فراق المالكي هذه المرة، بسلام أم خصام

الجمعة 2014/04/18

إن المعطيات المتلاحقة على الساحة الانتخابية العراقية تكاد تؤكد أن ثلاثة أرباع الكتل والائتلافات، ومن ورائها، كما ما يُفترض، ثلاثةُ أرباع الشعب العراقي، قررت، عدم السماح لنوري المالكي بدورةٍ ثالثة. ولكلٍ أعذارُه ومبرراته ودوافعه، ولكنهم جميعا متفقون على مناشدة الناخبين تحكيمَ العقل والمصالح الوطنية واختيار الأفضل لإخراج الوطن من المآزق التي أوصلته إليه حكومة فاشلة لم تحسن القيادة، فأغرقته في الأزمات والانقسامات والكراهية والحرائق والخراب.

فالمرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني في اجتماعه مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر دعا رعاياه إلى ضرورة نبذ الطائفية، واختيار الأكفأ وتقديم المصالح الوطنية على المصالح الضيقة والوقوف في وجه الفساد.

والمرجع الديني بشير حسين النجفي قال إن الواجب يفرض على المواطنين المشاركة الواسعة في الانتخابات، وعدم المشاركة يسمح باستمرار الفاشلين وصعود الفاسدين، ورجوعهم مرة أخرى ليتحكموا بخيرات البلاد والعباد. كما حرم انتخاب أية قائمة يمثلها وزير، ولو كان واحدا، في الحكومة الحالية. وحذر الناخبين من “الانخداع بالوعود الفارغة من تلك الوجوه المتملقة التي لم يجن العراق وشعبه منها إلا الخسران”. وقال “إن الذين جاؤوا إلى الكراسي خدموا جيوبهم، ولم يخدموا الشعب، فلابد من التغيير والنهوض بهذا البلد العريق، وإن ما يؤسفني ويؤلمني، ويؤسف ويؤلم إخوتي المراجع جميعا، هو عدم قيام الحكومة بواجباتها أبدا، بل لا نرى غير افتعال للأزمات التي توالت بفعل سوء الإدارة. فلا خدمات ولا أمن ولا أمان، ودماء العراقيين تراق كل يوم تقريبا، بسبب التقصير في الأجهزة الأمنية، والصراع القائم، والتجاذب السياسي على المقاصد الحزبية والشخصية”.

والمرجع الديني إسحاق الفياض، أحد المراجع الأربعة في النجف قال في رد على سؤال لأحد أتباعه حول الانتخابات البرلمانية المقبلة إن “الانتخابات ضرورة وطنية لا ينبغي التفريط بها”. “وعليه فإن تغيير الأوضاع التي يعيشها الشعب منوطة بحسن اختياره لممثليه الأمناء الأكفاء المخلصين الذين يُؤثرون مصالح الشعب على المصالح الخاصة والفئوية والحزبية والعشائرية”.

لا يكف عبدالمهدي الكربلائي معتمد السيستاني عن القول إن المرجعية تقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين والقوائم المتنافسة، لكن هذا لا يعني الرضى عن الانتهازيين والفاشلين. وأكد على أهمية الانتخابات في تحقيق التغيير المطلوب من خلال حسن الاختيار، «لأن هذا هو الأساس في تشكيل حكومة رشيدة صالحة وبرلمان يقوم بمهامه الدستورية لخدمة المواطنين وتشكيل نمط جديد من الممارسة السياسية التي تقوم على تجديد الوضع الحكومي بالشكل الذي يرغب فيه الناس».

وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر وصف في وقت سابق نوري المالكي بأنه ديكتاتور، وقال إن سياسته هي “تكميم أفواه معارضيه”، مشددا على رفض ترشيحه لولاية ثالثة. ورئيس مجلس النواب زعيم قائمة “متحدون” أسامة النجيفي كرر رفضه منح المالكي ولاية ثالثة، وقال في المؤتمر الانتخابي لائتلافه في محافظة نينوى إن “أي تجديد لولاية رئيس الحكومة سيكون إذعانا للنهج التعسفي، وسيكون تجويزا للمجازر والمذابح التي ارتكبت بحق الأبرياء من المواطنين”.

وكتلة عمار الحكيم، أيضا، أكدت أن “التحالفات السياسية القادمة ستكون مع من يشاركنا في برنامجنا الانتخابي لإخراج البلاد من حالة الإرباك التي تعيشها”.

أما “التحالف الكردستاني” فقد أعلن على لسان إحدى نائباته في البرلمان أن “تولي المالكي رئاسة الوزراء مرهون بنتائج الانتخابات، اذا كانت نزيهة ونتائجُها تعكس إرادة حقيقية. فهي التي ستحدد إلى أي من الكتل ستذهب رئاسة الوزراء، ومن سوف نرشح”. وأشارت إلى أن “التحالف الكردستاني بالتأكيد سيضع ملاحظاته على أية تسمية لا تتوافق ورؤيتنا، تماما مثلما سجلنا تحفظاتنا في سنة 2010 على مرشح التحالف الوطني إبراهيم الجعفري”. وأكدت “وجود مشاكل بين المركز والإقليم أثناء تولي المالكي رئاسة الحكومة، وهو ما سيؤثر على رأي الأكراد في شأن ترشحه لولاية ثالثة”.

أعلن أياد علاوي أنه لن يسمح باغتصاب السلطة مجددا مثلما حصل عام 2010، مؤكدا وجود اتصالات من أجل التحالف مع كتل الصدر وبارزاني والحكيم بعد الانتخابات.

أما القوى التي يضمها التحالف المدني الديمقراطي وهي الحزب الشيوعي العراقي، الحزب الوطني الديمقراطي، حزب العمل الوطني الديمقراطي، حزب الأمة العراقية، حركة العمل الديمقراطية، إضافة إلى شخصيات ديمقراطية مستقلة، والحركة الاشتراكية العربية، وحزب الشعب، وكتلة أبناء الحضارات، فموقفها مبدئي وحازم وصريح، وهو مع إنقاذ العراق من الهوة التي أسقطته فيها قيادة المالكي الفاشلة.

إذن ومن كل هذه المقدمات كان يمكن أن نحدد نتائج الانتخابات بسهولة، لو كانت تجري في دولة أخرى غير العراق، وفي غير واقعه الحالي المحفوف بالمفاجآت والتقلبات. وعليه فإن المسألة كما يبدو، لا تقررها فتاوى المراجع ولا نصائح الكتل والائتلافات وحدها، حين تكون شريحة واسعة من “الجماهير العريضة” مُخرَّبة موسخة، مستعبَدة بحاجتها وفقرها، ومسجونة في جهالتها وتعصبها الطائفي الأعمى.

فبعد كل الذي نشره المالكي من ظلام ودم ودموع في مدارس أبنائها ومستشفياتها ومنازلها، وبالأخص أبناء طائفته ذاتها التي أقحمها في صراعات دامية مع شقيقاتها من المكونات العراقية الأخرى دون مبرر سوى الحمق والهوس المرضي بالسلطة، ما زال هناك مصفقون ومهللون كثيرون، معممين ومعقلين وأفندية، يتقافزون لتقبيل يده، ويهتفون بحياته وحياة عهده غير الأمين.

لكن، ورغم ذلك وبكل الحسابات، لن يكون من السهل عليه أن يحصل على مقاعد كافية تجعله قادرا على تحقيق حلمه بتشكيل حكومة الأغلبية، أو دولة “آل البيت”، كما زعم، لكي يصبح أكثر تحررا من قيود الشراكة الوطنية التي لم يلتزم بأحكامها وشروطها، أصلا، من الأساس. وهنا يكمن مأزقه الجديد. فهو لابد أن يكون أحوج من أي وقت مضى إلى متحالفين يبيعونه كراماتهم وحقوق ناخبيهم بثمن المجد المهدد بالضياع، وسوف يبذل بلا حساب، من أموال الدولة في مثل ذلك الشراء. وقد لا يجد هذه المرة غير زعانف صغيرة تافهة معروفة برخصها وقلة قيمتها وسوء أخلاقها وسلوكها لدى العراقيين.

في أعقاب انتخابات 2010 لم يستطع حزب الدعوة وتجمعات أخرى تحالفت معه في ما يسمى بدولة القانون أن يحصل إلا على 92 مقعدا، ولم يستطع المالكي أن يتربع على عرش العراق لولا عصا قاسم سليماني، ولولا اضطرار المجلس الأعلى والتيار الصدري إلى الانصياع لإرادتها القاهرة.

إذن، وفي أفضل التوقعات، لن تتوفر لتحالف المالكي هذه المرة، إزاء مواجهة حامية مع حشود معادية له في المعسكر الشيعي نفسه، فرصة الفوز بنجدة ثالثة من المجلس الأعلى والصدريين والمستقلين في الائتلاف الشيعي، مثلما حدث في أعقاب انتخابات 2010. بعبارة أخرى، لا يملك المراقب السياسي المحايد إلا أن يتوقع نهاية مؤكدة لكابوس كلكل على العراقيين ثماني سنين، إذا ثبتت المواقف وصحت النوايا.

ولكن الذي يُحزن حقيقة، أن فوزه مشكلة، وعدم فوزه مشكلة أخرى أكبر وأخطر. فهذا الرجل الذي بلغ به الهوس السلطوي أقصى حدوده، والذي تمكن بالخداع والغش والنفاق من حصر قوة الدولة وجبروت ثرواتها بيده وحده وبأيادي قلة من أفراد أسرته ومساعديه ومستشاريه أصحاب الشهادات المزورة، أصبح مدركا بقوة أنه لم يترك للصلح مطرحا، بعد أن قطع أشواطا بعيدة في معاداة أغلب القوى السياسية الفاعلة والمكونات الأساسية، حتى التي حملته على أكتاف أبنائها من داخل طائفته ذاتها، وخاض معارك كسر عظم وتسقيط وتجريح وتأزيم لا مع الداخل فقط بل مع دول الإقليم، وأن فشله في الإمساك بالسلطة هذه المرة يعني أن عليه أن يواجه كوارث الزمن القادم المجهول التي تنتظر.

وإزاء واقع بهذا الحجم من الحساسية والحرج لابد له أن يختار. إما أن يستسلم للواقع الجديد بأريحية وروح وطنية وإحساس بالمسؤولية والشجاعة، ويجنح للسلم ويحقن دماء العراقيين، ويجنبهم الاقتتال والفراغ الأمني والسياسي، ويحمي شعبه والمنطقة من مخاطر حريق لا يمكن التكهن بنتائجه المدمرة، وهذا أمر بعيد عليه، وغير متوقع من واحد عودنا على الانفعال والارتجال والهوس بالسلطة، وقد جربه العراقيون سنوات طويلة كالحة مرهقة مظلمة، حتى لم يعد لدى أي منهم أملٌ في ذئب يصبح حمامة، في يوم من الأيام، أو أن يعمد إلى المشاكسة والمكاسرة والمراوغة وخلط الطين بالعجين، واختلاق الأعذار والمبررات، لتعطيل تشكيل حكومة يسلمها رقبته ورقاب كثيرين ممن شاركوه الظلم والفساد، خصوصا وأن حكومته ستكون حكومة تصريف أعمال بموجب الدستور. يساعده ويغريه بذلك ما في إمرته من مليشيات وقوى أمن وشرطة ومخابرات ومؤسسات، ولاؤها له شخصيا وليس للدولة التي كان اسمها العراق.

وإذا كان في الدورة السابقة 2010، قد عطل الحياة السياسية، ووضعها على كف عفريت إلى ما يقرب من عام، وهو المكلف بتشكيل الحكومة، فكم سيحتاج لتعطيلها هذه المرة قبل أن يرضخ، في النهاية، لإرادة المجتمع ويحمل عصاه ويرحل.


كاتب عراقي

9