فرانس فانون يناقش العنصرية في بالتيمور ويدعو إلى التسامح

بعد تحول شوارع مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند الأميركية إلى ما يشبه ساحة حرب بين المتظاهرين المندّدين بالممارسات العنصرية للشرطة، عادت الأسئلة الكلاسيكية التي طرحت في منتصف القرن الماضي حول العنصرية والتحرر من النظرة الدونية تجاه “السود” إلى منطلقها الأول: أيّ مفارقة هذه التي نعيش؟ فالعالم يسرع بجنون نحو التطور العلمي، فيما لا تزال أركان منه حبيسة الحكم بـ”الألوان”.
الخميس 2015/05/07
قهر الدولة غير العادل يولد العنف خاصة إذا كان قهرا عنصريا

سارع سياسيو أميركا منذ بداية الاشتباكات بين المتظاهرين السود والشرطة في مدينة بالتيمور إلى التنديد بالعنف والفوضى التي عمّت شوارع المدينة نتيجة الغضب الشديد الذي بدى على المواطنين ذوي البشرة السوداء، بعد أن تراكمت حوادث قتل البعض منهم برصاص الشرطة، وقد تناست تلك القيادات السياسية أن ردود الأفعال العنيفة التي صاحبت مظاهرات السود لها مبررات نفسية معتبرة.

كتب فرانس فانون الفيلسوف والطبيب النفسي الفرنسي (الذي التحق بالثورة الجزائرية سنة 1955، ذو الأصول الأفريقية والبشرة السوداء) يقول: إن الإنسان العاجز عن تحقيق ذاته اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، يعوض ذلك النقص بنوع ما من العنف، وهذا “طبيعي”، أو على الأقل “متوقع”، حسب فانون.

ويزداد الأمر خطورة حين يصبح العجز مرتكزا إلى عامل خارجي، أي خارج دائرة إرادة وقدرة الإنسان على تحقيق ذاته، وهنا الإشارة تهم أساسا الدولة. فالعنصرية ظاهرة معقدة وحساسة نظرا لخطورتها “ولا إنسانيتها” من وجهة نظر المعايير الإنسانية، وتتحول إلى ظاهرة عامة وعنيفة إذا التصقت بتكرار الفعل العنصري ضد لون أو عرق أو دين ما من قبل أفراد آخرين أو مؤسسات. وفي حالة كتلك التي تحدث في بالتيمور، فإن انتقال احتجاجات السود إلى درجة أعنف يمكن تفسيرها بحالة “العصاب الجنسي الأليم” الذي تحدث عنه فرانس فانون في كتابه المعنون “معذبو الأرض”. إذ بعد تجاوز مرحلة الشعور بالنقص تجاه “الرجل الأبيض” وما يرافق ذلك الشعور من توجّس تجاه الآخر المختلف وتطوع لا إرادي ليكون الأسود في خدمة الأبيض، يتحول شعور النقص ذاك إلى نقمة تصاعدية كلما زادت نسبة الاضطهاد العنصري.

ويتحول الشعور بالنقمة تدريجا إلى شعور جماعي بين أفراد “اللون الواحد” ليواجه الدولة وأجهزتها بعد ذلك، ويمكن أن تأخذ هذه المواجهة العديد من الأشكال (احتجاجات، عنف، استهداف المنشآت..) ومنها شكل “ثورة” أيضا. وذلك ما يفسر جنوح المتظاهرين في بالتيمور إلى العنف نتيجة “القهر” بعد تكرار فعل قتل السود على أيدي الشرطة البيض، وبالتالي فالدولة تستهدف السود. وتؤكد تقارير صحفية أن ما يقوم به السود هو “هجوم معاكس أصبح ضروريا للقول إلى العالم: الأمر لم يعد محتملا”.

اغتراب الإنسان يزداد عندما يتعرض لعراقيل خارجة عن قدراته ومواهبه، كالتمييز العنصري المؤدي إلى العنف

ويتوسع فرانس فانون في دراسته لماهية العنصرية وتأثيراتها ليصل إلى تعميمات تخص الظاهرة ككل، من ذلك اتساع مفهوم الاغتراب والتقمص في ثقافة الآخر (الأبيض) ومحاولة الاختفاء داخلها. فموجات الهجرة القادمة من أفريقيا تحمل بينها شخصيات ذات بنية نفسية هشة، تتوجه مباشرة إلى تقمص شخصية الرجل الأبيض بكامل تمثلاتها اللغوية والسلوكية والنفسية والثقافية، حتى أن السود أصبحوا “محل تندر البيض في هذه المحاكات الفاشلة بقوة الطبيعة”، من وجهة نظر فانون.

ويقول الطبيب النفسي في أحد منشوراته المعنونة “بشرة سوداء وقناع أبيض” إن القادم الجديد من ذوي البشرة السوداء “يفعل كل ما بوسعه حين يصل إلى فرنسا لكي ينفي هويته الزنجية، فتراه يقول متباهيا: إن الزنوج إفريقيون، أما هو فإنسان مهذب تشرب الحضارة الأوروبية، وإن كان ملونا”.

وتضع هذه الحقائق في الميزان قوة الاضطراب النفسي الذي يمكن أن يلم بالفرد في حالة تعرضه إلى فصل أو تمييز عنصري داخل المجتمع الذي يوجد فيه. وإن قبلت الدولة (في جانبها الرسمي والإداري) بإدماج عناصر ملونة داخل المجتمع والإدارات والمؤسسات، فإن النظرة الشعبية العادية لهذا الملون بقيت على حالها منذ عصور، مرتكزة إلى النظرة الدونية واعتبار الزنجي في رتبة أقل من الأبيض، إن عن وعي أو عن غير وعي، وهذا سلوك وإن تغير في مجمله فهو لا يزال مشاعا بشكل أو بآخر.

ويصل فرانس فانون في استنتاجاته عن تحليل هويات الأقليات وسلوكها داخل مجتمع مختلف عنها إلى أن عملية الاندماج خاصة بالنسبة إلى السود أمر متعلق بالقدرة الثقافية للمجتمع ككل في قبول الآخر وقبول فكرة التعايش سلميا بين الملونين والمختلفين في العرق والدين والطائفة، وتمكين الجميع من فضاءات مختلفة لإثبات الذات والعمل والإنتاج، و”يعني هذا أن الهوية المستلبة تحتاج لأن تكتشف نفسها، وأن يتمّ الاعتراف بها وبحقوقها. وإذا كان العنف يمثل وسيلة لتحرير الهويّة المستلبة، فإنه لا يكون بالضرورة صالحا لكل الحالات”.

ولعل تجربة السود الأخيرة مع الشعور المؤلم بالتميز العنصري على أساس اللون، تعيد إلى الأذهان العديد من الأنظمة “الظالمة” التي كانت تسود في بعض بقاع العالم مثل نظام الأبارتهايد في أفريقيا الجنوبية وفترة التمييز العنصري في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. وقد تضيء هذه الأحداث أركانا جديدة في عملية اكتشاف الهوية الجزئية داخل الفضاء الكلي للمجتمع ترتكز أساسا إلى الحاجة إلى الآخر المختلف لتأكيد الاعتراف والوعي بالذات.

13