فرانسيس فوكوياما: الديمقراطية هي نهاية التاريخ

الجمعة 2014/10/10
فوكوياما: الشراكة بين ضفتي المحيط الهادئ أمر مفيد

لندن - حاور روبين نبيلات، مدير المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية (تشاتام هاوس)، الباحث والفيلسوف فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب «نهاية التاريخ». في هذا الحوار يجيب فوكوياما عن أسئلة تتعلق بمواضيع وأفكار وردت في كتابه الأخير بعنوان «النظام السياسي والتآكل السياسي» وربطها بالواقع المعيش.

يعرّف فوكوياما التآكل السياسي بأنه التصلب الإدراكي، حيث تظهر مجموعة من المؤسسات في ظروف معينة ثم تتغير هذه الظروف ولا يحدث تأقلم. الأمر الآخر يتعلق بميل البشر إلى مجازاة أصدقائهم وعائلاتهم، وكل من هو داخل النظام السياسي سيستعمله لفعل ذلك بمرور الزمن. وهذا ما حدث بالضبط مع سلالة هان في الصين ومع الانكشاريين في الامبراطورية العثمانية، ونفس الشيء مع كبار الموظفين في النظام القديم في فرنسا.

ويظن فوكوياما أن هذه الظاهرة الآن تميز النخبة السياسية الأميركية بشكل متزايد، والدليل على ذلك في الولايات المتحدة، أننا الآن نشهد أكبر أزمة منذ الكساد الكبير في فترة الثلاثينات من القرن الماضي ولم تتسبب الأزمة في تغيير الأمور بشكل جذري بل بقي الناس يحملون أفكارا غريبة كقولهم إذا وقع تخفيض الضرائب فذلك سيحفز النمو بشكل يجنب عجزا في الميزانية. ويتحدث فوكوياما عن مشكلات الديمقراطية مشيرا إلى أن الديمقراطية هي «نهاية التاريخ»، لذلك فإنها لن تنهار، لكنها قد تتآكل.


دور المنظمات العابرة للحدود


يرى فوكوياما أن هناك عددا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لديها أنظمة ديمقراطية جيدة لكن من الواضح أن الاتحاد الأوروبي لا يسير بشكل جيد في طرق أساسية معينة.

ويعتقد أن أحد أكبر المشاكل المؤسساتية داخل الاتحاد يتمثل في أنه يمتلك سلطات قوية بشكل مفرط في المجالات الخطأ، ولديه سلطات غائبة تماما في المجالات المهمة فعلا. إذن يمكن لبروكسال أن تقلق الناس باستمرار بسن قوانين حول المواد الفلاحية مثلا لكنها تظهر ضعفا شديدا في ما يخص السلطة الجبائية والنقدية مقارنة بالولايات المتحدة. وذلك هو السبب وراء الأزمة الكبرى التي مر بها اليورو.

أوروبا فشلت في ترسيخ هوية مشتركة لدى الناس لأنها لم تستثمر بشكل كاف من أجل خلق هوية أوروبية حقيقية

المسألة الأخرى تتعلق بالهوية الأوروبية، إذ فشلت أوروبا في ترسيخ هذه الهوية لدى الناس لأنها لم تستثمر بشكل كاف من أجل خلق هوية أوروبية حقيقية.

ومن مكونات هذه الهوية، خلق حس تضامني يجعل الناس يرغبون في التضحية من أجل بعضهم البعض. الهوية الوطنية تعني استعداد الشخص 'للموت من أجل المجموعة الأكبر'، لكن من المستعد للموت من أجل الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن؟

سأل روبين نبيلات فوكوياما حول رؤيته لكيفية تطور الحكومات لتصل إلى القدرة على التعامل مع قضايا تتجاوز حدودها، وقضايا أخرى في شكل محلي جدا، فأجابه بأنه ركّز في كتابه على الحكومات في المستوى الوطني بالأساس، لكن لا شك أن هناك الكثير من المشاكل التي نواجهها اليوم لا يمكن حلها على ذلك الصعيد وخاصة في مكان مثل أوروبا المتمتعة بقدر كبير من الاستقلالية.

من الواضح بأن هناك غيابا للمؤسسات المناسبة التي يمكنها تقديم ذلك المستوى من الحوكمة.

وشدّد فوكوياما على ضرورة أن تقوم الدولة الوطنية على مجموعة من القيم المشتركة، وهذه القيم تتناقص في الدول الوطنية الحالية، وأعتقد أن محاولة بثها في العالم بأكمله أمر ميؤوس منه. لكن مفهوم ما يسمى بـ'التعددية المتعددة' تتولى فيه مجموعة من الأجهزة الدولية المتداخلة، وفي بعض الأحيان المتنافسة، توفير الكثير من آليات الحوكمة الضرورية.

وهذا الأمر موجود في المسائل غير المسيسة نسبيا مثل تحديد المعايير وغيرها، لكن المشكل عندما نصل إلى الصعيد السياسي حيث توجد الكثير من الاختلافات المهمة حقا ويجب أن تحل سياسيا لا توجد المؤسسات المناسبة.


الشراكة بين ضفتي المحيط الهادئ


تطرق الحوار إلى الشراكة بين ضفتي المحيط الهادئ والجهود من أجل إنشاء ما يمكن أن يكون مؤسسة متعددة الأطراف متداخلة مع منظمة التجارة العالمية، وهو أمر يراه فوكوياما مفيدا.

فوكوياما يتحدث عن الطبقة الوسطى بوصفها محركا للديمقراطية

ولا يؤيّد علماء الاقتصاد حين يقولون إن هذه الأشياء الإقليمية سيئة لأننا في حاجة إلى نظام عالمي، لأنه يرى أن هذا الحل هو الخيار الأحسن بدرجة الثانية. الشيء الآخر وخاصة مع الشراكة بين ضفتي المحيط الهادئ، هناك بعد سياسي متعلق بها لا يفهمه دائما المستثمرون والتجار وهو التالي: المسألة تتعلق فعلا بالصين والجهود التي تبذلها بعض الدول الملتزمة أكثر بحقوق الملكية الفكرية وحكم القانون للتعبير عن قدر معين من التضامن في مجال الاقتصاد مع الأمل في أن يصبح ذلك ركيزة لبناء تضامن سياسي أكبر. وهذا أمر أنا أؤيده تماما من هذه الناحية.


هل أميركا ديمقراطية


بالحديث عن الولايات المتحدة ونظرة العالم لها، يسأل روبين نبيلات، فرانسيس فوكوياما عن رأيه في الاستمرار في تعريف الولايات المتحدة بأنها ديمقراطية صرفة في حين تسيطر مجموعة من أصحاب الأسهم النخبة (مالكي الشركات الكبرى) على جزء كبير من السلطة في الولايات المتحدة؛ فردّ المفكر أميركي الجنسية من أصول يابانية، قائلا: «للإنصاف إذا نظرت إلى العالم تجد قطاعا من المجتمع المدني القوي جدا فعندما تتحدث مع مدير في شركة شال يحاول عقد صفقة استثمار في نيجيريا أو غيرها، سيقول لك هناك مصلحة قوية تنتظم في الاتجاه المعاكس».

ويعتقد فوكوياما أن الكثير من منظمات المجتمع المدني ترى نفسها صراحة بمثابة ثقل توازن مع قطاع الشركات الكبرى. يمكنك أن تقول إن هذه مجرد لعبة من طرف واحد، فالشركات تتمتع بقدرة أكبر على الحركة وهي أكثر أموالا وموارد، لكن لن أقلل من قوة المجتمع المدني العالمي الآن لخلق درجة من القوة المضادة.

ويرى أن المشكل يتعلق بالمساءلة لأنه في الواقع لا قطاع الشركات ولا مجموعات المجتمع المدني تخضع للمساءلة بوضوح أمام الناس الذين يدعون تمثيلهم. وهذا مشكل في الحوكمة يجب حله بكل تأكيد.

هناك أمثلة عديدة عن مجموعة بيئية مثلا تدعي أنها تتكلم لفائدة سكان أصليين أو البيئة ثم يتضح في ما بعد أن أعضاءها يتكلمون لمصلحتهم الخاصة وليس لديهم أي اتصال بأناس حقيقيين في العالم يمثلونهم.


دور الطبقة الوسطى


تحدث فرانسيس فوكوياما في كتابه الجديد عن الطبقة الوسطى بوصفها محركا للديمقراطية أو المساءلة، مشيرا إلى أن الطبقة الوسطى في مصر ساعدت كثيرا عبدالفتاح السيسي في ثورة الشعب ضد نظام محمد مرسي، وفي أميركا اللاتينية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كانت هناك مساندة كبيرة من الطبقة الوسطى لاستيلاء العسكر على السلطة، وفي تايلندا عارضت الطبقة الوسطى الديمقراطية.

كل ما نجح في إنجازه تنظيم داعش هو توحيد السعوديين والقطريين والإيرانيين ضده على اعتبار أنه سيئ ويجب كبح جماحه

مع ذلك لا يرى فرانسيس فوكوياما أن هناك علاقة آلية بين الطبقة الوسطى ودعم الديمقراطية، فأبناء هذه الطبقة يصوتون لصالح مصالحهم الخاصة. لذلك يجب أن تتوسع الطبقة الوسطى إلى أكبر قدر ممكن لأنه عندما تكون هذه الطبقة صغيرة نسبيا وتشعر بالخطر من الأرجح أن تدعم حكومة قوية تمنع الجماهير الشعبية من الوصول إلى السلطة وإعادة توزيع الثروة.


داعش ونهاية التاريخ


من الطبيعي أن يتطرّق الحوار بين الباحثين روبين نبيلات، مدير المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية والمفكر فرانسيس فوكوياما، إلى تنظيم الدولة الإسلامية وما يجري اليوم في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقة ذلك بـ«نهاية التاريخ» التي تحدّث عنها فوكوياما.

ويتساءل نبيلات في هذا السياق عن دلالة رجوع مفهوم الخلافة القديم عند داعش وهل يمكن أن يكون ذلك دليلا على عدم صحة نظرية فوكوياما حول «نهاية التاريخ»، فالخلافة، حسب الباحث البريطاني، مفهوم اعتقدنا أنه مات، وها هو يعود. لكن فرانسيس فوكوياما يرى أن فكرة الخلافة ليست واقعية، ويظن أنها مجرد فكرة خيالية لمجموعة من الرجال الحاملين لرشاشات كلاشينكوف.

وأضاف أنه من المثير للدهشة أن هذه المجموعة تمكنت من الوصول إلى ذلك الحد الذي وصلت إليه الآن لكن بناء الدولة عمل مضن فعلا، وكل ما نجح في فعله تنظيم داعش هو توحيد السعوديين والقطريين والإيرانيين ضده على اعتباره سيئيا ويجب كبح جماحه. وتوقع المفكر الأميركي أن يدمر داعش نفسه بنفسه.

12