فرانسواز ساغان المتوحشة الصغيرة الفاتنة

الأحد 2014/08/03
فرانسواز ساغان عبقرية جديدة في الكتابة الراوئية

في السادس من شهر يناير من العام 1954، سلّمت فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، هيفاء القامة، قصيرة الشعر تدعى فرانسواز كواراز إلى دار “جوليار” بباريس مخطوط رواية تحمل عنوان “صباح الخير أيها الحزن”، وفيها تروي فتاة يتيمة تدعى سيسيل مغامرات عاشتها على الساحل اللازوردي الفرنسي في عطلة الصيف. وما إن انتهى الناشر من قراءة المخطوط، حتى اتصل بصاحبته ليبلغها إعجابه الشديد بالرواية، واعتزامه نشرها. وحال صدور الرواية، تحولت فراسواز كواراز التي ستصبح منذ ذلك الحين فرانسواز ساغان إلى نجمة ساطعة في المشهد الثقافي الفرنسي. وستظل كذلك حتى بعد وفاتها في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر-أيلول 2004.


ضد المبادئ البورجوازية


ولدت فرانسواز ساغان التي لقبت بـ”المتوحشة الصغيرة الفاتنة”، وأيضا ب”الكيّسة والخبيثة” في صيف عام 1935. وكان والدها مهندسا يدير شركة للكهرباء.أمّا والدتها فقد كانت امرأة مرحة، عاشقة للحياة، ومقبلة على ملذّاتها بلا تحفّظ. لذا لم تكن تهتمّ بالشؤون المنزلية وبتربية أطفالها. ومنذ الطفولة كانت علاقة فرانسواز ساغان بوالديها ممتازة. وقد ظلّت على هذه الصورة حتى بعد حصولها عل المجد والشهرة. غير أن شقيقها ينتقدهما بحدّة قائلا بأنهما كانا “متشبثين بالمبادئ البورجوازية ، وفي حضورهما كان ممنوعا منعا باتّا إطلاق الكلمات البذيئة، وعلى طاولة الأكل كان الخوض في السياسة والدين والمال أمرا محرّما”.

ولعلّ تعلّق فرانسواز بوالديها يعود إلى أنها كانت مدلّلة أكثر من إخوتها. لذا لم تتردّد أختها سوزان في انتقادها حيث قالت لأحد كتّاب سيرتها: “كانت- أي فرانسواز-طفلة عفنة، مدلّلة. وطوال حياتها تمتّعت بالحماية، ولم تتمّ معاقبتها ولو مرّة واحدة”.

شرعت في كتابة "صباح الخير أيّها الحزن" وعندما سمع والدها بذلك نهرها قائلا: "لا تضعي اسم العائلة على غلاف كتابك" لذا ابتدعت لنفسها اسما فنيا هو "ساغان"


طفلة تقرأ


وبحسب والدتها، كانت فرانسواز لا تزال في الثانية من عمرها لمّا تناولت كتابا ، وأخت تحاول أن تقرأ فيه. وفي فترة الطفولة كانت تبتدع أقاصيص وحكايات غريبة. وفي سنّ المراهقة شرعت في كتابة رواية شعريّة. وعن ظهر قلب كانت تحبّ أن تردّد مقاطع من مسرحيّة “السيد” لكورناي. وكانت تعشق اللعب بالكلمات.

وبعد أن نضجت كانت تحبّ أن تقول مثل صديقها الوفيّ برنار فرانك بأنها فهمت كل شيء بعد أن بلغت الثامنة عشرة من عمرها.

وفي الجامعة كانت فرانسواز ساغان تهرب من المحاضرات والدروس، ولم يكن يعنيها سوى التهام الكتب. وكانت رواية ” غاتسبي العظيم” للأميركي سكوت فيتجيرالد من أحبّ الروايات إلى نفسها. وتحت تأثير هذه الرواية شرعت في كتابة “صباح الخير أيّها الحزن”. وعندما سمع والدها بذلك نهرها قائلا: “لا تضعي اسم العائلة على غلاف كتابك!”. لذا ابتدعت اسما فنيّا هو ساغان.

ويقول ناشرها بأنه لمّا قرأ “صباح الخير أيها الحزن” شعر أنه أمام كاتبة موهوبة تشبه إلى حدّ كبير رايمون راديغات صاحب الرواية الشهيرة “الشيطان في الجسد”، والذي توفي وهو في الخامسة والعشرين من عمره. لذا لم يتردّد في إمضاء عقد معها، بل دفع لها مبلغا كبيرا. وعند صدور الرواية أطلق عدد كبير من الكتاب والنقّاد المرموقين صيحة إعجاب أمام “العبقريّة الجديدة”. وفي مقاله الأسبوعي بجريدة “لوفيغارو”، والذي كان الفرنسيّون يتابعونه بلهفة شديدة، أهاب الكاتب الفرنسيّ الكبير فرانسوا مورياك الحائز على جائزة نوبل للآداب بـ”الموهبة العالية التي تتمتع بها هذه الكاتبة الشابة”. وعلّق جاك شاردون قائلا: “هذه الأديبة الشابة تنتمي إلى العائلة الأدبيّة الكبيرة”.

الفاتيكان أغاظته جرأة الأديبة الشابة ذات الشعر القصير والجسد النحيف والعينين الطافحتين بالشهوة، فطالب بإبعاد هذا "السمّ من أفواه الشباب"


الفاتيكان الغاضب


أمّا الفاتيكان فقد أغاضته جرأة الأديبة الشابة ذات الشعر القصير والجسد النحيف والعينين الطافحتين بالشهوة. لذا طالب بـ”إبعاد هذا السمّ من أفواه الشباب”. وبسبب تصدّرها قائمة الكتب الأكثر مبيعا قامت الأسبوعيّة الشهيرة “باري- ماتش” بنشر تحقيق مصوّر عن صاحبة: “صباح الخير أيها الحزن” وهي بمايو السباحة على شاطئ “سانت – تروبيز″ برفقة المغنية جولييت غريكو والممثلة العالمية برجيت باردو.

ومنتشية بشهرتها أخذت فرانسواز ساغان تتردّد على المطاعم والفنادق الفاخرة لتسهر حتى مطلع الفجر مع المشاهير من المغنين، والكتاب والمخرجين السينمائيين ومبتكري الموضة ورجال الأعمال.

وبعد أن نشرت روايتها الثانية التي لاقت نفس الشهرة التي لاقتها روايتها الأولى، أخذت فرانسواز ساغان تغيّر السيّارات مثلما تغيّر أحذيتها وفساتينها. وكانت تبالغ في الشراب مقتنية أثمن الخمور. وذات ليلة من ليالي عام 1957، أدّى بها حادث سيّارة فظيع إلى الإغماء متسبّبا لها في جروح وكسور خطيرة. عقب نجاتها من الحادث الأليم قالت لأصدقائها بأن “حبّها الجنوني للحياة” كان السبب الأساسي في ما وقع لها. وأما صديقها الوفيّ برنار فرانك فقد علّق قائلا: “من دون ساغان تكون الحيلة مملة ومضجرة حدّ الموت”. غير أن الإدمان على التدخين وعلى السّهرات الحمراء والقيادة الجنونيّة للسيّارات الرفيعة لم يكن كافيا لإشباع رغبات الكاتبة الشابّة. لذا شرعت في تناول المخدّرات وكات تقول: “أنا وحش يتحسّس على وحش آخر في داخله”. كما أنها أخذت تتردّد على كازينوهات القمار. ولإحدى المجلاّت صرّحت قائلة: “أمتلك رؤية رومانيّة لانهياري ودماري”. مع ذلك ظلّت فرانسواز ساغان محتفظة بقدرة فائقة على العمل فقد شاركت في كتابة سيناريوهات للسينما. وكانت تكتب مقالات نقديّة في مجلة “أكسبريس الأسبوعيّة”. وعن تلك الفترة من حياتها قال ابنها دنيس: ”كنّا نعيش حياة صاخبة. وفي الشقّة الفسيحة التي كنّا نسكنها في شارع “غاينمير” مقابل حديقة اللكسمبورغ” كان المدعوون إلى السهرات يزداد عددهم في كلّ مرة. وكان من بينهم أورسون والس وإيفا غاردنار وجورج بومبيدو الرئيس الفرنسي الراحل. وكان النادلون يقدمون الشامبانيا للمدعوين ،وأيضا الكافيار. وكانت أمي تنفر من الوحدة نفورا شديدا. وفي جميع الشقق التي سكنّاها، كان هناك دائما غرفة لصديقها برنار فرانك”.

بعد صدور كتابها الأول امتدح ساغان في مقاله الأسبوعي بجريدة لوفيغارو الكاتب الفرنسي الكبير فرانسوا مورياك الحائز على جائزة نوبل للآداب وأشاد بالموهبة العالية التي تتمتع بها


التعب من الحياة


في الستينات من القرن الماضي تزوجت من الناشر غاي شولار الذي كان يكبرها سنّا، غير أنه كان يتمتع بجاذبيّة تفتن النساء. معه كانت تتعامل كما لو أنه والدها. ثم لم تلبث أن انفصلت عنه لتتزوج من النحّات الأميركي جون غرواي الذي سرعان ما توفي بسبب الإدمان على الكحول. ورغم حياتها المضطربة والمتقلبّة ظلت فرانسواز ساغان تكتب بحماس، وقد تحدثت عنها كاتبتها الخاصة لورا أدلير قائلة: “لقد عملت معها خلال السبعينات، ومنذ البداية لاحظت أنها متشدّدة في طلباتها، والتي كانت كثيرة. وكانت تحبّ أن يقرأها الناس وأن يصحّحوا أخطاءها ويناقشوا أعمالها. فقد كان النقد بالنسبة إليها أمرا أساسيّا. وكانت تعيد كتابة نصوصها أكثر من مرّة. كما كانت تعيد إصلاح كتبها حتى بعد تسليمها للناشر”. وتضيف أدلير قائلة: “كانت لساغان علاقات سهلة وبسيطة مع الآخرين. وكانت شديدة التواضع معهم. وكانت تشعرهم أنها متساوية معهم حتى عندما يكونون دون المستوى المرغوب”. ويحدث أن تترك فرانسواز ساغان زوّارها وتمضي إلى غرفتها لتغرق في قراءة الكتب المحببة إلى نفسها”.

وعندما تجاوزت سنّ الأربعين بدأت فرانسواز ساغان تتعب من الحياة المضطربة والعاصفة التي كانت تعيشها، وأصبحت تنفر من السّهرات الحمراء ومن النوادي الليليّة. وكانت تقول لأصدقائها بأنها تفضّل “الحياة البسيطة الخالية من الفوضى”.


في قصر الإليزيه


في الثمانينات من القرن الماضي أخذت فرانسواز ساغان تتردّد على قصر “الإليزيه” بدعوة من صديقها الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الذي كان يقرأ كتبها بمتعة كبيرة. وعندما رافقته في زيارته إلى أميركا اللاتينية أصيبت بوعكة صحية فنقلت إلى باريس على جناح السرعة. وقد استغلّت وسائل الإعلام تلك الحادثة لتنتقد بحدة العلاقة بين الرئيس والكاتبة المرموقة. غير أن تلك العلاقة لم تنقذ صاحبة “صباح الخير أيّها الحزن ” من الديون الهائلة التي كانت تتخبط فيها. لذا كان عليها أن تبيع مجوهراتها، والهدايا الثمينة التي تلقّتها من المشاهير. وكانت حقوقها من الكتب تذهب مباشرة إلى الضرائب. وفي السنوات الأخيرة من حياتها ازدادت متاعب فرانسواز ساغان الصحية والنفسيّة. والذين زاروها وجدوا أنفسهم أمام امرأة محطّمة تسير الهوينى وتتحدث في الدين وفي مواضيع فلسفية.

وعندما يهبط الليل كانت تواصل الكلام من دون أن تشعل الضوء. وظلت على هذه الحالة إلى أن فاضت روحها في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر-أيلول 2004 تاركة وراءها ديونا بلغت مليون يورو.

10