أن معرضه الجديد كشف عن برودة لم تكن حاضرة في لوحاته القديمة، برودة ليس مردّها غياب العاطفة، أو فقدان الصلة مع المآسي الإنسانية، بل مرّدها دخول كائن جديد إلى لوحاته قلب أجواءها رأسا على عقب، لم يحدث هذا مُصادفة، بل عن سابق إصرار الفنان وتصميمه في لحظة من لحظات السحر القصوى.
الجمعة 2017/12/15
فانتازيا التحليق المجنون

بيروت – لم يتراجع التشكيلي السوري سعد يكن يوما، لا بالقول ولا بالفعل عن اعتباره أن أهمية أي عمل فنيّ لا يأتي من كونه وصفيا، بل من كونه محركا لطاقة تجعل المُشاهد ينظر إلى الحياة من خلال زوايا إنسانية وسياسية واجتماعية جديدة، من هذا المُنطلق بالتحديد لم تحضر فراشاته في معرضه الجديد المقام في صالة “آس في” البيروتية والمعنون بـ”الفراشة”، كما معظم الفراشات في اللوحات والأشعار على اعتبار أنها كائنات جميلة جاءت لتدخل البهجة إلى قلوب شخوص اللوحة، أو لتنشر بألوانها الحب والأمل، وهي حتما ليست من نوع الحشرات المألوفة التي يمكن مشاهدتها في أرجاء الطبيعة.

هذه فراشات، بلا أدنى شك، من نوع آخر، تُذكّر بالمخلوقات المُجنحة التي عثر عليها المُشاهد في فيلم “دهليز بان” الفانتازي الرائع للمخرج ديلتورو، والذي خيم عليه رعب يصعب تحديد ماهيته.

الكائن المجنح

فراشات سعد يكن تشبه تلك الكائنات المُجنحة لثلاثة أسباب، أولا لناحية شكل وقوفها على أصابع شخصيات اللوحات وكأنها تبث “خدرها” بعمق وبصمت، خدر استطاع في أكثر من لوحة أن يتخذ أحوالا مُختلفة، فهو أزال أحيانا الحدود الفاصلة ما بين الأجساد، لا سيما المرأة والرجل، وهو في أحيان أخرى بثّ نثاره في فضاء اللوحات وخلفياتها فقلب بنيانها التشكيلي رأسا على عقب.

أما السبب الثاني، فهو أن حضور فراشات سعد يكن، كما حضور المخلوقات المُجنحة في فيلم “دهليز بان” هي هبوب لمجموعة أسئلة لفحت وجه الناظر إليها.

هل هي فراشات “شريرة”، أم “خيّرة”؟ هل هي موجودة فعلا في اللوحات من خلال نظرة الفنان إليها أم هي حاضرة من خلال تلقي شخوص اللوحة لأثر حضورها؟ هل حضورها حسيّ/ماديّ بقدر ما هو بصريّ؟

وإن كان ذلك كذلك، لماذا لم نشهد ولا في لوحة واحدة شخصا يرمق واحدة منها ولو بنظرة واحدة؟ في حال حدث ذلك، ألن يؤدي ذلك إلى احتراقها أو التهامها كما حدث في الفيلم؟ فالتعبير الجليدي المُشتعل في نظرات شخوص اللوحات كفيل بأن يحرق كل ما طاله.

والسبب الثالث يكمن في أن فراشات الفنان هي أيضا مثل مخلوقات الفيلم المُجنّحة، من ناحية أنها دليل جغرافي ينقل شخوص اللوحات في مساحة اللوحة من حيز خيالي إلى آخر، حيث برع يكن في ترجمة ذلك عبر توضيفه الخبير لأساليب فنية لم يتوان يوما في استخدامها في لوحة واحدة، لكي يُظهر ما يريد تظهيره من أفكار وأحوال.

ومن الأساليب تلك التي تنتمي إلى الانطباعية والتكعيبية، أساليب تميزت بأنها استنفرت مفردات الضوء والظل واللون لسكب أكوان مُتداخلة ومتعاقبة الطبقات من ضمن مشهد واحد يبدو وكأنه بفعل استخدامها “ينزاح” تشكيليا من ناحية إلى أخرى في اللوحة.

في بعض لوحات سعد يكن تحل الفراشات في الأجساد لتصيرها، فتزوغ أنظار الشخوص حينها، بعيدا.. في العدم

أثر الفراشات

لا وجود لأي فراشة بريئة في لوحات سعد يكن، لأنها تملك “أجندة سرية”، أحيانا تغيب الفراشات لكن ليس تماما، إذ تحضر أجنحتها وأثرها الدامغ في تحولات الشخوص الذين كانوا هادئين قبل مجيئها، وأحيانا تحضر في اللوحات وكأنها محضر خير، كما في اللوحة التي تجلس فيها نسوة مع مظلات، محضر خير، أو فأل خير، هو في كلا الحالتين هدوء ما قبل العاصفة، وفي بعض اللوحات “تحلّ” الفراشات في الأجساد لتصيرها، فتزوغ أنظار الشخوص حينها، بعيدا.. في العدم.

أما في اللوحات التي يغلب عليها أجواء الغرام فتتجلى الفراشات بوضوح لتبدو عملاقة وخافقة ومُتّحدة جسديا مع العشاق، وكأن الفنان، الذي عكف خلال معارض سابقة على وصف التباعد بين الأحبة أراد أن يقول “حبّ بعد شقاق.. ولكن أي حبّ هو؟ إنه حب محفوف بالمخاطر، ماذا لو غادرت الفراشة الأجساد واللوحة؟ هل سيبقى التقارب ما بين الحبيبين؟”.

أثر الفراشات خطير في لوحات يكن، وهو يحيلنا مُباشرة إلى نظرية “أثر الفراشة” التي وباختصار وتبسيط شديدين، تنصّ على أن هنالك حدثا أوليا بسيطا نكاد نستشعره يولّد سلسلة عشوائية متتابعة من الحوادث الكارثية التي تبدو عشوائية في ظاهرها، ولكن إذا تحققنا منها نكتشفها مترابطة في باطنها.

وتنطبق هذه النظرية “فنيا”، إذا صح التعبير، على معظم لوحات الفنان سعد يكن، لا سيما اللوحات التي تبدو فيها خفقات أجنحة الفراشات الفاعلة في صلب الوجوه وقد أخرجت ملامح الوجوه بضعة سنتيمترات وأكثر بعيدا عنها.

حينها يُمكن أن نلاحظ حقيقة الفارق ما بين هدوء الوجوه الزائف وثبات أطراف أجساد الشخوص و”جنونها” المُطرد تحت أثر خفقان الأجنحة، سنتيمترا تلو السنتيمتر.

كثيرا ما قيل عن لوحات الفنان السوري إنها تسرد بصريا أجواء تذكّر بألف ليلة وليلة، أما في هذا المعرض فما شاهده الزائر، هو النسخة الدرامية منها وهي تؤدى على مسرح الوجود، هذا ما تحدثّنا عنه فراشات سعد يكن، وهذه الدرامية هي متأتية تماما من فراشاته وأثرها الفتّاك، الذي لا يمتّ إلى البراءة بشيء إلاّ ظاهريا.

17