فراعنة مصر أقدم من منح العمال حقوقهم

عبقرية الفراعنة وأساليب حياتهم ما انفكّت تثبت، يوما بعد يوم، أنّها عصيّة عن البوح بكلّ أسرارها دفعة واحدة.. ففي العيد العالمي للعمّال يتجلّى أمام العالم أنّه كان للمصريين القدامى نظام مضبوط للعمّال والكادحين، يتمّ بموجبه تحديد حقوقهم وواجباتهم، ولكن يوضّح أيضا مدى الرعاية الاجتماعية والطبية التي كانوا يحاطون بها من أجل أداء ما عليهم من أشغال.
السبت 2015/05/02
الرسوم الفرعونية شواهد تاريخية على دقة تنظيم العمل في مصر القديمة

الأقصر (مصر)- عرف الفراعنة حقوق العمال، ووفّروا لهم ما استطاعوا من حياة كريمة تضمن السكن والعيش والطعام، كما حرصوا على وجود الأطباء بمواقع العمل.. هذا ما كشفت عنه دراسة حديثة قدّمها الباحث المصري الدكتور محمد يحيى عويضة بمناسبة احتفالات العالم بعيد العمال الذي صادف يوم أمس الخميس.

وأوضح عويضة أنّ حكام مصر القديمة عرفوا حقوق العمال من كيفيّة التعامل مع السجناء، فقد نجحوا في إعادة تأهليهم اجتماعيّا، وأتاحوا لهم إمكانيّة الاندماج في المجتمع، ومنحوهم قبل الآلاف من السنوات الحقوق البشرية التي ينادي بها العالم المعاصر اليوم.

ويُضاف إلى مصر الفرعونية، مع ذلك، أنّها عرفت كذلك أوّل إضراب عن العمل وأوّل تظاهرات عمّالية في التاريخ، وهي وقائع جرت في منطقة دير المدينة التاريخية في أحضان جبل القرنة غرب الأقصر قبل 3500 عام.

والمثير في هذه الرواية أنّ هناك دراسة تاريخيّة كشفت أنّ كبير الشرطة، في ذلك الوقت، أعلن عن تضامنه مع مطالب العمّال، رافضا مطالب بعض المسؤولين في مصر القديمة بتفريق تلك التظاهرة العمّالية بالقوّة.

وتحمل في طيّاتها أيضا ما كان يعيشه العمّال آنذاك من معاناة، فلا شكّ أنّ بناء الأهرامات وتلك المعابد الفرعونية العظيمة، ما كان لينجح لولا وجود نظام صارم، لقي جرّاءه الآلاف من العمال أو العبيد حتفهم.
1500

عام قبل الميلاد، تاريخ تقديري لأول إضراب عمالي في منطقة الأقصر

وقال عويضة إنّ القوّة البشرية والعمّالية في مصر الفرعونية كانت بمثابة كلمة السر في قيام أعظم حضارة عرفتها الإنسانية على وجه الأرض، وأنّ حضارة مصر القديمة قامت على ثلاثة أسس هي الإيمان والعمل والعلم، وكان العمل هو التطبيق العملي للإيمان والعلم، معتبرا أنّ قدماء المصريين تفرّدوا بمنظومة العمل الجماعي، فشقّوا قنوات الري وأنشأوا السدود وشيّدوا المعابد وحفروا المقابر في تناغم شديد فيما بينهم.

احترام مواعيد العمل، كان بدوره أمرا مقدّسا لدى المصريين القدامى، حسب ما ذهب إليه الباحث المصري، وهو طرح يجد ما يُبرّره بالنظر إلى عظمة الحضارة الفرعونيّة التي ما كانت لتنشأ لولا وجود أنظمة عمل دقيقة وحازمة، وما كانت تلك الأنظمة لتنجح في إنجاز ما خطّطت له لولا تحديد حقوق معيّنة للعمّال حتى يمكنهم مواصلة العمل وإتقانه بالشكل الذي يبدو عليه اليوم.

الباحث المتخصّص في الآثار الفرعونيّة، وخاصة بمنطقة الأقصر، أكّد أنّ المصريين القدامى توارثوا عن أجدادهم أعمالا ومِهنا وصناعات وحِرفا أورثوها لأبنائهم، وأخلصوا في تطوير أعمالهم، و”كانوا يؤدّونها بدقة متناهية وبإحساس مرهف نراه في كثير ممّا تركوه من لوحات وأدوات في شتى مناحي الحياة”.

وقال عويضة إنّ “المصري القديم تمسّك بمبادئ العمل حتى في الإعداد لانتقاله إلى العالم الآخر، وفق معتقداتهم، فكان يصطحب معه في قبره 365 تمثالا بعدد أيّام السنة، وتعرف تلك التماثيل بتماثيل الأوشابتي، أي التماثيل المجيبة والملبية، ليستمر في إنجاز الأعمال الموكلة إليه عبر تلك التماثيل حتى بعد وفاته”.

وحسب ما ترويه الكتب القديمة وما ترجمه الأثريون فإن “تمثال الأوشابتي هو لشخص يحمل فأسين وسلة معلقة على ظهره، ونقش على كل تمثال فقرة من كتاب الموتى: أيها المجيب والملبّي إذا طُلب مني زراعة الحقول أو ري الشطآن أو إقامة السدود، فلتقل عند ذلك ها أنا ذا”، وهو ما يؤكد مدى تفاني المصري القديم وحرصه على أداء واجبه وعمله حتى بعد وفاته، على حدّ تعبير عويضة.

المصريون القدامى توارثوا عن أجدادهم أعمالا ومِهنا وصناعات وحِرفا أورثوها لأبنائهم

منجزات الفراعنة في مختلف المجالات، من عمارة وفنون وعلوم وغيرها، قامت على العمل الجماعي والإخلاص للآخر.. وهي منجزات لا تتحقق إلا بوجود سلام وصفاء داخلي في وجدان أفراد تلك المجموعات، وفق ما ذهب إليه الباحث محمد يحيى عويضة.

فقد ترك الفراعنة للإنسانية جمعاء تراثا ضخما يثير الإعجاب والدهشة، إذ عُرف المصري القديم بأنه محب لعقيدته وبلاده وأسرته، وهو حبّ ناتج عن تمتعه بالسلام الداخلي الذي أتاح له إتقان عمله بشكل غير مسبوق.

وبمناسبة احتفالهم بعيد العمال يستعيد المصريون عبر ذاكرتهم التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ صور أوّل إضراب عن العمل وأوّل تظاهرات عمالية في التاريخ، وكيف استطاع العمال في مصر القديمة أن يحصلوا على حقوقهم بالتظاهر السلمي، وكيف وقفت الشرطة بجانبهم آنذاك، وسط مطالب بأن يتحوّل “دير المدينة” الذي تفجّرت بين أروقته أول ثورة عمالية في التاريخ إلى متحف للثورات يسجل قصص الثورات العمالية والشعبية عبر العصور ومشاهدها.

20