فرانز كافكا كاتب رأى الإنسانية كما هي اليوم

الأحد 2015/03/08
فرانز كافكا الذات عينها كعالم تحكمه السلطات

"صورة ساطور كبير لجزار خنازير يتحرك بخفة وانتظام آلي، ليقطعني، كاشطا شرائح في حجم الشفرة موس الحلاقة، تتطاير نتيجة لسرعة العمل" بهذه الصورة الدموية يصور فرانز كافكا ذاته أمام الساطور/السلطة التي تقطعه إربا بممارستها التي سينال منها الكثير في حياته القصيرة.

عندما ولد فرانز كافكا عام 1883، كانت براغ جزءا من إمبراطورية الهابيسبورغ. تحتوي على مزيج من القوميات والأعراق، من ذلك، الحي اليهودي الذي نشأ فيه كافكا.

قبل أن يولد فرانز بسنة كان والده هرمان كافكا قد أنشأ محلا للخردوات عام 1882، أنشأه في شارع سيلتنا، خارج المنطقة المحيطة بحي اليهود مباشرة. كان كافكا الأب عصاميا، بدأ حياته من فقر مدقع، ولاقى الكثير من المصاعب حتى يبعد نفسه عن الجالية اليهودية. حيث أعلن أن عائلته تشيكية، إلا أن ذلك لم يمنعه أن يقيم لابنه الاحتفال اليهودي عندما بلغ الثالثة عشرة حتى يحمّله مسؤوليات وواجبات الشخص اليهودي البالغ.

ولم يمنعه ابتعاده عن جاليته هذا من أن يصطحب ابنه فرانز في جولة إلى المعبد اليهودي مرتين أو ثلاث في السنة. بالنسبة إلى الفتى فرانز كانت هذه المناسبات “البروفات الأولية المؤدّاة في الجحيم لحياته اللاحقة في مكتب”.


الابن الفاشل


عاش كافكا مع والديه طوال حياته تقريبا “حتى عندما كان مستقلا ماليا كان بإمكانه أن يتركهما ويعيش حياة مستقلة” في أحياء متكدسة جدا حيث تختبر حساسيته المفرطة للضوضاء يوميا. بالنسبة إلى كافكا الأب كان يرى أن ابنه فاشل ولا يصلح لشيء وكما كان يراه “خيبة أمل كبيرة” ولم يتردد في توبيخه دوما.

انطلاقا من صورة الأب القاسي الظالم، سيبدأ خوف كافكا طوال حياته أمام السلطة العليا التي اشتهرت في روايتيه المحاكمة والقلعة. حيث كان يخاف من مدرسيه في المدرسة ويكرههم، ولكنه كان يجب عليه أن ينظر إليهم على أنهم “أناس محترمون” وعليه أن يحترمهم لا لسبب سوى أنهم في مواقع سلطة.

لكن كافكا لم يتمرد بشكل مباشر على هذه السلطة. على العكس، حوّل خوفه هذا إلى تحقير للذات، ففي كل حادث مؤسف له مع سلطة ما، كان يعدّ نفسه الطرف المخطئ. بيد أن تصويره للطحن الذي يمارس على الذات البشرية من السلطات المختلفة، هو ما ساهم لا حقا في أن تتحول أعماله الأدبية إلى مساءلة حقيقية للسلطة وممارساتها.

أولى أعمال كافكا التي جسدت العلاقة مع السلطة هي قصته “الحكم”. في هذه القصة يكتب جورج بندمان التاجر الشاب لصديقه في روسيا “احتفظت بأجمل أخباري للنهاية، لقد خطبت جوليا فريدا، وهي فتاة من أسرة غنية”، بعد ذلك يذهب التاجر الشاب إلى حجرة أبيه المجاورة، ليدور بينهما حديث يتهم فيه الأب الإبن بالفشل، فينتهي الأمر بالإبن منتحراً بعد دقائق من حديثه الأخير مع الأب.

يشكل انتحار الإبن في قصة كافكا هذه صورة من صور “سحق الذات” من قبل السلطة الأبوية. فشل بندمان في “قتل الأب” وتحطيم سلطته دفعه إلى خيار الانتحار كونه الفعل الوحيد القادر على تحقيقه في ظل هيمنة السلطة الأبوية عليه، هذه الهيمنة التي عانى منها كافكا على امتداد حياته مع أبيه. بيد أن كافكا سيذهب فيما بعد إلى مكان أبعد في علاقته مع السلطة الأبوية، لن ينتحر، بل سيتخفّى، سيتحول إلى “مسخ”.

"عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد كوابيس مزعجة، وجد نفسه متحولا في سريره إلى حشرة هائلة"، تكاد تكون الجملة السابقة الأشهر في الأدب الحديث، وهي الجملة التي افتتح بها فرانز كافكا روايته “الانمساخ”. لم يرد كافكا أن يرى الناس الحشرة حيث كتب إلى ناشر الطبعة الأولى كيرت وولف “إلاّ ذلك، أيّ شيء إلاّ ذلك، الحشرة ذاتها لا يمكن تصويرها لا يجب إظهارها حتى عن بعد”.

عندما وصل كافكا إلى برلين لأول مرة، شعر أنه هرب من تلك الأشباح التي أجبرته أن يكتب، يقول "إنهم يواصلون البحث عني، لكن حتى هذه اللحظة لا يستطيعون أن يجدوني"

ما يؤكد عليه كافكا هو التحول وليس الناتج النهائي للانمساخ، ونتائج هذا التحول على المحيط/الأسرة. لا يوجد خيار آخر أمام جريجور هنا إلا أن يتأقلم مع حياته الجديدة، معاناته نابعة من المعاناة التي يسببها لأمّه وأخته. كذلك يصور كافكا هذا التحول الذي يصيب الكائن البشري نتيجة ممارسات السلطة بأطيافها المختلفة. إن تاريخ جريجور سامسا قبل الإنمساخ يعج بالالتزامات التي فرضتها عليه سلطة العائلة التي بدورها دفعته نحول العمل/السلطة. بذلك سيستحيل جريجور إلى “مسخ” بعد أن أثقلته التزاماته. حشرة كبيرة تدب الفزع في كل من يراها. كذلك يرى كافكا الإنسان في غمرة المسؤوليات التي تلقيها المؤسسات السلطوية على عاتقه.

في عام 1914 يخرج هيرمان كافكا من كونه سببا كامنا في كتابات ابنه. ستخمد نار هذا الصراع الأوديبي إلى حين. لأن فرانز سيأخذه سؤاله للسلطة إلى مكان أعم. إلى المكان الذي ستحوِّل فيه السلطةُ البشريةَ إلى “آلات قتل” سيرسم إحداها كافكا في قصته “في مستوطنة العقاب”.

مستوطنة العقاب هي كل مكان تمكنت فيه السلطة من تحويل الإنسان إلى مجرد عبد مستعد لتقديم حياته دفاعا عمّن يمتلك هذا السلطة، حتى بعد ممات صاحب السلطة/القائد. فالضابط الذي نراه في أول القصة يشرح لأحد المستكشفين القادمين إلى مستوطنة العقاب. يشرح له آلة الإعدام التي صممها القائد السابق. سنجده آخر المطاف يدفع حياته بصورة فجة تحت إبر آلة الإعدام هذه. ما دفع الضابط إلى ذلك هو إظهار مدى ولائه للسلطة/القائد، ومدى التزامه بها، وانصياعه لها. هذه الصورة التي رسمها كافكا للقتل والعقاب، والتي عاصرها في الحرب العالمية الأولى، نراها ماثلة أمامنا اليوم، ولن تنتهي مادامت الشعوب خاضعة لسلطات ديكتاتورية تجعل الإنسان عبدا لها، وآلة تقتل بها كل من يخرج عنها أو يتمرد عليها.


المحاكمة


من الآن فصاعدا سيكون اسمه “جوزيف ك” بعد أن استيقظ ووجد رجالا غرباء يطوفون حول غرفته، حاله حال جريجور سامسا الذي استيقظ ووجد نفسه حشرة. لكن “جوزيف ك” لن يقبل قدره ببساطة كجريجور، بل يحاول أن يفهمه، فيسلك كل الطرق ليفهم قضيته وعلة اعتقاله. لن يفهم رغم كل محاولاته. وسيجد نفسه في نهاية المطاف “يمشي بين جلاديه بصرامة، وشكّل ثلاثتهم كيانا واحداً، وكان كيانا يمكن أن يتشكل فقط في انعدام الحياة”.

يغرز موكلو المحكمة الخنجر في صدره. يموت. لم يتعرض “جوزيف ك” للمحاكمة قط. ولم يعرف جرمه. حاله حال الموجود البشري الذي يبقى طيلة حياته تحت محاكمات لا منتهية تبدأ مع الأسرة ولا تنتهي إلا بالموت.

إن عالم المحاكمة المليء بالتناقضات والغنيّ بالغرائبية هو عالم الذات البشرية كما رآها كافكا. لا يصح الحديث عن مقولات فلسفية تضمنتها المحاكمة. الرواية برمتها قول فلسفي متماسك الجوانب، يحاكي لا جدوى الفعل الإنساني في عالم عبثي يتهمك بذنوب لا خيار لك فيها.

التقت ميلينا جسنسكا بكافكا عام 1919 عندما اشتهرت أعماله بين جماعات المثقفين التي كانت تتجمع في مقهى آركو في براغ. كان أحد رواد المقهى “إرنست بولاك” الذي تعرف كافكا على زوجته جسنسكا على نحو عابر. بعد سنوات صارت جسنسكا مترجمة لأعمال كافكا إلى اللغة التشيكية وأول وآخر صديقة غير يهودية وواحدة من القلائل الذين لعبوا دورا مهما في حياة كافكا.

"عندما استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد كوابيس مزعجة، وجد نفسه متحولا في سريره إلى حشرة هائلة" تكاد تكون الجملة السابقة الأشهر في الأدب الحديث، إنها هي جملة كافكا

كانت جسنسكا هي المرأة الوحيدة التي أحبها كافكا حقاً. يبان ذلك من مراسلاته معها. فخطاباته إلى ميلينا كانت أدبا يستعرض الحب. كان كافكا فيه بجماليون اليهودي الذي ينحت محبوبته من صخر “لأنني أحبك، أحب العالم بأكمله الذي يشمل كتفك الأيسر ــ لا، أولاً كتفك الأيمن وكونك خيرة بدرجة كافية تمكنك من أن تخلعي جيبتك ، وتبعدينها عن طريقي… ووجهك فوقي في الغابة وأنا أستريح على صدرك العاري”.

أياً كان أثر ميلينا على كافكا فيمكن القول إن ميلينا هي نموذج شخصية فريد في رواية كافكا التي لم تكتمل “القلعة”. أُشبعت “القلعة” بحثا وتأويلا، فالتعليق النقدي على هذه الرواية يملأ مئات الكتب بعشرات اللغات. وعلة ذلك أن الرواية لم تكتمل، وبالتالي فهي مجال مفتوح للقراءة والتفسير.

يتم استدعاء مساح الأراضي “ك”إلى القرية من قبل سلطة مطلقة في القلعة، وهو الكونت وست وست الذي لا يظهر مطلقا. سيعيش “ك” في القرية لكن لن يدخل القلعة أبدا. بالرغم من أن “ك” لا يتوقف في سعيه للدخول إلى القلعة، لكنها تبتعد عنه أكثر فأكثر. وإذا كانت المحكمة في رواية المحاكمة تحكم وتعاقب. فإن القلعة على العكس فهي لا مبالية وغير ظاهرة.

يستدعي كافكا في روايته هذه شخصيات من حياته “مدرس، مديرة، والده..” ويحيطهم ببطل روايته. وعلى عكس “جوزيف ك” في المحاكمة، لن ينتهي المطاف بـ”ك” بالموت، بل بالعيش إلى الأبد في القرية، مواصلا سعيه للوصول إلى القلعة دون أن يصل، وسيبقى غير مرغوب فيه بالقرية.

عندما وصل كافكا إلى برلين لأول مرة، شعر أنه هرب من تلك الأشباح التي أجبرته أن يكتب، يقول “إنهم يواصلون البحث عنّي، لكن حتى هذه اللحظة لا يستطيعون أن يجدوني” لكن هذه الأشباح عادت إلى كافكا فيما بعد وأجبرته على كتابة “النفق”.

بدأ مرض السل الرئوي يزحف من رئتي كافكا إلى حنجرته، وفي الشهور الأخيرة لم يستطع أن يتواصل مع الآخرين إلا من خلال الكتابة، ولم يستطع الأكل إلا فيما ندر.

وفي أبريل 1924 تم نقله إلى مصحة استشفاء قرب فيينا، لكن حالته استمرت في التدهور حتى شهر يونيو حيث توفى تاركا وراءه إرثا أدبيا سيكون مادة غنية للدراسة والتحليل. فكان بذلك كما وصفته ميلينا جسنسكا التي نعته بقولها “فرانز إنسان محكوم عليه أن يرى العالم بوضوح ساطع لدرجة أنه وجده لا يطاق فذهب إلى الموت”.

أوصى كافكا صديقه ماكس برود بأن يحرق جل أعماله بعد موته. لم ينفذ برود الوصية، وواصل تحرير ما كان في ذلك الوقت خليطا مشوشاً، فصول غير مرقمة وغير مرتبة، نسخ عديدة لنفس العمل، صفحات مشطوبة، وبعض الأعمال التي لم يعنونها كافكا.

كثيرون كتبوا عن كافكا وأدبه في علم النفس والفلسفة والتحليل الأدبي، حتى ظهر ما يصطلح تسميته بـ”علم كافكا”. لكن مع ذلك، فإن أول وأفضل الكافكاويين هو فرانز كافكا الذي أجمل كل ما كتب عنه بعد موته في “رسالة إلى والد” التي كتبها عام 1919، فشرح فيها حياته منذ طفولته إلى أن أصبح ذلك الموظف “الذي يختنق في مكتبه وحجرته كلَّ يوم”.

10