فرانز فانون مثقف الحرية الذي حاور الفلسفة الغربية

فانون قد استطاع أن يقيم محاكمة لتناقضات النزعة الإنسية الغربية ذات المعيار المزدوج.
الجمعة 2020/01/10
مفكر ناصر كل المضطهدين

بدخول هذه السنة الجديدة يكون قد مضى على وفاة المفكر المارتينيكي فرانز فانون نصف قرن وتسع سنوات كاملة، ولقد انعقدت بهذه المناسبة ندوات في الغرب، مثلما انعقدت من قبل، عشرات الندوات وصدرت دراسات وكتب كثيرة حول فكره ونضاله كما أنتجت أفلام مؤثرة تخلَد مساره كإنسان وكمقاوم للكولونيالية، ولكن الجزائر لم تهتم بذكرى وفاته رسميا أو شعبيا أو على مستوى ما يدعى بالمثقفين أيضا رغم أنه كان أحد أقطاب مجاهدي حركة التحرر الوطني الجزائري وصوت ثقافة الحرية.

في هذا السياق نجد الاهتمام الغربي المتزايد بفانون يمتد إلى إبراز حواره النقدي مع الفلسفة الغربية بهدف إنزالها من فضاء التجريد والمفاهيم الصماء إلى الواقع الإنساني. وسأكتفي هنا برصد بعض ملامح هذا الحوار.

ففي كتابها “قوة الأشياء” أوضحت المفكرة الوجودية الشهيرة سيمون دو بوفوار أن فانون الذي عرفته عن كثب قد ارتبط برفيق حياتها الفيلسوف جان بول سارتر ارتباطا مؤسسا على الشراكة في المواقف ضد الاستعمار الفرنسي، وفي تأويل عنف الخاضعين للاستعمار على أنه ليس بظاهرة عدوانية وإنما هو مقاومة مبررة أخلاقيا.

والملاحظ في هذا السياق أن الدراسات العربية القليلة جدا والمكرسة للمفكر فرانز فانون تخلو غالبا، إن لم نقل كليا، من تقصي الكيفية التي حاور بها فانون الفلسفة الغربية بشكل عام وفلسفات كل من جورج فلهلم فريدريك هيجل، كارل ماركس، كارل ياسبرز وموريس ميرلو بونتي وغيرهم، وزيادة على ذلك هناك انعدام الدراسات العربية التي تعنى بتحليل كتابات فانون وعلاقة المستعمَر مع المستعمِر من منظوري التحليل النفسي، والطب النفسي الذي هو التخصص الأكاديمي لفرانز فانون.

وفي الواقع فإن التمعن في مرجعيات فانون الفكرية يكشف أنه كان منغمسا على نحو عميق في عمليات المثاقفة مع الفكر الفلسفي الغربي، وفي تمثل وتوظيف نظريات التحليل النفسي ببعدها الفلسفي والعيادي معا لتفكيك الظاهرة الكولونيالية ونفسية المستعمر والمستعمر معا. ومن الواضح أن عمليات المثاقفة الفانونية ليست مقتصرة على اختبار مفاهيم ونظريات الفلاسفة الغربيين، بل قد تحولت على يديه إلى سلاح تحريري من الكولونيالية الغربية. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن نقده الفلسفي هو دحض للنظريات الفكرية والفلسفية التي تسوغ أشكال النفي، والاغتراب، ونزع السيادة عن الإنسان ضمن تعسف الشرط الكولونيالي.

مفكر ينتصر للعنف المضاد للعنف الاستعماري
مفكر ينتصر للعنف المضاد للعنف الاستعماري

نظرا لما تقدم يمكن القول إن فانون قد استطاع أن يقيم محاكمة لتناقضات النزعة الإنسية الغربية ذات المعيار المزدوج، ونتيجة لذلك نجد في كتاباته حوارا خصبا مضمرا أحيانا ومكشوفا أحيانا أخرى مع الفيلسوف هيجل، وبشكل خاص مع كتابه الشهير “فينومينولوجيا الروح” أو “ظاهرية الفكر”.

في هذا الخصوص يتكشف لنا أن حوار فانون ينطلق من مناقشة مشكلة الوعي الذاتي لدى هذا الفيلسوف الألماني حيث يرى أن الوعي بالذات “لا يكون في ذاته ولذاته إلا حين يكون ومن حيث يكون في ذاته ولذاته لوعي آخر بالذات: أي من حيث هو ملاق منه عرفانا بكونه كذلك”، ويعني هذا أن تحقق الوعي بالذات في نظر فانون لا يمكن أن يكون حصيلة لمعرفة الذات لذاتها فقط وإنما يتم بوجود الذات و”الآخر” ضمن شرط الاعتراف المتبادل بينهما. وقد برز هذا النقاش في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” وتركز على نقد الجدلية التقليدية بين السيد والعبد عند هيجل.

ويرى فانون أن هذه الجدلية المثالية لا تحل في ظل الشرط الاستعماري وفقا لفرضية هيجل المقترحة في كتابه “فينومينولوجيا الروح” على أساس أن العبد يحول الطبيعة وبذلك يستمد اعتراف السيد به من هذا التحويل ومن تمتع ذلك السيد بخيرات عمل العبد. ولنسف هذه الجدلية المثالية يدعو فانون إلى تمرد العبد على السيد ضمن إطار لحظة التحرر الوطني لبناء معادلة بديلة تفضي إلى تصور مختلف للفلسفة أيضا لأنه “لا يكون المرء إنسانا إلا بقدر ما يرغب في فرض نفسه على إنسان آخر لكي يجعله يعترف به، وما دام لا يحظى باعتراف الآخر فعليا، فإن هذا الآخر يظل موضوعة فعله. فقيمته وحقيقته الإنسانيتان تتوقفان على هذا الآخر، وعلى اعتراف هذا الآخر به. إن معنى حياته يتكثف في هذا الآخر”.

ولكي يحل فانون المشكلة الهيجلية فإنه يدعو العبد/ المستعمَر (بفتح الميم) إلى ممارسة الكفاح والمخاطرة بحياته لكي يحرر نفسه من المستعمِر/ السيد، وعلى هذا الأساس أعطى فانون، ويشترك معه سارتر في هذا الموقف نفسه، الشرعية للعنف المضاد للعنف الاستعماري في إطار حركة التحرر الوطني الجزائري.

وفي هذا السياق وجدنا الفيلسوفة السياسية الألمانية حنه أرندت تعترض على العنف الذي تبناه فانون وتعتبره غير أخلاقي، ولكن مشكلة أرندت تتمثل في كونها لا تميز بين عنف الأفراد الذي ينشأ عن انفجارات العقد النفسية ومكبوتات اللاوعي والاغتراب الاجتماعي إلخ… وبين فعل المقاومة التي يمارسها الشعب المحتل ضد الاستعمار لكي يقضي على كبت اغترابه في التاريخ.

وفي الواقع فإن فانون يقيم حوارا نقديا قويا مع كارل ماركس أيضا وذلك على أساس أن الاغتراب لا ينشأ بسبب التفاوت الطبقي فقط، كما يحاجج ماركس، وإنما يفرض على الزنوج أيضا بسبب لون بشرتهم السوداء كما هو الحال في مجتمعات التمييز العنصري كالمجتمع الأميركي مثلا.

حوار فانون مع كارل ماركس تلخصه المفكرة الأميركية كيلي أوليفر كما يلي “في تاريخ الاستعمار والاستعباد فإن السلاسل التي تقيد العمال ليست بسلاسل ماركس الرأسمالية اللامرئية وإنما هي السلاسل الحقيقية”.

وتمضي أوليفر في رصدها لحوار فانون مع الفيلسوف مارتن هيدغر ملاحظة وجود بعض القرابة بين فكرة الـ”هم” في كتاب “الكينونة والزمان” لهيدغر كقوة تكرس الاغتراب وبين اغتراب الإنسان الأسود لدى فانون. ولكنها تستدرك موضحة بعض الفروق الأخرى بينهما بقولها “إن المعنى الاجتماعي للاغتراب يظل، مع ذلك، مختلفا مع اغتراب الإنسان الأسود كما وصفه فانون”. ويتمثل الاختلاف في أن الـ”هم”، حسب هيدغر، يقولبون الفرد بقالبهم لطمس فرديته وفرادته، في حين نجد الـ”هم” المستعمِرين يستهدفون نزع هوية الشعب المستعمَر وليس هذا الفرد أو ذاك الفرد الآخر.

15