فراش الزوجية.. سعادة للروح أم غباء للعقل

أمنية أي إنسان طبيعي أن يجد من يشاركه حياته وفراشه ولا يتركه فريسة للوحدة، لكن دراسة نمساوية حديثة حذرت الأزواج الرجال من أن مشاركتهم زوجاتهم الفراش سوف تؤدي بهم على المدى البعيد إلى زيادة نسبة الغباء، مبررة ذلك بعدم توفير القدر الكافي الذي يحتاجه المخ من النوم، الذي يصل في حده الأدنى إلى خمس ساعات يوميا.
الأحد 2015/08/30
المشكلة تكمن في قلة النوم وليست في مشاركة الزوجة نفس الفراش

أظهرت دراسة نمساوية حديثة أن مشاركة الفراش تعرض الرجال والنساء إلى نفس القدر من الإزعاج الأمر الذي يؤثر على جودة النوم، لكن التأثر السلبي أكبر لدى الرجال.

وأرجع الدكتور أمين الرشيدي طبيب علم النفس الإكلينيكي، ذلك لطبيعة النساء التي تختلف عن الرجال حيث يتميزن بالنوم الخفيف، لارتباطها تاريخيا بفطرة الأمومة التي تجعل مخ الأم في حالة يقظة دائمة لرعاية رضيعها.

وأشار الرشيدي إلى أن تعود المرأة على ذلك حصنها من الإصابة بالأمراض العقلية، لأنها إن استيقظت لسبب ما تكون قادرة على العودة للنوم دون مشقة، بعكس الرجل إذا استيقظ لا يستطيع أن ينام مجددا إلا بصعوبة، وربما يضطر للاستيقاظ، وبالتالي فالضرر الواقع عليه أكبر من زوجته.

نتائج الدراسة يمكن أن تولد الكثير من المشاكل بين الأزواج، أبرزها الجفاء والتنافر والخصام، كما توقع أحمد شريف الداعية الإسلامي ومدير أحد المعاهد الأزهرية، لأنها تتنافى مع مفاهيم الإسلام، التي تتعلق بالسكن والمودة والرحمة، وتميز الحياة الزوجية وتغلفها بالسعادة، كما جاء في الآية الكريمة “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن نوم الزوج بجوار زوجته من دواعي الألفة، فالفراش الواحد من باب المعاشرة بالمعروف التي أمر الله تعالى بها الزوج في تعامله مع زوجته في قوله “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ”.

وأضاف الأزهري أن تلك الدراسة نتاج ثقافة الغرب القائمة على الإيمان بالماديات وتقديس الاستقلالية والحريات الفردية، أما نحن فنستمد ثقافتنا من الكتاب والسنة ونتبعها للمحافظة على هذا الرباط المقدس.

وبالرغم من أن الدراسة اعتمدت الأسلوب العلمي من خلال وضع مجموعة من الأزواج تحت المراقبة الكاملة، باستخدام أجهزة دقيقة ترصد بحساسية شديدة حركة الجسم أثناء النوم، وأثبتت بالأدلة القاطعة أنها تؤدي إلى الغباء، إلا أن الدكتور أحمد علق عليها ساخرا أن تعميمها سيؤدى إلى الهجر، وهو العقاب الذي يستعمله الزوج لتأديب الزوجة، فهل اضطراب علاقة الرجل بزوجته سيحفظ له ذكاءه؟
باحث إسلامي: نتائج الدراسة تخلق مشاكل بين الأزواج أبرزها الجفاء والتنافر والخصام

انفصال الزوجين في الفراش مثلما تطالب الدراسة أمر غير صحي، كما أوضحت لـ"العرب" نجلاء العشماوي استشارية العلاقات الأسرية والزوجية، مؤكدة أنه يترك العديد من الآثار السلبية، سواء عليهما أو على الأبناء الذين تعتبر الأسرة بالنسبة لهم النموذج الأولي الذي يتعلمون فيه مفاهيم الحياة السليمة.

وقالت إذا كانت أول هذه المفاهيم هي نوم الزوجين في غرف منفصلة، فالنتيجة ستكون أبناء غير أسوياء، فمشاركة الزوجين في فراش واحد تتعدى فوائد النوم في سرير منفصل على العائلة بأكملها، إلى جانب تأثير ذلك على الصحة النفسية للزوجة لشعورها بوجود زوجها بجانبها في جميع الأوقات، وليس لإقامة العلاقة الخاصة فحسب، بالإضافة إلى أن المرأة التي تنام بجوار زوجها أكثر شعورا بالأمن والطمأنينة من غيرها.

الجانب العلمي الذي قامت عليه الدراسة، لم يهتم بالعواطف والمشاعر والعادات بقدر تكريسه لمقولة “العقل السليم في الجسم السليم”، كما يرى الدكتور محمد عبدالمنعم، إستشارى جراحة مخ وأعصاب، فالعقل والبدن يحتاجان للراحة من الإجهاد.

وأوضح أن تراكم الأعراض المرضية سيحولها إلى مرض مزمن، سواء كان للزوج أو الزوجة، مؤكدا أن أكثر ما يجهد العقل ويؤدي إلى ضموره عدم أخذ قسط كاف من الراحة، لا يقل عن 8 ساعات يوميا.

وأرجع أستاذ الجراحة لـ”العرب” ذلك إلى أن تلك الساعات يتخلص خلالها المخ من البروتينات السامة، التي تصيب خلاياه العصبية أثناء النهار، بسبب المشكلات اليومية والعمل والظروف الحياتية الأخرى، وبالتالي تنشط خلايا المخ، أما في حال عدم الحصول على النوم الكافي فإن السموم ستواصل التجمع في الخلايا الدماغية، وتتلف جزيئات بها، ما يؤدي إلى تراجع الذاكرة والإصابة بالغباء.
استشاري علاقات زوجية: فوائد النوم في فراش واحد تتعدى فوائد النوم المنفصل على العائلة بأكملها

الدراسة ترفيهية الأهداف ومن المؤكد أنها تخاطب طبقة الأغنياء، هكذا قالت هناء كمال، باحثة اجتماعية، لـ “العرب”، فمن وجهة نظرها أنه إذا كان نوم الزوجين منفصلين متيسرا، ويحقق خصوصية لكل منهما، فهي فكرة جيدة لمن لديه القدرة على تنفيذها، وربما ترتبط هذه الدراسة بفكرة أن كل من الزوجين كانت له خصوصيته التي اعتاد عليها في فترة العزوبية، وليس من المعقول أن يتم كسرها مباشرة بعد الزواج، والتأقلم على طبائع مختلفة تماما.

على النقيض ترى مها الجميل أستاذ الطب النفسي، أن الغرف المزدوجة للأزواج مدافن لعلاقتهما الزوجية وبداية للبرود العاطفي، وهو خطر جسيم يتعدى الغباء، لأن من شأنه القضاء على الحياة الأسرية بأكملها، أو على الأقل زرع حواجز تسبب أذى نفسي لكليهما، وربما يزرع بذور عدم الثقة بينهما، لمحاولتهما إخفاء خصوصياتهما عن بعضهما، فتحدث فجوة تزداد بمرور الوقت، ويؤدي اتساعها للوقوع في مستنقع الخيانة.

وأضافت مها الجميل “إننا في العالم العربي نعيش ثقافة مغايرة، ولا نستطيع تطبيق هذه الأبحاث، لكن من الضروري إجراء دراسة أخرى لمعرفة الأسباب التي أدت إلى تلك النتائج ومعالجتها، بدلا من المناداة بالفصل الزوجي وتشجيعه”.

وقالت، على سبيل المثال من الممكن إذا جاء أحد الزوجين من العمل وهو متعب أن يستريح بعض الوقت بمفرده، وعلى الطرف الآخر أن يراعي ذلك ولا يزعجه، وهنا تتم تلبية احتياجات المخ والجسد، بالإضافة إلى عدم حرمان الروح من الشعور بالأمان بجانب شريك العمر ليلا.

الدراسة تنسفها دراسة أخرى أميركية بحسب علياء أبوالعينين أستاذة علم الاجتماع، فهناك باحثون أميركيون من جامعة بيتسبرج أجروا دراسة أظهرت أن تشارك السرير مع الحبيب مفيد للصحة، ويخفف هرمون التوتر، الكورتيزول، ويزيد معدلات هرمون الأوكسيتوسين أو ما يعرف بـ”هرمون الحب” لأنه يزيد الشعور بالأمان.

معروف أن ازدياد الكورتيزول لفترات طويلة يزيد بروتين السيتوكين الذي قد يسبب الالتهابات التي تؤدي بدورها إلى أمراض القلب، والاكتئاب، واضطرابات جهاز المناعة.

تعارض نتائج الدراسة مع غيرها من الدراسات أرجتعه أستاذة الاجتماع إلى صعوبة مسألة النوم، التي لا يمكن تعميمها على الجميع، فبعض الناس يقولون إنهم عندما ينامون بعيدًا عن أزواجهم يؤثر ذلك سلباً عليهم، والبعض الآخر يؤثر عليهم إيجابيا، فكل فرد له نمط معين قبل النوم، فهناك أزواج ينامون بعد القراءة، وهناك من لا ينامون إلا في ضوء خافت، بينما يفضل آخرون الظلام، وهناك من يستيقظون كثيرا في الليل، وغيرهم يدخلون في نوم عميق.

21