فرانسواز ماليه-جوريس: الكتابة حتى الموت

القليل من الكتاب صادف أن نحتوا تجربة خاصة من خلال مؤلف يتيم، لكن تبقى الكتابة فعل تراكم بالضرورة، تراكم نسقي ينحت تجربة الكاتب ويشكلها كبصمة دائمة تجسدها أعماله. ولا أدل على أهمية التراكم من تجربة الكاتبة الفرنسية- البلجيكية المهمة فرانسواز ماليه-جوريس، التي لم تنقطع لحظة عن الكتابة حتى وفاتها منذ أيام.
الجمعة 2016/08/19
تخادع عالمها ولكنها لا تنخدع في العالم

توفيت الروائية فرانسواز ماليه-جوريس السبت 13 أغسطس الجاري بمنطقة فال دو مارن (فرنسا). وقد نعاها الكاتب بيير أسولين، الذي خلفها بلجنة تحكيم غونكور بعد استقالتها لأسباب صحية سنة 2011.

ولدت الروائية الفرنسية -البلجيكية بمدينة أنفير البلجيكية، وقد ولجت عالم الكتابة الروائية باسمها المستعار فرانسواز ماليه- جوريس منذ سنة 1951 وهي لم تتجاوز الـ21 سنة من عمرها، حيث وقعت روايتها الأولى “معقل الزاهدات” التي نشرها رونيه جوليار، وهي عمل سردي صادم للغاية ومستفز للمجتمع في ذلك العهد، ساهم في ترسيخ مكانتها كأحد أهم الأسماء الروائية.

تدور أحداث الرواية في مدينة غائمة وباردة بإقليم فلاندر، بطلتها شابة عشيقة لرجل مسن، وهي على علاقة أيضا مع ابنته. هذه الحكاية الجريئة والمختلفة لفتت الانتباه على الفور إلى الكتاب ومؤلفته الشابة فرانسواز ليلار، التي سرعان ما أصبح اسمها فرانسواز ماليه-جوريس، لتدشن بعد كتابها الأول مسارا أدبيا طويلا غنيا بما يناهز ثلاثين عنوانا.

أمر طبيعي

نشأت الكاتبة في كنف عائلة من المحامين. والدها، ألبرت ليلار، كان لسنوات عديدة وزيرا للعدل ببلجيكا، وكانت والدتها سوزان ليلار واحدة من أهم المحاميات البلجيكيات، ولكنها علاوة على امتهانها المحاماة كانت بدورها كاتبة، نشر لها كتاب بعنوان “مذكرات المُنَظِّر”، ونص بعنوان “سوء فهم الجنس الثاني”، والذي شكل تحديا وانتقادا لكتابات سيمون دو بوفوار. وحتى وفاتها عام 1992، كانت علاقة سوزان مع ابنتها معقدة، كما يشهد على ذلك بشكل خاص، كتاب فرانسواز ماليه- جوريس “اعتراف مزدوج” (بلون 2001).

والدا فرانسواز ماليه- جوريس كانا ملحدين، لكنها في سن الـ23 قررت أن تصبح كاثوليكية، وعمّدت في باريس. وحسب قولها فإن امتهانها للكتابة هو الذي قادها إلى الإيمان، إذ صرحت في وقت سابق «لقد كان ذلك بفعل تفكير عميق، وليس بفضل استنارة أو رؤيا. ولقد بقيت وفية، بين مد وجزر”. وفي خضم هذا التحول، ألّفت جوريس كتابا تناول تجربتها هذه بشكل ممتع بعنوان “رسالة إلى نفسي” الذي نشره جوليار سنة 1963.

لا تتذكر فرانسواز ماليه- جوريس وقتا لم تكن فيه تكتب، كانت دائما تردد «لقد بدأت وأنا بالكاد طفلة هذه العادة القديمة، إلى درجة أنها أصبحت أمرا طبيعيا بالنسبة إلي». فهي تصحو مبكرا، السادسة صباحا، في فصل الشتاء، والخامسة في الصيف، وتكتب حتى الواحدة بعد الزوال، بنسق متواصل «كما يفعل إسكافي مع الأحذية»، وكل ودها أن تدرك جل مباهج الكتابة.

كاتبة متمردة

بعد روايتها الناجحة، نشرت ماليه جوريس مجموعتها القصصية الأولى “كورديليا” سنة 1956، لتتبعها برواية “أكاذيب” سنة 1957، والتي حازت جائزة المكتبات، وهي قصة برجوازي مهموم بتوريث تركته لابنته الطبيعية، التي ترفض ذلك متمردة على ما تعتبره نفاقا اجتماعيا.

وقد كتب كلود روي عن مؤلفة “الأكاذيب” أنها «دائما إلى حد ما، هي تلك الطفلة الحالمة التي تختبئ في الحديقة، وتراقب من خلال أوراق الشجر دسائس الأشخاص الكبار، تحكم عليهم بسماحة صارمة، ولمعاقبتهم لكونهم ليسوا حقيقيين، لا تستجيب حين ينادونها»، مضيفا أن «روايات فرانسواز ماليه-جوريس تخادع عالمها ولكنها لا تنخدع في العالم».

تم تصنيف فرانسواز ماليه-جوريس في خانة مناصرات الحركة النسائية المتمردات، لتتحصل على جائزة فيمينا في 1958 عن روايتها “الإمبراطورية السماوية” وهي هجاء شرس للعوالم الفنية، لكنها لم تركن إلى قالب واحد في كتاباتها، حيث جربت نمطا سرديا مختلفا في روايتها “الشخصيات” (1961)، التي تمرنت فيها على لون أدبي جديد ستعود إليه، ألا وهو الرواية التاريخية، لتكتب من بعد “سيرة ماري مانشيني” (1964)، ثم رواية رمزية حول هجمات منظمة أميركا الجنوبية بعنوان “الدلائل والعجائب” (1966).

روائية شعبية

قطعت الكاتبة على مدى أعمالها الأولى المتنوعة مسارا خاليا من الهفوات، لتحصل على اعتراف أدبي كبير، سيقودها إلى لجنة تحكيم جائزة “فيمينا” عام 1969 وأكاديمية “غونكور” في ديسمبر 1970، ثم الأكاديمية الملكية البلجيكية سنة 1993، في المقعد الذي كانت تشغله والدتها.

1970 هي أيضا السنة التي ستلقى فيها فرانسواز ماليه-جوريس نجاحا باهرا عند العموم مع “منزل من ورق” وهي رواية مفعمة بالدعابة والسعادة الأسرية، تولدت عن تجربتها مع أطفالها الأربعة، صبيين وفتاتين. وكانت تلك بداية لقائمة من الأعمال الروائية الناجحة نذكر منها “أليغرا” (1976)، وهي عبارة عن وقائع رومانسية فريدة لافْتِتان امرأة أوروبية بشاب عربي أبكم. في تلك الحقبة أيضا، كتبت كلمات أغان مع ماري- بول بيل وميشال غريسوليا.

نصارة مناصرة للمرأة المتمردة

وعلى الرغم من السيرة الذاتية لجان غويون، وهي تأمل راق عن الزهد (1978)، أصبحت فرانسواز ماليه-جوريس المبتدئة بـ”معقل الزاهدات” روائية شعبية.

كما أنها تمكنت من استقطاب جمهور واسع منذ نشرت في 1988 مؤلفا متعدد النغمات بعنوان “حزن الطائرة الورقية”، وهو من أفضل ما كتبت في عالم الرواية.

لكن الكاتبة التي لم تعرف السكون طوال تجربتها الغنية، ستجدد تواشجها مع القراء الذين أحبوا نصوصها الأولى، سواء مع روايتها “أدريانا سبوزا” (1990)، وهي لعبة متقنة على وترَي الأدب والغموض، أو مع رواية “ربّاني” (1991)، التي وصفت بأنها لحن مغاير عن الطعام والصيام، أو كذلك مع روايتها “سبعة رهوط في المدينة” (1999)، وهي صرخة تمرد ضد العنف من المجهول، واللامبالاة، وحتمية القدر.

ولم تتوقف فرانسواز ماليه-جوريس عن العطاء والتجريب في كتاباتها، لتقدم سنة 2001 رواية اعتبرت الأفضل على مر مسيرتها بعنوان “اعتراف مزدوج” وهي عبارة عن سيرة ذاتية عبر مرآة هي أيضا تكريم لجورج ساند، وكوليت، وفرجينيا وولف وأيضا سيمون دو بوفوار. وقد كتبت ماليه-جوريس في مستهل “اعتراف مزدوج” “الكتابة، حسب اعتقادنا، هي أن نفتح أبوابا ونوافذ ولا نغلقها ثانية».

الوحدة والمرض، فرانسواز ماليه-جوريس واجهتهما بشجاعة، في نهاية حياتها، دون أن تتوقف أبدا عن الكتابة، وعن النشر. صدر لها في أكتوبر 2007 “لا أنتم دوني ولا أنا دونكم”، رواية عن الحب، وجوده، غيابه، عودته. ويستكشف هذا الكتاب أيـضا، على غرار كـل أعـمال ماليه- جوريس، مشاكل العلاقات الأسريـة، ومـعضلة العلاقـة بين الآباء والأبناء.

15